جيش واحد شعب واحد: هل وقفات للجيش السوداني مع الشعب السوداني مشرّفة؟ نحو إطار تحليلي نقدي (الجزء الأول)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

المقدمة

يناقش المقال استخدام شعار «جيش واحد شعب واحد» في السودان كأداة خطابية لإضفاء الشرعية على دور المؤسسة العسكرية في الحياة العامة، معتبرًا أن هذه الخطابات تهدف لإعادة بناء العلاقة بين الجيش والمجتمع، وليس فقط لإنهاء الانقلابات العسكرية. المشكلة المركزية هي التساؤل حول ما إذا كان الشعار يعكس علاقة موضوعية أم أداة أيديولوجية لتبرير تدخل الجيش في السياسة.
تهدف الدراسة إلى تحليل الخطاب والمؤسسة العسكرية ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي، وتقييم نماذج الانخراط العسكري في السياسة، وتقويم مواقف الجيش الموصوفة بأنها “مشرّفة”. يعتمد التحليل على ثلاثة مستويات: الفردي للقيادات العسكرية، المؤسسي لفهم ديناميات الجيش كمؤسسة، والبنيوي لموقع المؤسسة داخل الدولة والمجتمع.
الفرضيتان الأساسيتان: الانحياز العسكري مرتبط بانهيار الأنظمة وليس بقيم مؤسسية مستقرة، والتدخلات العسكرية المتكررة غالبًا ما تعيد إنتاج الهيمنة بدلاً من تحقيق انتقالات ديمقراطية. يُقترح نموذج تفسيري يربط بين الضغط الشعبي، الاقتصاد العسكري، ودرجة الانحياز المؤسسي في فترات الأزمات السياسية.

الإطار النظري

يُعرف الإطار العلاقات المدنية–العسكرية على أنها شبكة تفاعلات بين الجيش والمجتمع المدني والمؤسسات السياسية، مع تجاوز النماذج التقليدية التي تقلص دور الجيش إلى منع الانقلابات فقط.
يشمل الإطار النظري نماذج تفسيرية متعددة:

نظرية الدولة العميقة: الجيش ضمن شبكات نفوذ أوسع.

الاحتكار المشروع للعنف: الجيش الوسيط الأساسي في السلطة.

العسكرة الاجتماعية: تدخل الجيش في الشؤون المجتمعية والسياسية.

يحلل الإطار مفهوم الشرعية بأشكالها المختلفة (ثورية، دستورية، قسرية) لتفسير خطاب «جيش واحد شعب واحد». تُقدَّم مصفوفة تحليلية تربط النظريات بالتطبيق السوداني.
المتغيرات الأساسية:

المستقلة: الاقتصاد، الضغط الشعبي، التدخل الخارجي.

التابعة: سلوك الجيش تجاه الشعب والتحولات السياسية.

الخلفية التاريخية

تعود نشأة الجيش السوداني المعاصر إلى قوة دفاع السودان 1925 تحت الاحتلال البريطاني، وتحولت إلى القوات المسلحة بعد الاستقلال عام 1956. لعب الجيش دورًا محوريًا في الانقلابات والسيطرة على السلطة.
يتم تحليل التطور الزمني عبر أربع مراحل: الحقبة الاستعمارية، فترة الوطنية وما بعد الاستقلال، السلطوية العسكرية، والتحولات السياسية المعاصرة.
تشمل الخلفية تطور العقيدة العسكرية من الدفاع الخارجي إلى التدخل السياسي، تكوين النخب العسكرية، وتأثير النزاعات الداخلية والبنى القبلية والإدارات الأهلية على دعم الجيش أو الحد من تأثيره السياسي.

دراسة الحالات

إطار تحليلي موحد

يشمل السياق، الفاعلون، القرار، النتائج، وتحليل زمني قبل/أثناء/بعد الحدث، مع بناء مؤشر قياس الانحياز للجيش.

1964 – ثورة أكتوبر

السياق: احتجاجات واسعة ضد حكم الفريق إبراهيم عبود بسبب القمع الاقتصادي والسياسي.

الفاعلون: طلاب، نقابات، أحزاب سياسية، وضباط متوسطون رفضوا القمع.

القرار: استقالة عبود وتشكيل حكومة انتقالية مدنية.

النتائج: انتقال سلس إلى حكم مدني مع استمرار التوترات بين المدنيين والعسكريين.

الانحياز: أعلى درجات الانحياز للشعب، انسحاب الجيش من القمع ودعم الانتقال المدني.

1985 – سقوط نميري

السياق: أزمة اقتصادية وحرب أهلية جنوبية، فرض الشريعة الإسلامية.

الفاعلون: نقابات المهنيين والعمال، احتجاجات شعبية واسعة.

القرار: تدخل الجيش برئاسة سوار الذهب لإنهاء حكم نميري، حل الحزب الحاكم.

النتائج: تشكيل مجلس عسكري انتقالي، انتخابات عامة 1986، استمرار الانقسامات والتحديات.

الانحياز: جزئي، تدخل الجيش لإنهاء حكم غير شعبي مع استمرار دوره السياسي.

2018–2019 – الاحتجاجات ضد البشير

السياق: أزمة اقتصادية، تضخم، نقص السلع، حكم طويل لعمر البشير.

الفاعلون: مجموعات شبابية، قوى مهنية، تحالفات معارضة.

القرار: عزل البشير في 11 أبريل 2019، تشكيل مجلس عسكري انتقالي مع قوى الحرية والتغيير.

النتائج: انتقال جزئي للسلطة، استمرار النفوذ العسكري، عدم استقرار سياسي.

الانحياز: جزئي، ساهم الجيش في الإطاحة بالنظام لكن لم يحقق انتقالًا ديمقراطيًا كاملًا.

الأدوار الإنسانية

الجيش قدم مساعدات في أزمات مثل الفيضانات، مما منح شرعية مؤقتة لدى بعض الشعب، لكنها لا تلغي الجدل حول السيطرة السياسية. يمكن قياس تأثيرها عبر استطلاعات الرأي العام ومقارنة الثقة بين الجيش والمؤسسات المدنية.

الحالات السلبية والعنف

العنف المباشر: قمع الاحتجاجات بالاعتقالات والقوة النارية.

العنف الهيكلي: سياسات تقلص الحريات.

العنف الرمزي: خطاب يبرر القمع.
القمع يُستخدم كأداة للحفاظ على السلطة، ما يكشف فجوة بين الخطاب والممارسة.

دوافع الانحياز

العوامل الأساسية: الترابط بين دور الجيش في السياسة والاقتصاد، ضعف البنى المدنية، غياب الرقابة الفعّالة.

تصنيف الدوافع:

استراتيجية: رؤية طويلة الأمد للحفاظ على استقرار الدولة.

تكتيكية: رد فعل فوري لأحداث مثل الاحتجاجات الاقتصادية.

ظرفية: أحداث مفاجئة كالصراعات الداخلية أو الإقليمية.

المصالح الشخصية للقيادات: حماية امتيازاتهم ومصالح اقتصادية داخل الجيش.

إدارة المخاطر: تقليل تهديد الفوضى أو انهيار الدولة.

دور المعلومات الاستخباراتية: تحديد الحاجة للتدخل السياسي أو الاجتماعي.

الدوافع غير المعلنة: حماية مصالح اقتصادية وشبكات نفوذ شخصية.

التحديات والتناقضات

تتقاطع مهام الجيش التقليدية مع طموحات سياسية واقتصادية، ما يولد تصادمًا بين واجبات الأمن والأدوار السياسية.

التناقضات تنشأ من تداخل الصلاحيات بين الجيش والسلطات المدنية.

الثقافة التنظيمية: الانضباط والهرمية تعطي أولوية للأساليب الأمنية.

نظرية الفاعل المزدوج: الجيش يجمع بين وظائف دفاعية وسياسية، ما يولّد تناقضات.

الانضباط العسكري قد يؤدي إلى انتهاكات حقوق المدنيين.

الأثر على الدولة

التدخل العسكري يؤثر على ديمومة مؤسسات الدولة، يثبت الاستقرار مؤقتًا، لكنه يضعف البناء الديمقراطي ويقلل فاعلية الأحزاب والمجتمع المدني.

مؤشرات قياس الأثر: نمو الناتج المحلي، الحريات السياسية، الانتخابات، استقرار المؤسسات القانونية.

التداخل العسكري يضعف بناء مؤسسات مدنية قوية ويهيمن على العملية السياسية.

الثقة الاجتماعية كمؤشر: انخفاض الثقة كلما ارتبط التدخل العسكري بالعنف أو القمع.

الهوية الوطنية: الجيش يُنظر إليه كحارس للوحدة الوطنية لكنه يثير انتقادات حول التوازن بين الجيش والمجتمع المدني.

الاقتصاد السياسي للمؤسسة العسكرية

توسع الجيش السوداني في نشاطاته الاقتصادية بما يتجاوز دوره التقليدي، لتشمل الزراعة، والخدمات العامة، وعقود التوريد، والشركات المرتبطة بوزارة الدفاع، والمشاريع متعددة القطاعات، مما أكسبه نفوذًا اقتصاديًا واسعًا. العلاقة مع القطاع الخاص تتسم بالتفاعل المباشر أحيانًا والتنافس غير العادل في بعض القطاعات الحيوية، في حين يؤدي احتكار الجيش لبعض الأسواق إلى تشويه البيئة الاقتصادية ونمو القطاع الخاص. هذه الهيمنة الاقتصادية تمنح الجيش دوافع قوية للبقاء في المشهد السياسي لحماية امتيازاته الاقتصادية والاستراتيجية.

الإعلام وصورة الجيش

يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل صورة الجيش، سواء كفاعل سياسي أو كحارس للاستقرار. ملكية وسائل الإعلام وتأثيرها في صناعة الرأي العام تتحكم في سرديات الحرب والسياسة، بينما يُسهم تحليل المضمون الإعلامي في فهم الرسائل المرتبطة بالاستقرار، الأمن، والهوية الوطنية. الخوارزميات الرقمية تزيد من انتشار الرسائل المؤيدة أو المعارضة، ويُستخدم الإعلام التقليدي والرقمي كأداة لصناعة الشرعية أو نقد الدور العسكري، مؤثرًا في سلوك الجمهور تجاه الجيش.

الفاعلون غير النظاميين

تتكون البنية التنظيمية للفاعلين غير النظاميين من ميليشيات مسلحة وجماعات محلية غير نظامية نشأت ضمن النزاع المستمر منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، مع فصائل مرتبطة بدارفور وكردفان وبلاد النيل. تتميز هذه الجماعات بهيكل مرن وولاءات متداخلة (قبلية، اقتصادية، سياسية). شبكات القوة تشمل ارتباطات مع مجموعات قبلية وفصائل سياسية محلية، كما تتضمن مشاركة مقاتلين من دول مجاورة. اقتصاد الحرب يعتمد على السيطرة على الطرق التجارية، الموارد الطبيعية، الذهب، وفرض الرسوم غير الرسمية. وجود هذه الفاعلين يساهم في تفكيك احتكار الدولة للعنف ويخلق اقتصادًا موازٍ ويزيد تعقيد المشهد الأمني، مع تداعيات إنسانية واسعة مثل النزوح الجماعي وارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.

البنية الداخلية للمؤسسة العسكرية

الجيش السوداني يتسم بهيكل هرمي يشمل القيادة العامة، مجالس الأركان، القادة الميدانيين، والأجهزة الاستخباراتية والاستراتيجية، مع وحدات لوجستية وإدارية. اتخاذ القرار يتم عبر آليات رسمية غير شفافة، ويؤثر فيه التحالفات الداخلية، التقديرات الاستخباراتية، والضغوط السياسية. شبكات النفوذ غير الرسمية، الولاءات الشخصية والقبلية، غالبًا ما تتجاوز الولاءات المؤسسية، ما قد يضعف التماسك ويؤثر في توزيع الأدوار ومناطق النفوذ.

الجيش والنزاعات الأهلية

شارك الجيش في عدة نزاعات أهلية منذ الستينيات، والنزاع الراهن منذ أبريل 2023 هو الأكثر تعقيدًا، بمشاركة ميليشيات محلية وفصائل غير نظامية. التدخل العسكري تسبب في تهجير داخلي لأكثر من 10 ملايين شخص وانهيار الخدمات الأساسية. الموارد الطبيعية مثل المياه والأراضي الزراعية تزيد من حدة النزاع. شرعية الجيش والفاعلين غير النظاميين تعتمد على تصورات السكان المحليين وسلوك القوات في الميدان.

الجيش والتحول الديمقراطي

التحول الديمقراطي يمر بثلاث مراحل: سقوط النظام القديم، إدارة انتقالية مختلطة، وتثبيت نظم حكم جديدة. المرحلة الانتقالية في السودان بعد إسقاط البشير شهدت مشاركة مدنية وعسكرية في السلطة، مع تحديات تشمل ضعف المؤسسات المدنية، غياب ثقافة ديمقراطية، وعدم استقلال القضاء. غياب الرقابة على الجيش يمكن أن يؤدي لإعادة إنتاج السلطوية.

العدالة الانتقالية

تمثل العدالة الانتقالية إطارًا قانونيًا واجتماعيًا للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان عبر محاكمات، لجان الحقيقة، برامج التعويض والإصلاح المؤسسي. تنفيذها يعزز الاستقرار السياسي ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، لكنها تواجه مقاومة شديدة من المؤسسة العسكرية خوفًا من فقدان الحصانة والنفوذ.

البعد الإقليمي والدولي

الأبعاد الإقليمية والدولية تؤثر على النزاع والتحول السياسي، حيث تلعب الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي دور الوساطة وتقديم المساعدات. أدوات التأثير تشمل التمويل، التدريب، الدعم الدبلوماسي والتحالفات الأمنية. التنافس الإقليمي على دعم فصائل مختلفة يزيد من تعقيد الحلول، في حين أن المنظمات الدولية تساهم بالمراقبة والدعم الإنساني رغم صعوبة تطبيق قراراتها.

المقارنة الدولية

تظهر المقارنات بين الدول نجاح بعضها مثل كوريا الجنوبية والبرازيل في دمج الجيش ضمن أطر ديمقراطية، بينما فشلت دول أخرى بسبب الهيمنة العسكرية، ضعف المجتمع المدني، أو غياب إرادة سياسية قوية. العوامل الحاسمة تشمل قوة المؤسسات المدنية، استقلال القضاء، الرقابة المدنية، والتواصل بين الجيش والمدنيين.

النموذج المستدام

يتضمن إصلاحات متعددة تشمل إعادة هيكلة الجيش، تعزيز النزاهة المهنية، وضع ميزانية شفافة، وآليات رقابة مدنية. قابلية التنفيذ تتطلب دعم سياسي واسع، تعاون بين السلطات، وبرامج تدريب للقيادات. توازن القوى يضمن خضوع الجيش للقيادة المدنية وصلاحيات دفاعية محددة مع محاكم مستقلة ولجان رقابية. الأولويات تشمل إصلاح التشريعات، تعزيز استقلال القضاء، وحوكمة الأمن بمشاركة المجتمع المدني. السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين الانتقال الديمقراطي المستدام، الفشل الجزئي، أو العودة للهيمنة العسكرية.

الخاتمة

نجاح التحول الديمقراطي بعد عهد الهيمنة العسكرية يعتمد على قوة المؤسسات المدنية، الرقابة على الجيش، الحوكمة الشفافة، توافق السياسات بين المدنيين والعسكريين، مشاركة المجتمع المدني، والدعم الدولي والإقليمي. النموذج التفسيري النهائي يوفر إطارًا لفهم الفروقات بين حالات النجاح والفشل ويساعد على تصميم إصلاحات مدروسة للحد من الهيمنة العسكرية. الإسهام العلمي يكمن في ربط النظريات المقارنة بالتحولات الواقعية، مع تقديم أدوات قياس وتقييم، بينما تشمل الأجندة البحثية المستقبلية دراسة العوامل الثقافية والاجتماعية، تأثير المنظمات الدولية، وتقييم البرامج التدريبية لتحسين العلاقات المدنية–العسكرية.

النص الكامل للمقال

أولاً: المقدمة

يُستخدم شعار «جيش واحد شعب واحد» في السياقات السياسية السودانية كأداة خطابية لإضفاء الشرعية على دور المؤسسة العسكرية في الحياة العامة، إذ يُنظر إلى مثل هذه الخطابات كوسائل لإعادة بناء العلاقات بين الجيش والمجتمع بدلًا من الاكتفاء بمنع الانقلابات فقط (Rahmtalla, 2025) . تحليل بنية الشعار لغويًا ودلاليًا ووظيفيًا يُظهر كيفية توظيف اللغة في الإيهام بانحياز المؤسسة العسكرية لصالح الشعب في واقع سياسي معقد (Rahmtalla, 2025) .

تمثل الإشكالية المركزية لهذا البحث في التساؤل عما إذا كان شعار «جيش واحد شعب واحد» يعكس علاقة موضوعية بين المؤسسة العسكرية والمجتمع أم أنه أداة أيديولوجية تُستخدم لتبرير تدخل الجيش في السياسة وتوسيع نفوذه.

تهدف الدراسة إلى تحليل الخطاب والمؤسسة العسكرية في سياقها التاريخي والاجتماعي، وتحديد نماذج الانخراط العسكري في السياسة في السودان، وتقويم مواقف الجيش التي تُوصَف بأنها «مشرّفة» وفق مؤشرات معيارية.

يعتمد التحليل على مستويات متعددة تشمل:

المستوى الفردي لسلوك القادة العسكريين؛

المستوى المؤسسي لفهم ديناميات الجيش كمؤسسة؛

المستوى البنيوي لتحليل موقع المؤسسة داخل بنية الدولة والمجتمع (Rahmtalla, 2025) .

تُطرح فرضيتان أساسيتان:

الانحياز العسكري يتصل بانهيار الأنظمة وليس بقيم مؤسسية مستقرة.

التدخلات المتكررة للمؤسسة العسكرية تؤدي في أغلب الأحيان إلى إعادة إنتاج الهيمنة وليس إلى انتقالات ديمقراطية.

يقترح البحث نموذجًا تفسيريًا أوليًا يربط بين الضغط الشعبي والاقتصاد العسكري ودرجة الانحياز المؤسسي للمؤسسة العسكرية في فترات الأزمات السياسية. يُستند في هذا النموذج إلى تطورات دور الجيش السوداني وعلاقاته الاجتماعية والسياسية وتداخلاته الاقتصادية (Rahmtalla, 2025) .

تعتمد منهجية الدراسة على:

المنهج التاريخي التحليلي لتتبع تطور المؤسسة العسكرية منذ الاستعمار وحتى الوقت الراهن (Robinson, 2022) .

دراسة الحالات للأحداث الحاسمة في التاريخ السياسي السوداني.

التحليل الخطابي لفهم كيف يُستخدم الشعار في توجيه الوعي السياسي.

تحليل الاقتصاد السياسي لكشف علاقة المؤسسة العسكرية بالنشاط الاقتصادي.

التحليل المقارن للاستفادة من تجارب مقارنة في العلاقات المدنية–العسكرية.

يربط البحث كل منهج بسؤال بحثي محدد لضمان تماسك منهجي. وتُبرز مراجعة الأدبيات وجود فجوة بحثية في الدراسات السابقة التي ركزت غالبًا على دور الجيش في منع الانقلابات أو إخراجه من السياسة، دون تناول نقدي شامل ومتعمق لشعار الانحياز العسكري للشعب (Rahmtalla, 2025) .

تحدد حدود الدراسة بتحليل المؤسسة العسكرية الرسمية في السودان وعلاقتها بالمجتمع والسياسة، دون الخوض الكامل في فاعلين مسلحين موازين مثل قوات الدعم السريع، رغم الاعتراف بتأثيرهم في المشهد العام للصراع (Aljazeera Encyclopedia, 2023) .

ثانياً: الإطار النظري

تُعرَّف العلاقات المدنية–العسكرية على أنها شبكة من التفاعلات بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني والمؤسسات السياسية، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن فهم هذه العلاقات يتطلب تجاوز النماذج التقليدية التي تقلص دور المؤسسة العسكرية إلى مجرد منع الانقلابات أو إخراجها من السياسة (Rahmtalla, 2025) .

يتضمن الإطار النظري مجموعة من النماذج التفسيرية التي تهدف إلى فهم العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية، ومنها:

نظرية الدولة العميقة التي ترى أن المؤسسة العسكرية تلعب دورًا ضمن شبكات أوسع من النفوذ والهيمنة؛

الاحتكار المشروع للعنف، الذي يُعدّ من خصائص الدولة الحديثة، وتُعد القوات المسلحة الوسيط الأساسي فيه؛

العسكرة الاجتماعية التي تشير إلى دخول الجيش في شؤون المجتمع والحياة السياسية.

يُحلَّل أيضًا مفهوم الشرعية في أشكالها المتعددة (ثورية، دستورية، قسرية) لتحديد السياقات التي يُنتَج فيها خطاب «جيش واحد شعب واحد» وتأثيراتها على قبول المجتمع لهذا الخطاب.

يُقدَّم في هذا الإطار مصفوفة تحليلية تربط بين النظريات السابقة وتطبيقاتها على الحالة السودانية، مما يساعد على الكشف عن مدى صلاحية كل نظرية في تفسير دور المؤسسة العسكرية في مراحل مختلفة من تاريخ السودان المعاصر (Rahmtalla, 2025) .

تُعد المتغيرات الأساسية في هذا البحث:

المتغيرات المستقلة: الاقتصاد، الضغط الشعبي، والتدخل الخارجي.

المتغير التابع: سلوك المؤسسة العسكرية تجاه الشعب والتحولات السياسية.

يتضمن الإطار أيضًا فحصًا لحدود صلاحية النظريات السابقة في تفسير الحالة السودانية المعقدة، سياقًا يشمل التفاعلات بين المؤسسة العسكرية والضغوط الشعبية والسياسية والاقتصادية منذ الاستقلال وحتى الوقت الراهن (Rahmtalla, 2025) .

ثالثاً: الخلفية التاريخية

تُرجع المصادر التاريخية نشأة الجيش السوداني المعاصر إلى تأسيس قوة دفاع السودان عام 1925 في فترة الاحتلال البريطاني، إذ كانت الأساس الذي تطور لاحقًا إلى القوات المسلحة السودانية بعد استقلال السودان عام 1956 (Wikipedia contributors, 2026) . وقد لعبت المؤسسة العسكرية منذ ذلك الحين دورًا بارزًا في المشهد السياسي، بما في ذلك الانقلابات العسكرية المتكررة وسيطرة الجيش على السلطة في مناسبات متعددة (Wikipedia contributors, 2026) .

يمثل التحليل المرحلي الزمني أداة لفهم مسار تطور المؤسسة العسكرية خلال أربع مراحل رئيسية: من الحقبة الاستعمارية، مرورًا بفترة الوطنية وبعد الاستقلال، ثم مراحل السلطوية العسكرية، وأخيرًا فترات التحولات السياسية المعاصرة. ويشير التحليل إلى أن الجيش لم يقتصر دوره على الدفاع فقط، بل غدا فاعلًا سياسيًا مؤثرًا في بنية الدولة (Robinson, 2022) .

يتضمن السياق أيضًا دراسة تطور العقيدة العسكرية داخل القوات المسلحة، والتي تحولت من تركيزها على الدفاع الخارجي إلى أدوار أكثر تدخلًا في الشؤون السياسية الداخلية، وقد انعكس ذلك على القرارات التي اتخذتها المؤسسة إزاء المجتمع والدولة (Dhawy, 2023) .

كما يشمل التحليل تكوين النخب العسكرية التي تشكلت عبر خلفيات اجتماعية متعددة، إضافة إلى تأثير الحروب الداخلية والنزاعات المتداخلة والتي أعادت تشكيل أولويات المؤسسة العسكرية في مراحل مختلفة، خاصة مع بروز فعالية فصائل مسلحة موازية عنفت الساحة السياسية (Aljazeera Opinions, 2023) .

تلعب البنى القبلية والإدارات الأهلية دورًا مهمًا في تاريخ العلاقات المدنية–العسكرية، إذ أسهمت في تشكيل الدعم المحلي للمؤسسة العسكرية أو الحد من تأثيرها في مناطق متعددة، ضمن سياق اجتماعي ثقافي معقد يُشكل خلفية لفهم درجة قبول المجتمع للمؤسسة العسكرية ومواقفها السياسية (Rahmtalla, 2025) .

رابعاً: دراسة الحالات

إطار تحليلي موحد

يشمل السياق، الفاعلون، القرار، النتائج مع تحليل زمني قبل/أثناء/بعد الحدث وبناء مؤشر قياس الانحياز للجيش في كل حالة (Hasan, 1967)

1964

السياق

في 21 أكتوبر 1964م اندلعت ثورة شعبية واسعة في السودان ضد الحكم العسكري للفريق إبراهيم عبود الذي وصل إلى السلطة عقب انقلاب 17 نوفمبر 1958م؛ حيث كان عبود قد ألغى الأحزاب السياسية وعلق العمل بالدستور، ما ساهم في تفاقم الاحتقان المجتمعي بسبب البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية ورفض القمع السياسي (Hasan, 1967) الثورة بدأت بمظاهرات طلابية في الخرطوم احتجاجًا على مشكلة جنوب السودان ثم امتدت إلى بقية المدن الكبرى، لتتحول إلى انتفاضة وطنية ضد الحكم العسكري بأكمله (Wikipedia contributors, 2026)

الفاعلون

شارك في الثورة طلاب جامعة الخرطوم الذين كانوا ينظمون الندوات والمظاهرات، النقابات المهنية التي دعت لإضرابات، طبقة العمال في المصانع والموانئ، ومجموعة من القوى السياسية المدنية مثل حزب الأمة والحزب الاتحادي الوطني، إضافة إلى عدد من ضباط الجيش المتوسطين الذين رفضوا قمع المتظاهرين (Hasan, 1967)

القرار

تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية المستمرة في المدن الكبرى وانسحاب دعم الشارع للنظام، أعلن الفريق إبراهيم عبود استقالته في 26 أكتوبر 1964م بعد أسبوع من الاحتجاجات، وتم التفاوض على تشكيل حكومة انتقالية مدنية ومجلس السيادة السوداني الثاني الذي تشكل في 3 ديسمبر 1964م بوجود ممثلين من الأحزاب المدنية المختلفة للتشاور في ترتيب انتقال السلطة (Wikipedia contributors, 2026)

النتائج

أدت الثورة إلى إسقاط نظام عسكري مدعوم بالقوة وتولي حكومة انتقالية مدنية تُمكّن من إجراء انتخابات عامة في 1965م ساهمت في إعادة العمل بالدستور وتوسيع الحريات السياسية، رغم استمرار بعض التوترات في الساحة الوطنية بين المدنيين والعسكريين لاحقًا (Hasan, 1967)

تحليل قبل/أثناء/بعد الحدث

قبل الحدث: تراكم الاستياء من البطالة والقمع السياسي والإجراءات الاقتصادية غير المتوازنة.
أثناء الحدث: توسع سريع للاحتجاجات من الطلاب إلى قطاعات عمالية ومهنية، ثم تحوّلت إلى انتفاضة شعبية مدنية بقيادة أحزاب ومنظمات مجتمع مدني.
بعد الحدث: انتقال سلس نسبيًا إلى حكومة مدنية واعدة بإصلاحات، لكنها واجهت تحديات سياسية واقتصادية خلال الانتقال (Hasan, 1967)

مؤشر قياس الانحياز

ينعكس مؤشر الانحياز في هذه الحالة في انسحاب الجيش من القمع المباشر ورفض استعمال القوة لقمع الشعب، إضافة إلى دعم قرار الاستقالة لصالح انتقال مدني ديمقراطي، مما يجعل درجة الانحياز للشعب في هذه الحالة من أعلى الدرجات مقارنة بحالات لاحقة (Hasan, 1967)

1985

السياق

شهد السودان في أوائل الثمانينات أزمة اقتصادية حادة مع تزايد الديون الخارجية وارتفاع أسعار المواد الأساسية بعد إجراءات التقشف التي فرضتها حكومة الرئيس جعفر نميري، ما أدى إلى احتجاجات واسعة من قبل المواطنين في مارس وأبريل 1985م، في ظل استمرار الحرب الأهلية في الجنوب منذ 1983م وفرض نميري الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983م ما زاد الاستقطاب السياسي (Wikipedia contributors, 2026)

الفاعلون

شارك في الحركة الاحتجاجية نقابات المهنيين مثل الأطباء والمحامين والمحاضرين والعمال، الذين أطلقوا إضرابًا عامًا في 3 أبريل 1985م ما شلّ إدارة الدولة وأجبر الشارع على النزول إلى الطرقات رفضًا للسياسات القاسية (Wikipedia contributors, 2026)

القرار

في 6 أبريل 1985م استغل الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، وزير الدفاع وقائد القوات المسلحة، حالة الاضطراب الشعبي والسياسي ليتدخل الجيش ويطيح بحكومة نميري بعد 16 عامًا من الحكم الاستبدادي، معلنًا حل الحزب الحاكم وحل البرلمان ووقف العمل بالدستور مؤقتًا (Wikipedia contributors, 2026).

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

قائمة الجماعات الإرهابية الأجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية (الجزء الرابع)

قائمة الجماعات الإرهابية الأجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية: الإطار القانوني والتطور التاريخي وتداعيات إدراج الحركة …