حرب السودان من صراع على الدولة إلى منظومة حرب عابرة للحدود: الدول الاثنتا عشرة، وشبكات السلاح والذهب واللوجستيات، وكيف تطيل التدخلات الخارجية الحرب وتعيد تشكيل الدولة السودانية
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تحولت الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من صراع داخلي على السلطة بين مركزين عسكريين إلى نزاع إقليمي متعدد المستويات، تتداخل فيه الأسلحة والتمويل والذهب والمقاتلون الأجانب والمطارات والممرات الحدودية وشبكات الشركات والوسطاء والفاعلون الحكوميون وغير الحكوميين. وأصبح الدعم الخارجي عاملاً مركزياً في قدرة الطرفين على مواصلة القتال وتعويض الخسائر وإعادة بناء القدرات العسكرية، وفي انتقال الحرب من صراع كان يمكن أن يُحسم سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة ذات آثار إنسانية واقتصادية وسياسية وإقليمية عميقة. لذلك لم يعد تفسير الحرب باعتبارها مجرد مواجهة سودانية داخلية كافياً، بل أصبح من الضروري فهمها باعتبارها منظومة نزاع عابرة للحدود تتفاعل فيها الأسباب الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية، واقتصاد الحرب، وشبكات السلاح والذهب والتمويل واللوجستيات.
يعتمد المقال على قائمة تحليلية من اثنتي عشرة دولة مرتبطة بدرجات مختلفة بالبنية الخارجية للحرب. وترتبط خمس منها أساساً بمعسكر القوات المسلحة السودانية، وهي مصر والسعودية وإيران وباكستان وتركيا، بينما ترتبط سبع دول بشبكة الدعم أو الممرات أو البيئة اللوجستية المرتبطة بقوات الدعم السريع، وهي الإمارات العربية المتحدة وتشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا وجنوب السودان وأوغندا. ولا تعني هذه القائمة أن الدول الاثنتي عشرة متساوية في طبيعة الدعم أو حجمه أو مباشرته، ولا تعني أن جميعها تصدر السلاح بصورة مباشرة أو بقرار حكومي معلن. كما أنها ليست قائمة رسمية أعلنها مسعد بولس؛ فقد تحدث عن دعم عسكري تقدمه اثنتا عشرة دولة على الأقل، لكنه لم يسمِّ هذه الدول. ولذلك فإن القائمة تمثل إعادة بناء تحليلية تستند إلى تجميع الأدلة من المصادر الأممية ومراكز البحوث والدراسات الأكاديمية ومنظمات حقوق الإنسان والتحقيقات الصحفية، مع ضرورة التمييز بين المورد المباشر للسلاح، والدولة التي تعيد التصدير، والدولة التي توفر المطار أو الطريق أو قاعدة العبور، والدولة التي تستضيف الوسطاء أو المقاتلين، والدولة التي تصبح سوقاً للذهب أو مركزاً مالياً.
وتبين دراسة الأدوار الخارجية أن الإمارات تمثل العقدة الأبرز في الشبكة المرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما تشكل مصر وإيران وتركيا، بدرجات مختلفة، أهم عناصر البيئة الخارجية الداعمة للقدرات العسكرية للقوات المسلحة السودانية، مع اختلاف طبيعة الدور السعودي عن ذلك. أما تشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا فتظهر بصورة أكبر باعتبارها ممرات أو عمقاً لوجستياً أو بيئات للتهريب والنقل، بينما ترتبط كينيا بدرجات مختلفة بالشبكات السياسية والمالية والتجارية الإقليمية. وتؤكد الأدلة الحديثة أن التدخل الخارجي لم يعد مقتصراً على الأسلحة التقليدية، وإنما امتد إلى المسيّرات والذخائر المتقدمة والتدريب والخبرات العسكرية والمقاتلين الأجانب وخدمات النقل والتمويل.
وتتطلب إعادة فهم الحرب تجاوز مفهوم «الحرب بالوكالة» بمعناه التقليدي، لأن السودان لا يمثل مجرد مواجهة بين طرفين محليين تديرهما دولتان خارجيتان، بل يمثل شبكة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الجيوش النظامية والقوات شبه العسكرية والشركات الخاصة وشبكات الذهب والمهربين والمطارات والموانئ وشركات الطيران والمقاتلون المتعاقدون. ولذلك فإن المفهوم الأكثر ملاءمة هو «منظومة النزاع العابرة للحدود»، حيث يستطيع الطرف المحلي الاستمرار بسبب شبكات خارجية توفر له السلاح والمال والوقود والمعلومات والخبرة، بينما يستطيع الفاعل الخارجي تحقيق مصالحه من خلال فاعلين محليين دون تحمل تكلفة الاحتلال أو التدخل العسكري المباشر.
وتكشف هذه المنظومة عن ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول داخلي، ويتمثل في انهيار الانتقال الديمقراطي، والانقلاب العسكري في 2021، والتنافس بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول مستقبل الدولة والقطاع الأمني والموارد، وتراكم استقلال قوات الدعم السريع عن مؤسسات الدولة. والمستوى الثاني إقليمي، ويتمثل في تنافس القوى الإقليمية على السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والموانئ والزراعة والذهب والأمن الحدودي والنفوذ السياسي. أما المستوى الثالث فهو عابر للحدود، ويتعلق بحركة السلاح والذهب والمقاتلين والوقود والشركات الخاصة والطائرات والتمويل والمعلومات عبر مساحات تمتد من الخليج إلى شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا.
ويحتل الذهب موقعاً مركزياً في هذه المنظومة، لأنه تحول من مورد اقتصادي إلى أداة لتمويل الحرب وبناء شبكات النفوذ. وقد ساهم توسع تعدين الذهب خلال العقد السابق للحرب، ولا سيما في دارفور، في تعزيز القوة الاقتصادية للنخب المسلحة، وأصبح الذهب وسيلة للحصول على العملات الأجنبية، وتمويل شراء الأسلحة والوقود، ودفع أجور المقاتلين، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية خارج السودان. كما ربط الذهب الحرب السودانية بشبكات تجارية ومالية إقليمية، وكان للإمارات دور بالغ الأهمية باعتبارها مركزاً رئيسياً لتجارة الذهب السوداني، بينما ارتبطت مسارات أخرى بمصر وتشاد وجنوب السودان وإريتريا وغيرها.
وتوضح حالة مصر أن الدعم الخارجي لا يمكن تفسيره دائماً باعتباره دعماً لشخص أو فصيل، بل قد يكون تعبيراً عن تصور أوسع لمصلحة الدولة الداعمة. فالقاهرة تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي المباشر، بسبب الحدود الجنوبية ووادي النيل والمياه والبحر الأحمر واحتمال انتقال الصراع والجماعات المسلحة إلى الأراضي المصرية. ولذلك ارتبط موقفها بصورة أساسية بالقوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة التي تراها أكثر قدرة على الحفاظ على وحدة الدولة ومنع ظهور قوة عسكرية موازية على حدودها. ويمنح هذا الموقف مصر مبررات أمنية واضحة، لكنه يخلق في الوقت نفسه معضلة سياسية، لأن دعم مؤسسة عسكرية قد يساعد على منع انهيار الدولة أو انتصار قوة شبه عسكرية، لكنه يمكن أن يضعف فرص الانتقال الديمقراطي إذا لم يصاحبه ضغط باتجاه بناء سلطة مدنية.
أما السعودية فتتميز بوضع أكثر تعقيداً، لأنها أقرب إلى معسكر القوات المسلحة السودانية، لكنها شاركت في الوقت نفسه في جهود الوساطة، ولا سيما مسار جدة، واحتفظت بقنوات مع مختلف الأطراف. وترتبط المصالح السعودية بأمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي والزراعة والثروة الحيوانية والذهب والموانئ. ويكشف هذا الدور عن مشكلة بنيوية في الوساطة عندما تكون الدولة الوسيطة مرتبطة بدرجة معينة بأحد الأطراف؛ إذ يمكن أن تتحول الوساطة من أداة لإنهاء الحرب إلى وسيلة لإدارة التنافس بين الحلفاء. لذلك فإن الدور السعودي الأكثر فاعلية في المستقبل سيكون في استخدام النفوذ على الطرف الأقرب إليها لدفعه نحو وقف إطلاق النار والتسوية، وربط الدعم الاقتصادي والسياسي بالتقدم نحو حل سياسي.
ويمثل الدور الإيراني أحد أهم أوجه التحول التكنولوجي في الحرب، ولا سيما في مجال المسيّرات والقدرات العسكرية غير المأهولة. فقد ساهمت التكنولوجيا الخارجية في تعزيز القدرات الجوية للقوات المسلحة السودانية، وأصبحت المسيّرات عنصراً مركزياً في الحرب. وتكمن أهمية إيران أيضاً في رؤيتها للبحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما مجالاً استراتيجياً، بما يجعل السودان جزءاً من تنافس إقليمي أوسع. لكن انتقال التكنولوجيا العسكرية المتقدمة إلى الحرب يخلق مخاطر إضافية على المدنيين، لأن القدرة على شن ضربات بعيدة المدى يمكن أن توسع المجال الجغرافي للهجمات وتزيد الخطر على الأعيان المدنية.
أما باكستان فدورها أقل وضوحاً وتأثيراً من مصر أو إيران أو تركيا، ويرتبط بصورة أكبر بشبكة التعاون الدفاعي والمعدات والمشتريات العسكرية. وتوضح الحالة الباكستانية أن الدولة الموردة لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك مشروع جيوسياسي مباشر في السودان حتى يؤثر تعاونها الدفاعي في ميزان القوى. ولذلك تبرز أهمية التحقق من المستخدم النهائي ومراقبة إعادة التصدير، بدلاً من النظر إلى كل عملية بيع عسكرية على أنها حدث منفصل عن البيئة الأمنية التي ستستخدم فيها المعدات.
وتحتل تركيا مكانة مهمة في البيئة العسكرية المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية، خصوصاً في مجال التكنولوجيا الدفاعية والمسيّرات والأسلحة والمعدات. كما تكشف الأدلة المتعلقة بالأسلحة التركية أن مشكلة التسليح لا تقتصر على الأسلحة الكبرى، وإنما تشمل أيضاً الأسلحة الصغيرة والذخائر التي يمكن أن تدخل إلى السوق السودانية ثم تتحول إلى أدوات للحرب. وترتبط السياسة التركية في السودان بمصالح أوسع في البحر الأحمر والتجارة والزراعة والبنية التحتية والعلاقات العسكرية. ولذلك فإن ضبط الصادرات التركية وإجراءات المستخدم النهائي وإعادة التصدير يمثل جزءاً من معالجة شبكة الإمداد.
وعلى الجانب الآخر، تظهر الإمارات باعتبارها العقدة الخارجية الأكثر أهمية في شبكة الدعم المرتبطة بقوات الدعم السريع. وقد تراكمت الأدلة المتعلقة بمسارات السلاح والتمويل والذهب واللوجستيات من مصادر أممية وحقوقية وصحفية وأكاديمية متعددة. وتشير التقارير إلى وصول أسلحة وذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات مرتبطة بالإمارات وتشاد، كما وثقت منظمة العفو الدولية أسلحة متقدمة صينية أعيد تصديرها عبر الإمارات إلى قوات الدعم السريع. وتزداد أهمية هذه الأدلة لأنها لا تعتمد على مصدر واحد، بل تظهر في تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز البحث والتحقيقات الصحفية.
وتتميز البنية الإماراتية بأنها لا تقتصر على قناة عسكرية واحدة، بل تتقاطع فيها تجارة الذهب والنقل واللوجستيات والمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. ويعطي هذا التنوع لقوات الدعم السريع قدرة على تحويل الموارد الاقتصادية إلى قدرة عسكرية، وعلى تعويض الخسائر البشرية والمادية، وعلى الحفاظ على خطوط إمداد متعددة حتى عندما تتغير السيطرة على الأرض. وفي الوقت نفسه تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري مباشر لقوات الدعم السريع، ولذلك يتطلب التحليل العلمي التفريق بين إثبات وجود شبكات وشحنات وعمليات مرتبطة بالإمارات وبين إثبات المسؤولية القانونية للدولة عن كل عملية أو شحنة منفردة. إلا أن تراكم الأدلة المستقلة يجعل تجاهل الدور الإماراتي أو اختزاله في مجرد اتهام سياسي أمراً غير متسق مع الأدلة المتاحة.
أما تشاد فتكتسب أهميتها من الجغرافيا، إذ تمثل الحدود التشادية-السودانية، ولا سيما المناطق المتصلة بدارفور، أحد أهم الممرات المحتملة لحركة السلاح والمقاتلين والمعدات. وقد ارتبط مطار أم جرس في شرق تشاد بتقارير وتحقيقات حول نقل معدات باتجاه الحدود السودانية. لكن تحليل الدور التشادي يحتاج إلى الفصل بين الدولة التشادية والشبكات القبلية والتجارية والأمنية المنتشرة في المناطق الحدودية. كما أن تشاد نفسها تواجه تدفقاً ضخماً للاجئين السودانيين ومخاطر انتقال الحرب إليها، ولذلك فإن تصوير الدولة التشادية بأكملها باعتبارها جهة واحدة تتخذ قراراً مركزياً بتسليح قوات الدعم السريع يتجاوز أحياناً ما تسمح به الأدلة. وتمثل تشاد بذلك نموذج «الدولة الممر»، حيث يمكن أن تصبح أراضي الدولة جزءاً من سلسلة الإمداد حتى عندما لا تكون الدولة صاحبة القرار الاستراتيجي في الحرب.
وتشكل ليبيا نموذجاً أكثر تعقيداً للتدويل بسبب انقسام الدولة الليبية نفسها. فقد ارتبطت المناطق الشرقية والجنوبية والشبكات التابعة لخليفة حفتر بمسارات لوجستية وقواعد عملياتية استخدمت في نقل المقاتلين والوقود والأسلحة والمعدات المرتبطة بقوات الدعم السريع. وأكد فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن ليبيا مرور مقاتلين كولومبيين عبر ليبيا باتجاه السودان واستخدام أجزاء من المجال الليبي كعمق عملياتي ولوجستي وتكتيكي. ولذلك فإن العبارة الأدق ليست أن «ليبيا كلها تدعم قوات الدعم السريع»، وإنما أن أجزاء من المجال الليبي تحولت إلى بنية لوجستية تساعد الحرب السودانية، في ظل ضعف الرقابة المركزية وانتشار اقتصاد التهريب والسلطات المسلحة المتعددة.
وتظهر جمهورية أفريقيا الوسطى كعقدة أخرى في شبكة الممرات الغربية والجنوبية الغربية، حيث ارتبطت بعض المسارات بتهريب السلاح والذهب والمعدات. غير أن طبيعة الأدلة لا تسمح بوضعها في المستوى نفسه مع الإمارات، لأن جزءاً من النشاط قد يرتبط بضعف السيطرة على الحدود والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي أكثر مما يرتبط بقرار حكومي مركزي. ولذلك فإن دور أفريقيا الوسطى ينبغي فهمه باعتباره عقدة جغرافية ضمن شبكة عابرة للحدود، وليس بالضرورة باعتباره دولة مانحة مستقلة للحرب.
أما كينيا فتختلف عن الدول السابقة لأن الدور المرتبط بها يظهر بصورة أكبر في البيئات السياسية والمالية واللوجستية والتجارية. فقد أدرجتها بعض التحليلات ضمن الشبكات التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع، كما ارتبطت بالذهب والشركات والمجال السياسي الإقليمي. وتزداد أهمية كينيا بسبب موقعها الاقتصادي والمالي في شرق أفريقيا وصلاتها الإقليمية. لكن الأدلة لا تسمح بمساواتها بالإمارات باعتبارها مورداً رئيسياً للأسلحة، ولذلك يجب التعامل مع دورها بحذر، خصوصاً عند الانتقال من إثبات وجود نشاط تجاري أو سياسي إلى إثبات سياسة حكومية لتسليح طرف في الحرب.
ويرتبط جنوب السودان بالسودان بعلاقات تاريخية واقتصادية واجتماعية وأمنية شديدة العمق. فجنوب السودان يعتمد على السودان في تصدير النفط، وتشترك الدولتان في حدود طويلة وشبكات قبلية وتجارية، كما أن استمرار الحرب يهدد استقرار جنوب السودان نفسه. وقد ارتبطت بعض شبكات الذهب ومسارات التجارة بالمجال الجنوبي السوداني، لكن تحويل ذلك مباشرة إلى دليل على قرار حكومي من جوبا لدعم قوات الدعم السريع سيكون مبالغة. فجزء مهم من الدور يرتبط بالعبور والاقتصاد غير الرسمي وضعف الرقابة الحدودية والمصالح المحلية.
وتظهر أوغندا في الشبكة الإقليمية من خلال النقل والعبور وبعض العلاقات التجارية واللوجستية، بما في ذلك مسارات جوية مرتبطة بشحن المعدات. لكن الأدلة لا تضعها في المستوى نفسه مع الإمارات، إذ تتركز المؤشرات بصورة أكبر على استخدام البنى التجارية واللوجستية والطيران. وتكشف الحالة الأوغندية أن الحرب السودانية أصبحت تعتمد على شبكة نقل جوي متعددة المراحل، وليس فقط على القوافل البرية والطرق الصحراوية.
وتؤكد المقارنة بين هذه الدول أن مصطلح «الدعم الخارجي» يشمل أنماطاً متعددة. فهناك التسليح المباشر أو شبه المباشر، وإعادة التصدير، والممرات اللوجستية، والتمويل واقتصاد الحرب، والمقاتلون والخبرة العسكرية الخاصة. وقد تصل الأسلحة من دولة منتجة إلى دولة تعيد تصديرها، ثم إلى مطار في دولة ثالثة، ثم إلى شركة نقل أو شبكة تهريب، قبل أن تصل إلى طرف مسلح داخل السودان. ولهذا يمكن لحكومة أن تنفي إرسال السلاح مباشرة بينما تظل معدات مرتبطة بشبكات تقع داخل مجالها الاقتصادي أو الأمني تصل إلى ساحة الحرب.
ويمثل الذهب أهم مثال على الاقتصاد العابر للحدود. فهو يوفر العملة الصعبة خارج النظام المصرفي الرسمي، ويتيح تمويل شراء السلاح والوقود والخدمات، ويخلق شبكات سياسية وتجارية مستقلة عن مؤسسات الدولة. ولذلك فإن تفكيك اقتصاد الحرب يتطلب تتبع سلسلة الذهب كاملة، من مناطق التعدين والإنتاج إلى التجار والمهربين والمصافي والمشترين النهائيين والمؤسسات المالية، وليس الاكتفاء بتجميد الحسابات المصرفية.
وأدت المسيّرات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة عميقة. فقد أصبحت الضربات بعيدة المدى ممكنة على مساحات واسعة، وأصبح الخط الفاصل بين الجبهة ومناطق المدنيين أقل وضوحاً. كما أن انتشار المسيّرات لدى الطرفين زاد من أهمية التكنولوجيا الأجنبية والتدريب والخبرة، وجعل الطيران والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي جزءاً مركزياً من الصراع. وأصبح هذا التطور ذا آثار مباشرة على المدنيين، لأن توسيع مدى الضربات لا يعني بالضرورة زيادة دقتها، بل يمكن أن يوسع المجال الجغرافي للخطر.
كما أدى تجنيد المقاتلين الأجانب والمتعاقدين العسكريين إلى إدخال عنصر جديد في الحرب. فقد وثقت التحقيقات مسارات لتجنيد متعاقدين كولومبيين مروا عبر الإمارات وليبيا وتشاد وبوساسو في الصومال وصولاً إلى السودان، وأشارت الأدلة الأممية إلى مشاركة أعداد تصل إلى نحو ألفي متعاقد في تشغيل المسيّرات والمدفعية والأسلحة المتقدمة إلى جانب قوات الدعم السريع. وتطرح هذه الظاهرة مسألة خصخصة الحرب، لأن الشركات العسكرية الخاصة تسمح بتوفير الخبرة العسكرية من دون إرسال قوات نظامية تحمل الزي الرسمي للدولة، كما تجعل تحديد المسؤولية السياسية والقانونية أكثر تعقيداً.
ولا يعني ذلك أن التدخل الخارجي هو سبب اندلاع الحرب. فالجذور الأساسية سودانية وتشمل فشل الانتقال الديمقراطي، والانقلاب العسكري في 2021، والتنافس على إصلاح القطاع الأمني، وبناء قوات الدعم السريع كقوة شبه مستقلة، وتنافس النخب العسكرية والسياسية والاقتصادية على الدولة. لكن الدعم الخارجي غيّر مدة الحرب وشدتها وقدرة الأطراف على تعويض الخسائر. فهو يقلل أثر الاستنزاف، ويزيد توقعات النصر، ويتيح فتح جبهات جديدة، ويدخل تكنولوجيا أكثر فتكاً، ويحوّل الحرب إلى مصدر ربح لبعض الشبكات، ويخفض الحافز إلى التسوية عندما يعتقد كل طرف أنه قادر على إعادة التسلح.
كما ساهم الدعم الخارجي في تحويل السيطرة العسكرية إلى جغرافيا سياسية. فقد تمكنت القوات المسلحة السودانية من الحفاظ على مجال واسع في الشرق والوسط والشمال ومناطق البحر الأحمر، بينما عززت قوات الدعم السريع سيطرتها في دارفور وأجزاء من كردفان. ويكمن الخطر في ألا ينتهي الأمر بانفصال رسمي، وإنما بظهور دولة واحدة قانونياً لكنها مقسمة فعلياً إلى أنظمة أمنية واقتصادية وسياسية متنافسة. وكلما امتلك كل معسكر مصادر خارجية مستقلة للسلاح والمال والشرعية، أصبح أكثر قدرة على بناء مؤسساته الخاصة وأقل اعتماداً على مؤسسات الدولة المركزية.
وتظهر هنا مشكلة التناقض بين الدعم والوساطة. فبعض الدول المؤثرة في أطراف الحرب تشارك أيضاً في جهود الوساطة، وهو ما يمكن أن يمنح الوساطة نفوذاً مهماً لكنه يضعف حيادها. ولا يعني ذلك أن الوساطة الخليجية أو الإقليمية بلا قيمة، بل يعني أن الدول المؤثرة يجب أن تتحول من رعاة متنافسين إلى ضامنين مشتركين لوقف الدعم العسكري، وأن تستخدم نفوذها على الأطراف بدلاً من استخدام عملية السلام لتوسيع النفوذ الجيوسياسي.
ويكشف نظام حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ 2004 عن مشكلة مؤسسية كبيرة، لأنه ظل محدود النطاق جغرافياً بينما توسعت الحرب إلى الخرطوم والجزيرة وكردفان والنيل الأبيض والنيل الأزرق وغيرها. وقد استمرت تدفقات الأسلحة رغم الحظر، وأصبح من الممكن أن تدخل المعدات إلى مناطق لا يشملها الحظر ثم تنتقل إلى دارفور. ولذلك فإن المعالجة الأكثر اتساقاً مع طبيعة الحرب تتمثل في توسيع الحظر إلى كامل السودان مع استثناءات محددة وشفافة للمساعدات الإنسانية والدفاع المدني، وتشديد الرقابة على إعادة التصدير والمستخدم النهائي.
وعند تقييم الدول الاثنتي عشرة يجب عدم وضعها في مستوى واحد. فهناك داعمون عسكريون مباشرون أو شبه مباشرون، مثل الإمارات من جهة، ومصر وإيران وتركيا بدرجات مختلفة من جهة أخرى؛ وهناك دول ذات دعم سياسي واستراتيجي ومادي مثل السعودية؛ وهناك دول تمثل ممرات أو عمقاً لوجستياً مثل تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا؛ وهناك دول تتقاطع فيها الأدوار السياسية والمالية واللوجستية مثل كينيا. وهذا التصنيف أكثر دقة من إطلاق وصف «الداعم العسكري» بالمعنى نفسه على جميع الدول.
كما يختلف هيكل الدعم الخارجي للطرفين. فالقوات المسلحة السودانية تعتمد بصورة أكبر على علاقات دولة-لدولة ومؤسسات عسكرية تقليدية وتقنيات عسكرية متقدمة وعلاقات مع دول تمتلك جيوشاً نظامية. أما قوات الدعم السريع فتستفيد بدرجة أكبر من شبكة هجينة تجمع دولة إقليمية قوية وشبكات الذهب والممرات الحدودية والقواعد اللوجستية والشركات الخاصة والمقاتلين الأجانب والمؤسسات التجارية. وهذا الاختلاف لا يغير ميزان القوة فقط، بل يعيد تشكيل طبيعة الفاعل السياسي الذي يمكن أن يظهر بعد الحرب: فدعم الجيش قد يعزز قدرة مؤسسة الدولة، بينما يمكن أن يؤدي دعم قوة شبه عسكرية إلى تعزيز قدرتها على العمل كفاعل شبه دولتي مستقل.
ولهذا لا تكفي مطالبة الدول بوقف الدعم الرسمي، لأن شبكات الحرب أصبحت لها مصالح ذاتية ويمكن أن تستمر عبر الشركات الخاصة والوسطاء وإعادة التصدير وشبكات الذهب وشركات الطيران والشحن والمقاتلين المتعاقدين والحدود غير المحكمة والتهريب والتجارة غير الرسمية. ولذلك ينبغي الانتقال من سياسة تستهدف «الدولة التي ترسل السلاح» إلى سياسة تستهدف «السلسلة الكاملة للإمداد»، بحيث يصبح كل عنصر من عناصر السلسلة قابلاً للرصد والمساءلة.
ويقتضي ذلك إنشاء نظام متكامل لتتبع الأسلحة باستخدام أرقام الأسلحة والذخائر وصور الأقمار الصناعية وسجلات التجارة والشحن والرحلات الجوية، وتطوير نظام لتتبع الذهب من المنجم إلى المشتري النهائي، وإنشاء رقابة إقليمية على الطيران العسكري وشبه العسكري والطائرات المدنية التي تستخدم في نقل المعدات، وتشديد إجراءات المستخدم النهائي بحيث لا تكون الشهادة الحكومية وحدها كافية، وفرض العقوبات على الوسطاء والشركات والممولين، وتعزيز مراقبة الحدود بين السودان وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا وكينيا ومصر، وربط الاستثمار الأجنبي في الموانئ والزراعة والتعدين بضمانات شفافية وعدم دعم الأطراف المسلحة.
كما تحتاج الولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين وروسيا ودول الخليج إلى الانتقال من أدوات منفصلة إلى آلية دولية موحدة لتدفقات السلاح والتمويل في السودان. وينبغي أن تضم هذه الآلية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودولاً إقليمية مؤثرة، وأن تجمع المعلومات وتحدد مسارات السلاح وتفرض العقوبات وتربط وقف التدفقات بمسار السلام. كما ينبغي توسيع التعاون بين فرق الخبراء المعنية بالسودان وليبيا وأفريقيا الوسطى، لأن الشبكات التي تكشفها الحرب لا تتوافق مع الحدود المؤسسية الضيقة لكل لجنة عقوبات.
وتختلف الإجراءات المطلوبة من الدول الاثنتي عشرة باختلاف أدوارها. فمصر تحتاج إلى ربط دعمها لمؤسسات الدولة السودانية بدفع القوات المسلحة السودانية نحو وقف إطلاق النار وإعادة بناء السلطة المدنية. والسعودية تحتاج إلى استخدام نفوذها على معسكر الجيش وربط الوساطة بالضغط على الحلفاء، مع العمل على تفاهم سعودي-إماراتي يمنع تمويل الأطراف العسكرية. وإيران مطالبة بوقف نقل التقنيات الهجومية التي تزيد القدرة على ضرب أهداف بعيدة وربط التعاون المستقبلي برقابة الاستخدام النهائي. وباكستان مطالبة بتشديد ضوابط التصدير وإجراءات المستخدم النهائي. وتركيا مطالبة بتعزيز الرقابة على صادرات الأسلحة المدنية والعسكرية ومنع إعادة تصديرها إلى أطراف الحرب.
أما الإمارات فتواجه الحاجة إلى وقف أي دعم عسكري أو لوجستي أو مالي لقوات الدعم السريع، وتعزيز الشفافية في تجارة الذهب والسماح بآليات تحقق مستقلة حول مسارات السلاح. وتشاد تحتاج إلى منع استخدام المطارات والأراضي في نقل السلاح مع توفير دعم دولي لتأمين الحدود واستيعاب اللاجئين. وليبيا تحتاج إلى وقف استخدام أراضيها كقاعدة لنقل الأسلحة والمقاتلين وربط الملف السوداني بترتيبات توحيد المؤسسات الأمنية الليبية. وتحتاج جمهورية أفريقيا الوسطى إلى تشديد الرقابة على الحدود والممرات التجارية ومنع تهريب السلاح والذهب. وتحتاج كينيا إلى تشديد الرقابة على الشركات والحسابات وشبكات التمويل ومنع تحولها إلى منصة مالية أو سياسية لإضفاء الشرعية على سلطات الحرب. ويحتاج جنوب السودان إلى حماية خطوط النفط والتجارة وضبط الحدود ومنع استخدام أراضيه لتجارة الذهب والأسلحة غير المشروعة. أما أوغندا فتحتاج إلى تعزيز الرقابة على الطيران والشحن والشركات الخاصة والمطارات التي يمكن أن تستخدم في نقل المعدات إلى السودان.
وتنتج الحالة السودانية مجموعة من الدروس النظرية والعملية التي تتجاوز حدود السودان. فالدعم الخارجي لا يحتاج إلى أن يكون احتلالاً أو تدخلاً مباشراً حتى يغير مسار الحرب، والموارد الطبيعية القابلة للتهريب يمكن أن تؤدي وظيفة النظام المالي الموازي للدولة، والدولة الضعيفة لا تعني غياب الدولة الخارجية بل تجعل الدولة أكثر عرضة لإعادة تشكيلها بواسطة الشبكات الخارجية. كما أن الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الجيوش، وإنما على شركات الطيران والذهب والمصارف والوسطاء والشركات الأمنية الخاصة والتكنولوجيا التجارية، وأن الوساطة التي لا تتعامل مع اقتصاد الحرب قد تدير الصراع بدلاً من إنهائه، وأن الضغط على طرف واحد لا يكفي إذا ظل الطرف الآخر قادراً على إعادة التسلح من الخارج. ولذلك يجب أن يستهدف الحل العرض والطلب معاً، أي الطلب المحلي على السلاح والعرض الخارجي والاقتصاد الذي يمول الشراء.
وفي الوقت نفسه تفرض طبيعة الأدلة ضرورة الحذر في نسبة المسؤولية. فهناك فرق بين العثور على سلاح مرتبط بدولة، وإثبات استخدام أراضي تلك الدولة في النقل، وإثبات تورط جهات خاصة داخلها، وإثبات قرار حكومي أو تورط أجهزة الدولة في تقديم الدعم. وهذه المستويات ليست مترادفة، ولا يجوز الانتقال من مستوى إلى آخر من دون أدلة إضافية. كما أن نفي الحكومة المعنية لا يمثل دليلاً تلقائياً على البراءة، لكنه لا يجوز تجاهله عند تقييم المسؤولية القانونية. ومن ثم فإن التحليل الرصين يجب أن يميز بين المسؤولية السياسية، والمسؤولية الدولية للدولة، والمسؤولية الفردية الجنائية.
وتتوزع المسؤولية القانونية الدولية المتعلقة بالدعم الخارجي على ثلاث دوائر رئيسية. الأولى هي حظر الأسلحة وتدابير مجلس الأمن، ولا سيما ما يتعلق بوصول الأسلحة إلى دارفور. والثانية هي مسؤولية الدول عن أفعالها أو عن إخفاقها في منع انتهاكات يمكن توقعها عندما تتوافر الشروط القانونية لذلك. والثالثة هي المسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين أو القادة أو الوسطاء عندما تتوافر عناصر المساهمة الجنائية المطلوبة قانوناً. ولا يجوز الخلط بين هذه الدوائر؛ فالعلاقة التجارية أو السياسية مع طرف في الحرب لا تثبت تلقائياً المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب، لكن تقديم السلاح أو التمويل أو التدريب مع العلم الواضح باستخدامه في ارتكاب جرائم قد ينقل المسألة إلى مستوى قانوني أكثر خطورة.
وتقود جميع هذه العناصر إلى خلاصة مركزية: الحرب السودانية لم تعد مجرد حرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما أصبحت منظومة نزاع إقليمية عابرة للحدود تتقاطع فيها السلطة العسكرية مع الذهب والأسلحة والحدود والموانئ والطائرات والمقاتلين والشركات الخاصة. والقائمة التحليلية للدول الاثنتي عشرة تشمل مصر والسعودية وإيران وباكستان وتركيا في البيئة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية، والإمارات وتشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا وجنوب السودان وأوغندا في شبكة الدعم أو الممرات المرتبطة بقوات الدعم السريع، مع التأكيد على أن هذه القائمة ليست قائمة رسمية أعلنها مسعد بولس، وأنها ليست شاملة لكل الفاعلين الخارجيين المحتملين، وأن الدول الاثنتي عشرة ليست متساوية في مستوى المسؤولية أو طبيعة الدور.
ويتمثل الدرس النهائي في أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يعتمد على إقناع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بالتفاوض فقط، لأن الطرفين يستطيعان الاستمرار في القتال إذا ظلت البيئة الخارجية توفر السلاح والمال والوقود والمقاتلين والتكنولوجيا. لذلك فإن السلام المستدام يتطلب تغيير البيئة التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار، من خلال حظر أسلحة شامل وقابل للتنفيذ، ومراقبة إعادة التصدير، وتتبع الذهب، ومراقبة الطيران والشحن، وفرض عقوبات على الوسطاء والشركات والممولين، وضبط حركة المقاتلين الأجانب، والتنسيق بين فرق خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان وليبيا وأفريقيا الوسطى، وربط كل ذلك بمسار سياسي سوداني مدني شامل.
والخلاصة الأعمق أن السودان يمثل مثالاً واضحاً على تحول الحروب الأهلية المعاصرة من صراعات داخل الحدود إلى شبكات نزاع عابرة للحدود. ولهذا فإن إنهاء الحرب يتطلب الانتقال من دبلوماسية تركز على المتحاربين وحدهم إلى دبلوماسية تدير منظومة الحرب بأكملها. فلا يكفي إقناع من يضغط على الزناد بوقف إطلاق النار؛ بل يجب أيضاً قطع مصادر التمويل، ومراقبة الطائرات التي تنقل المعدات، وإغلاق الممرات التي تمرر السلاح، وتعقب الأسواق التي تشتري الذهب، ومراقبة الشركات التي تجند المقاتلين، وتجفيف الشبكات التي تحول الموارد الطبيعية السودانية إلى قدرة عسكرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسار سياسي يعيد بناء دولة سودانية موحدة ذات مؤسسات مدنية وجيش وطني واحد واقتصاد لا يسمح باستمرار اقتصاد الحرب.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: لم تعد الحرب السودانية شأناً سودانياً خالصاً
أصبحت الحرب السودانية، التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، واحدة من أكثر الحروب تعقيداً من حيث تشابك العوامل المحلية والإقليمية والدولية. فقد بدأت في ظاهرها نتيجة انهيار الترتيبات الانتقالية والتنافس بين مركزين عسكريين على السلطة، وعلى مستقبل إصلاح القطاع الأمني، وعلى السيطرة على الدولة والاقتصاد والمؤسسات السيادية، لكنها سرعان ما تجاوزت الحدود السودانية وتحولت تدريجياً إلى منظومة نزاع إقليمية متعددة المستويات تتداخل فيها الأسلحة والتمويل والذهب والمطارات والممرات الحدودية والوقود والطائرات والشركات الخاصة والوسطاء والمقاتلون الأجانب والتكنولوجيا العسكرية والغطاء السياسي والدبلوماسي. ولذلك لم تعد قدرة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على مواصلة الحرب مرتبطة فقط بما ينتجانه أو يسيطران عليه داخل السودان، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بقدرتهما على الوصول إلى شبكات خارجية تستطيع تعويض الخسائر وإعادة بناء الترسانات وفتح خطوط إمداد بديلة. وتؤكد تحليلات حديثة أن الأسلحة التي يتم الحصول عليها خارجياً وشبكات الإمداد العابرة للحدود ساعدت الطرفين على الحفاظ على القدرة القتالية، الأمر الذي جعل استمرار الحرب أكثر قابلية للاستمرار من التسوية في حسابات المتحاربين (Kinkoh, 2026).
ومن هنا فإن مفهوم «الحرب بالوكالة» مفيد في تفسير بعض جوانب النزاع، لكنه غير كافٍ وحده. فالسودان لا يمثل حرباً كلاسيكية بالوكالة بين دولتين كبيرتين تستخدمان وكلاء محليين بصورة كاملة، بل يمثل منظومة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الدولة مع القوة شبه العسكرية، والشركة الخاصة مع الجهاز الأمني، والذهب مع السلاح، والمطار المدني مع النقل العسكري، والمهرّب مع الوسيط التجاري، والمقاتل المتعاقد مع القوة النظامية. وقد أصبح من الممكن أن تنتقل الموارد عبر سلسلة طويلة تبدأ بدولة مصدرة للسلاح، ثم دولة تعيد تصديره، ثم مطار أو قاعدة عبور، ثم شركة نقل أو شركة أمنية، ثم شبكة تجارية، قبل أن تصل إلى طرف مسلح داخل السودان.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأن الحرب نفسها ولدت داخل بيئة سودانية شديدة العسكرة قبل أبريل 2023. فبعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019، لم يتحول السودان إلى نظام مدني مستقر، بل دخل في ترتيبات انتقالية جمعت المدنيين والعسكريين، ثم وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021، بينما ظلت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قوتين عسكريتين كبيرتين تتنافسان على الدولة والاقتصاد والشرعية. وكان التنافس على الموارد، بما فيها الذهب، جزءاً من التنافس الأوسع بين النخب العسكرية والأمنية. وتبين دراسات الاقتصاد السياسي للذهب أن السيطرة على القطاع أصبحت عاملاً مهماً في صعود القوة الاقتصادية للطرفين وفي النزاع الذي سبق حرب 2023 (Soliman, 2025; Chevrillon-Guibert, 2024).
وتكشف التطورات اللاحقة أن التدخل الخارجي لم يعد مقتصراً على البنادق والذخائر. فقد أصبحت المسيّرات، وأنظمة التشويش، والقنابل الموجهة، والمدفعية المتقدمة، والطائرات، والخدمات اللوجستية، والتدريب، والمقاتلون الأجانب جزءاً من البنية العسكرية للحرب. وفي سبتمبر 2026 أفادت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان بوجود شبكات خارجية تقوم بتوفير أسلحة ومقاتلين وخبرات عسكرية، كما أشارت إلى وجود ما يصل إلى نحو ألفي متعاقد عسكري كولومبي في شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع، وإلى تشغيل بعضهم للمسيّرات والمدفعية والأسلحة المتقدمة. كما وثقت البعثة أدلة أولية على استخدام القوات المسلحة السودانية معدات مسيّرة أجنبية الصنع، وعلى أن هجمات المسيّرات أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين خلال 2026 (Othman, 2026). وتناولت تقارير صحفية دولية النتائج نفسها، مشيرة إلى أن أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من 2026، وأن الطرفين قد يكونان ارتكبا جرائم حرب في بعض هذه الهجمات.
وقد أصبحت الكلفة الإنسانية للحرب ضخمة إلى درجة تجعل العلاقة بين التدخل الخارجي واستمرار النزاع قضية أمن دولي وليست مجرد قضية سودانية. وفي سبتمبر 2026 قدّرت بيانات دولية أن أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات أساسية، وأن نحو 19.5 مليوناً يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وأن قرابة 9 ملايين شخص نزحوا داخلياً، فيما فر نحو 4.5 ملايين إلى خارج البلاد، مع تقديرات للقتلى بلغت 150 ألفاً على الأقل في بعض التقييمات السياسية، في حين تختلف التقديرات المستقلة الأخرى اختلافاً كبيراً بسبب انهيار نظام التسجيل المدني وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة من البلاد (Waltz, 2026).
وقد أظهرت ACLED أن العنف المرتبط بالنزاع أوقع أكثر من 17 ألف وفاة خلال الفترة من 1 يناير إلى 28 نوفمبر 2025 وحدها، وأن هجمات قوات الدعم السريع قتلت ما لا يقل عن 4 آلاف مدني، وأن عدد ضربات المسيّرات ارتفع بنسبة 47% مقارنة بالأشهر الأحد عشر الأولى من 2024. كما ربطت المنظمة بين ترسخ مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية في الشرق والوسط وترسخ قوات الدعم السريع في الغرب وبين خطر تشكل انقسام فعلي بين كتلتين جغرافيتين (Birru, 2025).
ولهذا تنطلق الدراسة من سؤال مركزي مركب: من هي الدول الاثنتا عشرة الأكثر ارتباطاً بالبنية الخارجية للدعم العسكري لطرفي الحرب، وما طبيعة أدوارها الفعلية، وما الفرق بين الدولة الموردة للسلاح والدولة التي تسمح بالعبور والدولة التي تستضيف الشبكات المالية واللوجستية، وكيف أسهمت هذه الشبكات في إطالة الحرب وتحويلها إلى نزاع إقليمي، وما الإجراءات التي يمكن للسودان والمجتمع الدولي اتخاذها لتفكيك هذه المنظومة؟
وقد تم ترتيب فصول المقال وفق أفضل ممارسات بناء المقال العلمي التحليلي، أي الانتقال من تعريف المشكلة وتحديد حدود الأدلة، إلى بناء الإطار المفاهيمي والمنهجي، ثم تحليل الفاعلين الخارجيين بحسب درجة تدخلهم، ثم الانتقال من الدول إلى الشبكات والآليات التي تجعل الدعم ممكناً، ثم تحليل آثار ذلك في مدة الحرب والانقسام والدولة والمجتمع المدني، ثم تقييم الإطار القانوني الدولي، وأخيراً الانتقال إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ وخاتمة نقدية. ويهدف هذا الترتيب إلى منع تكرار عرض الدولة نفسها في أكثر من موضع، وإلى تحويل المقال من قائمة دول منفصلة إلى قصة تحليلية متماسكة تشرح كيف تتحول الموارد الخارجية إلى قدرة عسكرية وكيف تتحول القدرة العسكرية إلى استمرار للحرب.
الفصل الأول: من «الدول الاثنتي عشرة» إلى خريطة أكثر دقة لشبكات الحرب الخارجية
من الضروري قبل تحليل الدول الاثنتي عشرة وضع قيد منهجي حاسم. لم ينشر مسعد بولس قائمة رسمية بأسماء الدول. ففي سبتمبر 2026 قال في مقابلة مع BBC إن هناك «على الأقل 12 دولة» تقدم شكلاً من أشكال الدعم العسكري لطرفي الحرب، وإن جميع دول الجوار تشارك بطريقة أو بأخرى أو تسهّل بعض الأنشطة، لكنه رفض ذكر الأسماء. ولذلك فإن نسبة القائمة التالية مباشرة إلى بولس ستكون غير دقيقة (Boulos, 2026).
وتؤكد مقالة مايكل والتز ومسعد بولس المنشورة في Foreign Policy في 3 سبتمبر 2026 وجود أكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم أشكالاً من الدعم العسكري للأطراف المتحاربة، لكنها لا تسمي الدول واحدة واحدة. ولذلك يجب التمييز بوضوح بين أمرين: الأول، تصريح بولس بوجود «اثنتي عشرة دولة على الأقل»؛ والثاني، القائمة التحليلية التي يعاد بناؤها من مجموعة من الأدلة المتقاطعة. وهذه نقطة منهجية ليست شكلية، لأن تحويل تصريح سياسي عام إلى قائمة أسماء رسمية لم يعلنها صاحبه يؤدي إلى إسناد غير دقيق للمصدر (Waltz, 2026; Boulos, 2026).
أما القائمة التي يعتمدها هذا المقال فتستند أساساً إلى تقييم ACLED، مع مقارنتها بالمصادر الأممية، وتقارير حقوق الإنسان، ومراكز الفكر، والبيانات الحكومية، والتحقيقات الصحفية، ومصادر الرصد المفتوح. وقد وضعت ACLED السعودية في المعسكر الأقرب إلى القوات المسلحة السودانية إلى جانب مصر وإيران وباكستان وتركيا، بينما وضعت الإمارات في مركز شبكة الدعم المرتبطة بقوات الدعم السريع الممتدة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وكينيا وليبيا وجنوب السودان وأوغندا (Birru, 2025).
وعليه، فإن القائمة التحليلية المستخدمة في هذا المقال تتكون من خمس دول ترتبط أساساً بمعسكر القوات المسلحة السودانية: مصر، والسعودية، وإيران، وباكستان، وتركيا؛ وسبع دول ترتبط بشبكة الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع: الإمارات العربية المتحدة، وتشاد، وليبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وكينيا، وجنوب السودان، وأوغندا.
لكن استخدام تعبير «الدول الداعمة» لا يعني أن الدول السبع الأخيرة كلها تقدم السلاح مباشرة وبقرار حكومي رسمي، ولا يعني أن الدول الخمس الأولى متساوية في حجم الدعم أو طبيعته. فهناك فرق بين الدولة التي تصدر السلاح، والدولة التي تعيد تصديره، والدولة التي توفر مطاراً أو ممراً، والدولة التي تستضيف شبكة مالية أو شركة أمنية، والدولة التي تتحول أراضيها إلى طريق للذهب، والدولة التي تسمح للمقاتلين بالعبور. ولذلك فإن المسؤولية السياسية والقانونية لا يمكن أن توضع كلها في مستوى واحد.
وتزداد أهمية هذا التفريق مع أحدث الأدلة الأممية. فقد كشفت التحقيقات في 2026 عن شبكات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا والصومال وكولومبيا في عمليات تجنيد ونقل وتدريب مقاتلين ومعدات لصالح قوات الدعم السريع، بينما ظهرت أدلة أولية على حصول القوات المسلحة السودانية على دعم خارجي للمسيّرات. وهذا يعني أن الخريطة الواقعية للحرب أوسع من القائمة الاثنتي عشرة، وأن الصيغة الاثنتي عشرة ينبغي استخدامها باعتبارها إطاراً تحليلياً محدداً، لا باعتبارها قائمة شاملة ونهائية لكل دولة أو فاعل خارجي له علاقة بالحرب (Othman, 2026).
وتؤكد المصادر الأخرى هذه النقطة. فوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء وثقت أدواراً إضافية لروسيا، ومجموعة فاغنر/الفيلق الأفريقي، وليبيا، كما أشارت إلى تحول الموقف الروسي تدريجياً من علاقات مع قوات الدعم السريع إلى دعم أكبر للقوات المسلحة السودانية، بالتزامن مع اهتمام موسكو بإنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان (European Union Agency for Asylum, 2025). كما تشير تحليلات خليجية وأوروبية إلى أدوار قطر وروسيا وإريتريا وإثيوبيا وغيرها بدرجات متفاوتة، وهي أدوار لا ينبغي محوها لمجرد أن الإطار الحالي يستخدم اثنتي عشرة دولة (Horner, 2025; Kinkoh, 2026).
وعليه، فإن القيمة العلمية للقائمة الاثنتي عشرة لا تكمن في الادعاء بأنها «كل» الدول المتدخلة، وإنما في أنها تكشف بنية رئيسية يمكن من خلالها فهم جانب كبير من شبكة الدعم الخارجي، مع ضرورة إبقاء الفاعلين الإضافيين ضمن الصورة الأوسع للنزاع.
الفصل الثاني: الحرب السودانية كمنظومة عابرة للحدود لا كصراع داخلي مغلق
تتطلب دراسة التدخل الخارجي في السودان تجاوز النموذج التقليدي الذي يختزل النزاع إلى طرفين محليين ودولة أو دولتين خارجيتين. وتفيد أدبيات الحروب الأهلية الدولية بأن التدخل الخارجي يمكن أن يغير ميزان القوى، ويزيد قدرة أطراف النزاع على الاستمرار، ويخفض حوافز التسوية عندما يعتقد كل طرف أن الدعم الخارجي سيتيح له تحسين موقعه العسكري (Balch-Lindsay, 2000; Salehyan, 2011).
وفي الحالة السودانية تتفاعل ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول داخلي، ويتمثل في الصراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وشبكاتهما السياسية والاقتصادية والعسكرية، إضافة إلى الجماعات المسلحة المتحالفة مع كل طرف. والمستوى الثاني إقليمي، ويتمثل في تنافس مصر والإمارات والسعودية وتركيا وإيران وغيرها حول أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والموارد والنفوذ والإسلام السياسي والموانئ والزراعة والذهب. أما المستوى الثالث فهو عابر للحدود، ويتمثل في حركة الأسلحة والذهب والمقاتلين والوقود والشركات الخاصة والطائرات والأموال والمعلومات.
ولهذا فإن مفهوم «منظومة النزاع العابرة للحدود» أكثر ملاءمة من مفهوم التدخل الخارجي البسيط. والمقصود بالمنظومة شبكة يستطيع فيها الفاعل المحلي أن يستمر بسبب علاقات خارجية توفر له الموارد، بينما يستطيع الفاعل الخارجي تحقيق مصالحه من خلال فاعلين محليين دون تحمل تكلفة الاحتلال أو نشر قوات رسمية واسعة. وقد وصف تشاتام هاوس الذهب بأنه أحد أهم الروابط التي تجعل الحرب السودانية جزءاً من منظومة نزاع إقليمية، لأن التجارة تربط المنتجين والتجار والمهربين والجماعات المسلحة والحكومات الخارجية في سلسلة واحدة تتجاوز الحدود الوطنية (Soliman, 2025).
وتفسر هذه النظرية كذلك لماذا لا تكفي خريطة سياسية تقليدية ترسم سهماً من «الدولة أ» إلى «الطرف ب». فقد تكون هناك دولة منتجة للسلاح، ودولة تعيد تصديره، ودولة ثالثة توفر المطار، وشركة خاصة توفر النقل، وشبكة تجارية توفر التمويل، ومصفاة أو سوق تشتري الذهب، ثم تصل الموارد إلى قوة مسلحة داخل السودان. ونتيجة لذلك يمكن أن تنفي حكومة ما تقديم السلاح بصورة مباشرة، بينما تستمر المعدات أو المقاتلون أو الأموال في التحرك عبر شبكات تقع داخل نطاقها الاقتصادي أو الأمني.
وهذا ما يفسر أيضاً مفهوم «تعدد الاصطفافات». فقد ترتبط دولة ما بالطرف الأول سياسياً، وبالطرف الثاني تجارياً، وبشبكات الذهب التابعة للطرفين اقتصادياً، وبعملية السلام دبلوماسياً. ومن ثم فإن الدولة ليست دائماً «حليفاً» أو «عدواً» بصورة ثابتة، بل قد تكون مجموعة من المؤسسات والأجهزة والشركات والمصالح التي تتقاطع بصورة غير متطابقة.
ويُضاف إلى ذلك أن اقتصاد الحرب يخلق حوافز مستقلة عن أهداف الدول. فإذا كان السلاح يولد أرباحاً للشركات، والذهب يولد أرباحاً للتجار، والنقل يولد أرباحاً لشركات الطيران، وتجنيد المقاتلين يولد أرباحاً للشركات الأمنية، فإن استمرار الحرب يصبح قادراً على إنتاج مصالح اقتصادية ذاتية حتى عندما لا تكون هناك استراتيجية حكومية موحدة لإطالتها.
الفصل الثالث: معسكر القوات المسلحة السودانية — مصر والسعودية وإيران وباكستان وتركيا بين حماية الدولة وتعزيز القدرة العسكرية
مصر: أمن الحدود ووحدة السودان وحدود الرهان على المؤسسة العسكرية
تمثل مصر أهم داعم إقليمي تقليدي للقوات المسلحة السودانية من حيث العلاقة الاستراتيجية والأمنية. وينطلق الموقف المصري من رؤية السودان باعتباره جزءاً مباشراً من الأمن القومي المصري، وليس مجرد ساحة صراع داخلي بعيدة. فاستقرار السودان ووحدته يرتبطان بأمن الحدود الجنوبية لمصر، وأمن وادي النيل، وقضية مياه النيل، والبحر الأحمر، ومنع انتقال الصراع والجماعات المسلحة عبر الحدود.
وقد اتجهت مصر منذ اندلاع الحرب إلى دعم مؤسسات الدولة السودانية والجيش، ووضعت نفسها في موقع أقرب إلى القوات المسلحة السودانية من قوات الدعم السريع. وتضع ACLED مصر ضمن الدول التي دعمت الجيش إلى جانب السعودية وإيران وباكستان وتركيا (Birru, 2025).
لكن توصيف الدور المصري باعتباره «دعماً للجيش» يحتاج إلى تفكيك. فالقاهرة لا تنظر بالضرورة إلى القوات المسلحة السودانية باعتبارها طرفاً عسكرياً عادياً، وإنما باعتبارها المؤسسة التي تراها أكثر قدرة على الحفاظ على وحدة الدولة ومنع قيام قوة شبه عسكرية مستقلة على حدودها الجنوبية. ولذلك فإن دعمها يرتبط بمفهوم الدولة والمؤسسة العسكرية أكثر مما يرتبط بشخصية قائد بعينه.
ولهذا الموقف منطق أمني قوي، لكنه يحمل تكلفة سياسية محتملة. فترجيح مؤسسة عسكرية على حساب القوى المدنية يمكن أن يمنع انهيار الدولة أو انتصار قوة شبه عسكرية، لكنه قد يضعف في الوقت نفسه فرص الانتقال الديمقراطي إذا لم يقترن الدعم الأمني بضغط موازٍ على المؤسسة العسكرية للعودة إلى مسار مدني.
ويظهر هذا التوتر في أن مصلحة مصر في وحدة السودان واستقرار مؤسسات الدولة قد تتطابق جزئياً مع المصلحة السودانية، لكنها لا تتطابق بالضرورة مع جميع مطالب الثورة السودانية المتعلقة بالحكم المدني والمساءلة وإعادة هيكلة القطاع الأمني. ولذلك فإن السياسة المصرية الأكثر فاعلية على المدى الطويل هي التي تجمع بين دعم وحدة الدولة وبين الضغط على جميع الأطراف، بما فيها القوات المسلحة السودانية، للقبول بترتيبات انتقال سياسي مدني.
وقد أشارت تحليلات 2026 إلى أن مصر دعمت الجيش وفي الوقت نفسه أصبحت منخرطة بصورة أكبر في شبكات الحرب الاقتصادية المرتبطة بالمناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية، وأن تقارير تحدثت عن ترتيبات مسيّرات في منطقة العوينات الثلاثية الحدودية، وهو ما يعكس احتمال ازدياد الانخراط الأمني المصري، مع بقاء التفاصيل المتعلقة بهذه الترتيبات محل نقاش (Kinkoh, 2026).
السعودية: بين الاصطفاف مع الجيش والوساطة ومسؤولية الوسيط المؤثر
السعودية حالة أكثر تركيباً. فهي أقرب إلى معسكر القوات المسلحة السودانية، لكنها في الوقت نفسه شاركت في جهود الوساطة، ولا سيما مسار جدة، واحتفظت بقنوات مع الأطراف المختلفة. وترتبط السياسة السعودية بأمن البحر الأحمر، وحماية طرق التجارة والملاحة، والاستقرار الإقليمي، ومنع تحول السودان إلى منصة لقوى منافسة، فضلاً عن مصالح اقتصادية في الزراعة والثروة الحيوانية والذهب والموانئ.
وتشير تحليلات ACLED إلى أن السعودية تنحاز إلى القوات المسلحة السودانية، لكنها تشارك مع الإمارات ومصر والولايات المتحدة في الجهود الرامية إلى وقف الحرب (Birru, 2025).
وهنا يظهر تناقض بنيوي: الدولة التي تملك نفوذاً على أحد طرفي النزاع يمكن أن تكون وسيطاً أكثر قدرة من دولة لا تملك نفوذاً، لكنها في الوقت نفسه تواجه مشكلة مصداقية إذا اعتقد الطرف الآخر أن الوساطة تستخدم لإعادة ترتيب ميزان القوى لصالح المعسكر المدعوم.
وقد أشار المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية وقطر، تملك قدرة كبيرة على التأثير في نتيجة الحرب بسبب ثرواتها وعلاقاتها المالية ومصالحها في الزراعة والثروة الحيوانية والموارد المعدنية والبحر الأحمر، وأن تنافسها على النفوذ ساهم في تعقيد النزاع (Horner, 2025).
لذلك فإن أفضل دور سعودي مستقبلي لا يتمثل في الجمع إلى أجل غير مسمى بين الاصطفاف والوساطة، وإنما في استخدام النفوذ على الطرف الأقرب إليها لدفعه نحو وقف إطلاق النار والتسوية، وفي تحويل الوساطة من إدارة للمفاوضات إلى آلية لخفض قدرة الأطراف على تحقيق مكاسب عسكرية جديدة.
إيران: التكنولوجيا المسيّرة وتوسيع المجال العسكري
أصبح الدور الإيراني مهماً بصورة خاصة في مجال التكنولوجيا العسكرية والمسيّرات. وتظهر تقارير تحليلية أن القوات المسلحة السودانية حصلت على مسيّرات إيرانية الصنع، منها مهاجر-6 وأبابيل-3، وأنها استخدمتها في ضرب خطوط إمداد قوات الدعم السريع ومواقعها. كما أظهرت تحليلات ACLED في 2026 أن تنوع إمدادات الجيش شمل مسيّرات إيرانية ومسيّرات تركية وباكستانية وأنظمة تركية، ما عزز قدرته على تنفيذ عمليات جوية متزامنة على جبهات متعددة (ACLED, 2026).
ولا ينبغي تفسير الدعم الإيراني فقط من خلال السودان. فطهران تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما جزءاً من مجال استراتيجي أوسع، ولذلك يمكن أن يمثل السودان موقعاً مهماً في صراع النفوذ حول البحر الأحمر.
لكن الدعم التكنولوجي الإيراني يثير مشكلة مزدوجة. فمن جهة يمكن أن يساعد القوات المسلحة السودانية على منع سقوط مؤسسات الدولة أمام قوة شبه عسكرية، ومن جهة أخرى يمكن أن يزيد القدرة على شن ضربات بعيدة المدى. وقد أصبحت هذه المشكلة أكثر حدة في 2026 مع تزايد الاعتماد على المسيّرات، التي تقلل تكلفة تنفيذ الضربات وتوسع نطاقها الجغرافي.
وتؤكد ACLED أن القوات المسلحة السودانية طورت قدراتها الجوية بصورة ملحوظة مقارنة ببداية الحرب، بعد أن كانت القوة الجوية التقليدية هي العنصر الرئيس في تفوقها الجوي، بينما أصبحت المسيّرات جزءاً أساسياً من قدرتها على استهداف قوات الدعم السريع في مواقع بعيدة (ACLED, 2026).
باكستان: الحلقة الأقل وضوحاً في شبكة الإمداد العسكري للجيش
الدور الباكستاني أقل وضوحاً وتأثيراً من الدور المصري أو الإيراني أو التركي، لكنه يدخل في شبكة الدعم العسكري المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية. وقد أدرجته ACLED ضمن الدول التي تدعم معسكر الجيش إلى جانب مصر وإيران وتركيا والسعودية (Birru, 2025).
وتشير التطورات اللاحقة إلى أهمية باكستان في بعض مسارات الطائرات والمسيّرات التي وصلت إلى القوات المسلحة السودانية. وذكرت ACLED في 2026 أن الجيش اعتمد على مسيّرات تركية وباكستانية، ضمن شبكة توريد مرتبطة بتركيا والسعودية، وأن بعض ترتيبات التوريد شهدت تغيرات سياسية في 2026 (ACLED, 2026).
وتكشف الحالة الباكستانية عن وجه مهم من شبكات التسليح الحديثة: فقد لا تكون الدولة الموردة صاحبة مشروع جيوسياسي مباشر في السودان، لكنها قد تكون جزءاً من سلسلة توريد دفاعية تغير ميزان القوى. ولهذا لا ينبغي تضخيم الدور الباكستاني أو مساواته بمستوى الدور الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع، وإنما ينبغي تتبع أنواع المعدات وحجمها وشروط المستخدم النهائي ومسارات إعادة التصدير.
تركيا: المسيّرات والأسلحة الصغيرة وتداخل التجارة الدفاعية مع اقتصاد الحرب
تمثل تركيا أحد أهم الشركاء العسكريين والتكنولوجيين المحتملين للقوات المسلحة السودانية، خصوصاً في مجال المسيّرات والتكنولوجيا الدفاعية. وقد أدرجتها ACLED ضمن الدول الداعمة للقوات المسلحة السودانية، بينما وثقت منظمة العفو الدولية وجود أسلحة ومعدات تركية في السودان، بما في ذلك كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والأسلحة المدنية التي يمكن تحويلها إلى استخدام قتالي (Amnesty International, 2024).
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن شركات تركية صدرت مئات الآلاف من البنادق الفارغة وملايين الطلقات الفارغة إلى السودان خلال السنوات السابقة، وأن أسلحة صغيرة تركية من شركات مختلفة ظهرت في أيدي أطراف النزاع. كما وثقت المنظمة استخدام شركة سارسيـلماز وغيرها في تزويد السوق السودانية بأسلحة، مع ظهور بعض المنتجات في أيدي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع (Amnesty International, 2024).
وتكشف هذه الحالة أن المشكلة لا تقتصر على الأنظمة العسكرية الكبرى. فالبنادق الرياضية والصيدية والأسلحة المدنية يمكن أن تدخل الاقتصاد الحربي، ثم تحول داخل السودان إلى أسلحة قتالية. ولذلك فإن الرقابة على صادرات الأسلحة المدنية لا تقل أهمية عن الرقابة على الطائرات والمدرعات.
وفي 2026 أشارت تحليلات ACLED إلى أن منظومات المسيّرات التركية أصبحت جزءاً من قدرة القوات المسلحة السودانية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، مع استمرار نفي تركيا تقديم بعض الأنظمة بصورة مباشرة للقوات المسلحة السودانية (Kinkoh, 2026).
كما أن لتركيا مصالح أوسع في السودان والبحر الأحمر تشمل التجارة والزراعة والبنية التحتية والعلاقات العسكرية. ولذلك فإن فهم الدور التركي يتطلب الجمع بين السياسة الدفاعية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
الفصل الرابع: الإمارات وشبكة قوات الدعم السريع — من السلاح والذهب إلى المقاتلين واللوجستيات
تمثل الإمارات العربية المتحدة العقدة الخارجية الأكثر أهمية في شبكة الدعم المرتبطة بقوات الدعم السريع وفق مجموعة واسعة من الأدلة المتقاطعة. فقد تراكمت خلال 2024 و2025 و2026 أدلة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث والتحقيقات الصحفية حول مسارات السلاح والتمويل والذهب واللوجستيات والمقاتلين المرتبطة بالإمارات.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية في 2024 أسلحة حديثة من الصين وروسيا وصربيا وتركيا والإمارات واليمن في السودان، وأشارت إلى أن مركبات مدرعة إماراتية الصنع ظهرت في أيدي قوات الدعم السريع، وأن الحظر المفروض على دارفور لم يمنع تدفق الأسلحة الحديثة إلى السودان ثم تحويل بعضها إلى دارفور (Amnesty International, 2024).
وفي مايو 2025 قدمت المنظمة أدلة أكثر تحديداً، إذ حددت قنابل صينية موجهة من نوع GB50A ومدافع هاوتزر AH-4 عيار 155 ملم، وخلصت إلى أن هذه الأسلحة أعيد تصديرها إلى السودان من الإمارات بدرجة عالية من الاحتمال. وكانت تلك أول مرة توثق فيها قنابل GB50A في استخدام فعلي داخل نزاع مسلح. كما أشارت المنظمة إلى أن الإمارات هي الدولة الوحيدة التي استوردت مدافع AH-4 الصينية، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام التي استند إليها التحقيق (Amnesty International, 2025).
ولا تقف المسألة عند الأسلحة الصينية. فقد وثقت منظمة العفو الدولية كذلك أن أنظمة دفاعية فرنسية الصنع، مدمجة في ناقلات جنود إماراتية الصنع، ظهرت على مركبات تستخدمها قوات الدعم السريع، وهو ما يوضح كيف يمكن لسلسلة توريد متعددة الدول أن تنتهي في ساحة الحرب السودانية حتى عندما لا تكون الدولة المصنعة النهائية هي الدولة المتهمة بتسليح أحد الأطراف (Amnesty International, 2024).
وتتعلق العقدة الثانية بالذهب. فقد خلص تشاتام هاوس إلى أن الجزء الأكبر من إنتاج الذهب الحرفي والصغير النطاق في السودان ينتهي في الإمارات، بصورة مباشرة أو عبر دول مجاورة مثل تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان، وأن الذهب يمثل مصدراً بالغ الأهمية لدخل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وأن التجارة الذهبية تربط الحرب بشبكة إقليمية واسعة (Soliman, 2025).
أما العقدة الثالثة فهي المقاتلون الأجانب والشركات الأمنية. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تجنيد مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين بواسطة شركة أمنية مقرها أبوظبي، ومرور عدد منهم عبر منشآت عسكرية إماراتية، وتلقي بعضهم تدريباً في منشآت داخل الإمارات، قبل انتقالهم إلى السودان. كما وثقت المنظمة مسارات عبر ليبيا وتشاد إلى دارفور (Human Rights Watch, 2026).
وهذه الأدلة لا تعني تلقائياً أن كل متعاقد أجنبي يمثل دولة الإمارات أو أن كل نشاط تجاري إماراتي هو نشاط حكومي. لكنها تجعل من الصعب علمياً تجاهل الدور الإماراتي أو اختزاله في اتهام سياسي بلا أدلة. وفي الوقت نفسه، تظل الإمارات تنفي بصورة مستمرة تقديم دعم عسكري أو مالي أو لوجستي إلى الأطراف المتحاربة، ولذلك يجب التمييز بين الدليل على وجود شبكة أو مسار داخل نطاق إماراتي وبين إثبات المسؤولية القانونية للدولة عن كل عملية أو شحنة منفردة (European Union Agency for Asylum, 2025).
وتبدو دوافع الإمارات متعددة: الذهب، والموانئ، والزراعة، والأمن الغذائي، والبحر الأحمر، ومنافسة الإسلاميين، وبناء النفوذ الإقليمي، والعلاقات التجارية، والحفاظ على شبكة من الشركاء المحليين. ويصف المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الإمارات بأنها أكثر الفاعلين الخارجيين نفوذاً في الحرب، وأنها متهمة بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح، مع استمرار أبوظبي في نفي ذلك (Horner, 2025).
وتزداد أهمية الدور الإماراتي بسبب تعدد قنواته. فالقوة لا تأتي من شحنة سلاح منفردة، بل من اجتماع المال والسلاح والذهب واللوجستيات والعلاقات التجارية والمقاتلين الأجانب. وكلما تعددت القنوات أصبح من الصعب قطع الدعم من خلال عقوبة واحدة أو قرار دبلوماسي واحد.
الفصل الخامس: الممرات الغربية والجنوبية — تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا وكينيا
تشاد: الدولة الممر وحدود المسؤولية
تمثل تشاد الحلقة الجغرافية الأهم في شبكة الإمداد الغربية بسبب حدودها الطويلة مع دارفور. غير أن تحليل الدور التشادي يتطلب تمييزاً صارماً بين الدولة التشادية وبين الشبكات القبلية والتجارية والأمنية الموجودة على الحدود.
ظهرت تشاد في تقارير مختلفة كممر رئيسي لشحنات ومقاتلين باتجاه دارفور. وقد وثقت تقارير وتحقيقات دور مطاري أم جرس وأبشي في شرق تشاد، كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن تحليل بيانات الرحلات والأقمار الصناعية ومصادر محلية دعم فرضية استخدام مطار أم جرس في عمليات مرتبطة بنقل السلاح إلى دارفور (Amnesty International, 2024).
وأظهرت Global Initiative أن عدد الرحلات من الإمارات إلى شرق تشاد انخفض في 2025، وأن بعض حركة الإمداد تحولت لاحقاً شمالاً إلى الكفرة في شرق ليبيا أو مباشرة إلى نيالا، بما يدل على أن شبكات الإمداد تستطيع تغيير مساراتها عندما تصبح طريق معينة مكشوفة أو معرضة للهجوم (Global Initiative, 2025).
لكن تحميل الحكومة التشادية كلها مسؤولية تسليح قوات الدعم السريع يتجاوز الأدلة في بعض الحالات. فتشاد نفسها تواجه تدفقاً هائلاً للاجئين السودانيين، ومخاطر انتقال الحرب، وتوترات داخلية، وحدوداً صحراوية واسعة يصعب على الدولة السيطرة عليها بصورة كاملة.
ولهذا تمثل تشاد نموذج «الدولة الممر»: الدولة التي قد تصبح جزءاً من سلسلة الإمداد بحكم الموقع والجغرافيا والضعف الحدودي، حتى إذا لم تكن صاحبة قرار استراتيجي مستقل بإشعال الحرب.
ليبيا: العمق اللوجستي للدعم السريع في دولة منقسمة
أصبحت ليبيا جزءاً رئيسياً من البنية اللوجستية المرتبطة بقوات الدعم السريع، خصوصاً عبر مناطق الجنوب والشرق التي تتمتع فيها قوات خليفة حفتر وشبكاته بنفوذ واسع.
وقد أكدت تقارير أممية أن الأراضي الليبية استخدمت في تسهيل انتقال مقاتلين وأسلحة ومعدات إلى قوات الدعم السريع، كما أصبحت ليبيا طريقاً مهماً للمقاتلين الكولومبيين الذين وصلوا إلى السودان (United Nations Panel of Experts on Libya, 2026).
وتظهر ليبيا مثالاً واضحاً على التدويل عبر الدولة المنقسمة. فلا توجد «ليبيا» موحدة تتخذ قراراً واحداً، بل توجد سلطات ومجموعات مسلحة وشبكات اقتصادية وأمنية متعددة. ولذلك فإن القول بأن «ليبيا تدعم قوات الدعم السريع» أقل دقة من القول إن أجزاء من المجال الليبي أصبحت عمقاً لوجستياً لقوات الدعم السريع.
وقد أكدت Global Initiative أن تحول بعض الرحلات من شرق تشاد إلى الكفرة في ليبيا في 2025 ساعد على استمرار شبكات الإمداد، كما ربطت التطورات في المثلث الحدودي بين ليبيا والسودان ومصر بالتحولات العسكرية في غرب السودان (Global Initiative, 2025).
وتزداد خطورة ذلك بسبب الحدود الصحراوية الطويلة، وضعف الرقابة المركزية، واقتصاد التهريب، وقدرة الجماعات المسلحة على توفير الحماية والنقل والوقود.
جمهورية أفريقيا الوسطى: عقدة جغرافية أكثر منها دولة مانحة معلنة
تقع جمهورية أفريقيا الوسطى في الطرف الأكثر تعقيداً من شبكة الدعم الغربية. وقد ظهرت في التحليلات باعتبارها ممراً محتملاً أو فعلياً لبعض عمليات نقل السلاح والذهب والمعدات المرتبطة بقوات الدعم السريع.
وتشير Global Initiative إلى أن قوات الدعم السريع اعتمدت على جمهورية أفريقيا الوسطى ضمن شبكة أوسع من ممرات التهريب والدعم، وأن الأسلحة وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر شمال شرق البلاد في مراحل مبكرة من الحرب، مع ورود ادعاءات بشأن دور عناصر مرتبطة بمجموعة فاغنر/الفيلق الأفريقي في بعض عمليات النقل (Global Initiative, 2025).
لكن المسؤولية الحكومية المباشرة لجمهورية أفريقيا الوسطى لا يمكن مساواتها بالدور المنسوب إلى الإمارات. فالدولة تعاني من ضعف مؤسسي، وحدود شاسعة، ومجموعات مسلحة، واعتماد أمني على قوى خارجية، وبالتالي فإن جزءاً من الحركة عبر الحدود قد يكون نتيجة ضعف السيطرة وليس نتيجة قرار مركزي واضح.
جنوب السودان: النفط والذهب والحدود التي يصعب فصلها عن الحرب
يرتبط جنوب السودان بالسودان بعلاقات اقتصادية واجتماعية وأمنية لا يمكن فصلها عن الحرب. فهو يعتمد على السودان في تصدير النفط، وتوجد حدود طويلة وشبكات قبلية وتجارية مشتركة، كما أن الحرب السودانية يمكن أن تعيد إنتاج التوترات داخل جنوب السودان.
وقد أدرجت ACLED جنوب السودان ضمن الشبكة التي تستفيد منها قوات الدعم السريع، بينما وثقت Global Initiative دور جنوب السودان في اقتصاد الذهب المرتبط بقوات الدعم السريع. ففي مارس 2024، وفق ما أوردته المنظمة، نُقلت كميات من الذهب المزعوم إنتاجها في منجم صناعي تسيطر عليه قوات الدعم السريع في سونغو إلى واو، ثم إلى جوبا على متن طائرة تجارية، قبل نقلها بطائرة خاصة إلى الإمارات (Global Initiative, 2025).
لكن تفسير ذلك باعتباره قراراً استراتيجياً من جوبا لدعم قوات الدعم السريع سيكون مبالغة. فجنوب السودان نفسه من أكبر المتضررين من الحرب، سواء بسبب اضطراب صادرات النفط أو تدفق اللاجئين أو توسع التهريب.
ومن ثم فإن الدور الجنوبي السوداني ينبغي فهمه باعتباره مزيجاً من العبور والاقتصاد غير الرسمي والمصالح المحلية وضعف القدرة على ضبط الحدود، لا باعتباره بالضرورة سياسة دولة موحدة لتسليح أحد طرفي الحرب.
أوغندا: الطيران والتجارة والبنية اللوجستية
تظهر أوغندا ضمن الشبكة الإقليمية المرتبطة بقوات الدعم السريع، خصوصاً في مجال النقل والعبور وبعض الشبكات التجارية.
وقد أظهرت Global Initiative أن بعض المسارات الجوية واللوجستية اتصلت بأوغندا، وأن طائرة شحن مرتبطة بمسار إلى دارفور كانت تعمل من عنتيبي، حيث كان يقيم مالكها وطيارها، وهو ما يكشف أهمية البنية التحتية المدنية في الاقتصاد الحربي (Global Initiative, 2025).
كما أشار تشاتام هاوس في 2026 إلى أن أوغندا دخلت في الجدل الإقليمي بسبب اتهامات القوات المسلحة السودانية لها بدعم قوات الدعم السريع، في حين عقد الرئيس الأوغندي لقاءات مع قائد قوات الدعم السريع، مع استمرار نفي أوغندا اتهامات تقديم الدعم العسكري المباشر (Kinkoh, 2026).
وتكشف الحالة الأوغندية أن الحرب السودانية لم تعد تعتمد على الطرق الصحراوية وحدها، وإنما أصبحت لها بنية جوية متعددة المراحل تستخدم مطارات وشركات مدنية وطائرات تجارية وشبكات نقل.
كينيا: المنصة السياسية والمالية واللوجستية
تمثل كينيا حالة مختلفة، لأن الدور المرتبط بها لا يظهر أساساً في صورة دولة مصدرة للسلاح، وإنما في صورة منصة سياسية ومالية ولوجستية ضمن شبكة أوسع.
وقد أدرجتها ACLED ضمن الشبكة الدولية المرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما أشار تشاتام هاوس إلى أن كينيا استضافت في 2026 ممثلين عن قوات الدعم السريع وأتاحت لهم الإعلان عن تشكيل حكومة موازية، وهو ما أثار اعتراض القوات المسلحة السودانية ونفي الرئيس الكيني ويليام روتو اتهامات دعم قوات الدعم السريع (Kinkoh, 2026).
وتزداد أهمية كينيا بسبب موقعها الإقليمي ومؤسساتها المالية وصلاتها بالقرن الأفريقي، فضلاً عن قدرتها على استضافة اجتماعات سياسية وشبكات تجارية.
وهنا يظهر أحد أخطر أشكال الدعم غير المباشر: توفير المجال السياسي أو المالي أو اللوجستي الذي يسمح لطرف مسلح بتحويل القوة العسكرية إلى مشروع سياسي عابر للحدود.
ومع ذلك لا توجد قاعدة أدلة تسمح بمساواة كينيا بالإمارات باعتبارها مورداً رئيسياً للأسلحة. ولذلك فإن وصفها بأنها «داعم عسكري مباشر» ينبغي استخدامه بحذر شديد.
الفصل السادس: من الدولة إلى الشبكة — كيف يتحول السلاح والذهب والمطار والمقاتل إلى منظومة واحدة
تكشف مقارنة الدول الاثنتي عشرة أن عبارة «الدعم الخارجي» تخفي خمسة أنماط مختلفة من التدخل.
النمط الأول هو التسليح المباشر أو شبه المباشر. ويظهر بصورة أوضح في الدعم المرتبط بالإمارات لقوات الدعم السريع، وفي حصول القوات المسلحة السودانية على أنظمة إيرانية وتركية وباكستانية وغيرها. وقد وثقت منظمة العفو الدولية أسلحة من الصين وروسيا وتركيا وصربيا والإمارات واليمن، مؤكدة أن تدفق الأسلحة لم يتوقف رغم حظر الأسلحة المفروض على دارفور (Amnesty International, 2024).
النمط الثاني هو إعادة التصدير. فقد تكون الدولة المصنعة للسلاح مختلفة عن الدولة التي ينتهي عبرها السلاح إلى السودان. وتظهر الإمارات مثالاً مركزياً، إذ وثقت منظمة العفو الدولية أسلحة صينية متقدمة أعيد تصديرها عبر الإمارات إلى قوات الدعم السريع (Amnesty International, 2025).
النمط الثالث هو الممرات اللوجستية، وتشمل تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا، حيث تسمح الجغرافيا والحدود والشبكات غير الرسمية بانتقال الأسلحة والوقود والمقاتلين. وتؤكد الأدلة أن هذه المسارات ليست ثابتة؛ فعندما تصبح طريق أم جرس مكشوفة يمكن أن تتحول الحركة إلى الكفرة أو إلى نيالا، وعندما تصبح الحدود البرية أكثر خطورة يمكن استخدام الطيران أو شبكات تجارية بديلة (Global Initiative, 2025).
النمط الرابع هو التمويل واقتصاد الحرب، وخاصة الذهب. فالذهب يتيح الحصول على العملة الصعبة خارج النظام المصرفي الرسمي، ودفع ثمن السلاح والوقود والخدمات، وبناء العلاقات التجارية والسياسية خارج السودان. وقد خلص تشاتام هاوس إلى أن الذهب هو من أهم مصادر دخل طرفي الحرب، وأن القطاع متعدد المليارات يربط السودان بشبكة عابرة للحدود تضم المنتجين والتجار والمهربين والجماعات المسلحة والحكومات الخارجية (Soliman, 2025).
النمط الخامس هو المقاتلون والخبرة العسكرية الخاصة. وقد أصبح هذا النمط أكثر وضوحاً في 2026 مع توثيق تجنيد مئات المتعاقدين الكولومبيين، ومع تقديرات أممية تشير إلى احتمال وصول عدد المتعاقدين المرتبطين بهذه الشبكات إلى نحو ألفي شخص. وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن الحرب لا تستورد السلاح فقط، وإنما تستورد المعرفة العسكرية نفسها: تشغيل المسيّرات، المدفعية، أنظمة الاستطلاع، والتدريب التكتيكي (Human Rights Watch, 2026; Othman, 2026).
ولهذا فإن النموذج الصحيح لا ينبغي أن يكون «دولة ← سلاح ← طرف سوداني»، وإنما «دولة مصدرة ← إعادة تصدير ← مطار أو ميناء ← شركة نقل ← وسيط مالي ← سوق ذهب أو مؤسسة تجارية ← قوة مسلحة». وعندما تتعدد الحلقات يصبح من الممكن لكل طرف في السلسلة أن ينفي المسؤولية عن الحلقة التالية، بينما تستمر الموارد في الحركة.
الفصل السابع: الذهب والمسيّرات والمقاتلون الأجانب — البنية الاقتصادية والتكنولوجية التي جعلت الحرب أطول وأكثر فتكاً
لا يمكن فهم الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع ولا قدرة القوات المسلحة السودانية على الاستمرار في القتال دون فهم الذهب. فبعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وخسارة السودان الجزء الأكبر من إنتاجه النفطي، أصبح الذهب مورداً مركزياً في الاقتصاد السوداني وفي اقتصاد النخب العسكرية.
وتوضح دراسات تشاتام هاوس أن التعدين الحرفي والصغير النطاق يمثل الجزء الأكبر من إنتاج الذهب السوداني، وأن معظم الذهب ينتهي في الإمارات، مباشرة أو عبر تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان. كما توضح الدراسة أن المنافسة على الذهب كانت جزءاً من التنافس بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قبل الحرب، وأن الذهب أصبح مصدراً مهماً لتمويل الطرفين أثناء الحرب (Soliman, 2025).
ويتيح الذهب للطرف المسلح ثلاث فوائد استراتيجية مترابطة: أولاً، الحصول على عملة صعبة خارج القنوات الرسمية؛ ثانياً، استخدام الذهب في دفع ثمن السلاح والوقود والخدمات والمقاتلين؛ وثالثاً، بناء علاقات تجارية خارج الدولة السودانية. ولذلك فإن السيطرة على مناجم الذهب وطرق نقله ليست قضية اقتصادية هامشية، بل جزء من القدرة على شن الحرب.
وقد أصبح هذا الاقتصاد متعدد المراكز. فالمناطق الخاضعة للقوات المسلحة السودانية تطورت فيها مسارات باتجاه مصر، بينما ارتبطت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور بممرات عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان باتجاه الأسواق الإقليمية، وخاصة الإمارات (Soliman, 2025; Global Initiative, 2025).
ولهذا فإن قطع تمويل الحرب لا يمكن أن يقتصر على تجميد الحسابات المصرفية. بل يجب أن يشمل سلسلة الذهب كاملة: المنجم، والمنتج، والمشتري المحلي، والوسيط، والنقل، والمصفاة، والمصرف، والمشتري النهائي. كما ينبغي فرض متطلبات صارمة لتحديد مصدر الذهب، وتسجيل المنتجين، واستخدام التتبع الرقمي، وربط الواردات إلى المصافي العالمية ببيانات منشأ قابلة للتحقق.
أما المسيّرات فقد أصبحت أهم مظاهر تدويل الحرب السودانية. ففي البداية كانت القوات المسلحة السودانية تتمتع بميزة جوية نسبية، بينما اعتمدت قوات الدعم السريع بصورة أكبر على القوة البرية. لكن الحصول على المسيّرات وأنظمة التشويش والدفاع الجوي غيّر ميزان القوة.
وأظهر تحليل ACLED أن القوات المسلحة السودانية أصبحت تمتلك مزيجاً من المسيّرات الإيرانية والتركية والباكستانية، في حين حصلت قوات الدعم السريع على قدرات مسيّرة متطورة، بما في ذلك مسيّرات FH-95، سمحت لها بضرب أهداف بعيدة في مناطق خاضعة للجيش، بما فيها بورتسودان (ACLED, 2026).
وتشير بيانات ACLED إلى أن ضربات المسيّرات زادت بصورة كبيرة، وأن التطور التقني ساعد قوات الدعم السريع على الوصول إلى أهداف أبعد من مناطق سيطرتها التقليدية، بينما استخدم الجيش المسيّرات والطائرات المأهولة لضرب خطوط الإمداد ومواقع قوات الدعم السريع (Birru, 2025).
وفي 2026 أصبحت هذه التكنولوجيا أكثر خطورة على المدنيين. فقد ذكرت تحليلات Chatham House أن المسيّرات شكلت أكثر من 80% من 880 وفاة مدنية موثقة على الأقل بين يناير وأبريل 2026، كما أفادت تقارير الأمم المتحدة بأن أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات المسيّرات خلال النصف الأول من العام (Kinkoh, 2026; Othman, 2026).
وبالتالي فإن التطور التكنولوجي لم يؤد بالضرورة إلى «حرب أكثر دقة» بالنسبة للسكان المدنيين؛ بل أدى في ظروف كثيرة إلى توسيع المجال الجغرافي للخطر، لأن المسيّرة تجعل تنفيذ الهجوم على بعد مئات الكيلومترات ممكناً من دون تحريك قوة برية كبيرة.
أما المقاتلون الأجانب والشركات العسكرية الخاصة فيمثلون تحولاً نوعياً آخر. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش شبكة تجنيد بدأت في كولومبيا وارتبطت بشركة أمنية مقرها أبوظبي، ثم مر المتعاقدون عبر منشآت في الإمارات قبل انتقالهم إلى السودان عبر مسارات شملت ليبيا وتشاد. ووثقت المنظمة أيضاً تدريب بعضهم في منشآت عسكرية إماراتية، وهو ما يزيد من أهمية السؤال حول الحدود بين الشركة الخاصة والدولة (Human Rights Watch, 2026).
وتثير هذه الظاهرة سؤال خصخصة الحرب. فالشركات العسكرية الخاصة تتيح للجهة الممولة الاستفادة من الخبرة العسكرية دون نشر قوات رسمية تحمل الزي الوطني، وتسمح بتوزيع المسؤولية على سلسلة من الشركات والوسطاء والمتعاقدين. ولا يعني ذلك أن كل متعاقد أجنبي يمثل دولة، لكن عندما تكون عملية التجنيد والتدريب والنقل مرتبطة ببنية حكومية أو شبه حكومية، تصبح الحدود بين «الخاص» و«الدولي» أكثر غموضاً.
الفصل الثامن: كيف يطيل الدعم الخارجي الحرب ويحوّل خطوط القتال إلى انقسام جغرافي وسياسي؟
لا يعني وجود الدعم الخارجي أن الحرب لم تكن لتندلع لولا التدخل الخارجي. جذور الحرب سودانية بوضوح، وتشمل فشل الانتقال الديمقراطي، والانقلاب العسكري في 2021، وبناء قوات الدعم السريع كقوة شبه مستقلة، وتنافس النخب العسكرية على الدولة والاقتصاد، وغياب الإصلاح المؤسسي للقطاع الأمني.
لكن الدعم الخارجي غيّر مدة الحرب وشدتها وشكلها.
أولاً، يقلل الدعم الخارجي من أثر الاستنزاف. فالطرف الذي يخسر أسلحة أو مركبات أو ذخائر يستطيع تعويضها من الخارج.
ثانياً، يخلق توقعات بالنصر. فإذا اعتقد الطرف أن داعماً خارجياً سيزيد قدرته، فقد يصبح أقل استعداداً للتفاوض.
ثالثاً، يسمح بإعادة فتح جبهات جديدة. فالوقود والأسلحة والمقاتلون والمعلومات تجعل خسارة مدينة أو منطقة أقل حسماً.
رابعاً، يوفر تكنولوجيا أكثر فتكاً، وخاصة المسيّرات والأسلحة بعيدة المدى.
خامساً، يحول الحرب إلى اقتصاد مربح لبعض الشبكات، فيصبح استمرارها مصلحة اقتصادية.
سادساً، يمنح الأطراف فرصة لبناء مؤسسات موازية. فحين تستطيع قوة مسلحة تمويل نفسها خارج النظام المصرفي للدولة، واستيراد السلاح دون المرور بالحكومة، وإدارة التجارة والذهب والضرائب في مناطق سيطرتها، فإنها تتحول تدريجياً من جماعة مسلحة إلى فاعل شبه دولتي.
وهنا تظهر معضلة الالتزام في أدبيات النزاعات. فإذا لم يثق الطرفان بأن الطرف الآخر سيحترم الاتفاق بعد وقف إطلاق النار، فإنهما يفضلان الاستمرار في القتال، خصوصاً عندما يعتقد كل طرف أن الوقت قد يعمل لصالحه بسبب الدعم الخارجي.
وقد أظهرت التطورات الجغرافية في 2025 و2026 كيف تحول الدعم الخارجي إلى قدرة على إنتاج انقسام مكاني. فقد تمكنت القوات المسلحة السودانية من ترسيخ سيطرتها على الخرطوم ومناطق واسعة من الوسط والشرق، بينما رسخت قوات الدعم السريع سيطرتها على أجزاء كبيرة من دارفور، وأصبح كردفان منطقة رئيسية للصراع بين المجالين (Birru, 2025).
وارتبط ذلك بتشكل إدارات موازية. فقد أعادت القوات المسلحة السودانية بناء حكومة في بورتسودان، بينما أعلنت قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية تتمركز في نيالا، وهو ما يجعل الحرب تتحول من مجرد تنافس على العاصمة إلى تنافس على تعريف الدولة نفسها (Birru, 2025).
وقد حذر معهد الدراسات الأمنية من أن التحولات العسكرية والسياسية والتدخل الخارجي يمكن أن تدفع السودان نحو إدارتين أو أكثر، وأن امتداد خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا يزيد إمكانية استمرار الحرب لفترة طويلة أو تحولها إلى تقسيم فعلي (Okello, 2025).
ولا يعني التقسيم الفعلي بالضرورة إعلان دولتين مستقلتين. فقد تكون النتيجة الأخطر دولة واحدة قانونياً لكنها منقسمة فعلياً إلى أنظمة أمنية واقتصادية وإدارية متنافسة. وفي هذه الحالة يمكن أن تستمر الحدود الدولية، لكن تختفي تدريجياً القدرة الفعلية للدولة المركزية على احتكار العنف والضرائب والسياسة الخارجية والموارد.
وتشير تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن ترسخ المناطق الإدارية والعسكرية المختلفة، وتدفق الأسلحة من الخارج، قد يدفع السودان نحو حافة التقسيم من جديد، مع تآكل النسيج الاجتماعي وتزايد صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية (Horner, 2025).
الفصل التاسع: أزمة الوساطة وحظر الأسلحة — لماذا لا يكفي التفاوض إذا ظل اقتصاد الحرب مفتوحاً؟
من أكثر مظاهر أزمة الاستجابة الدولية تناقض أن بعض الدول التي تمتلك أكبر نفوذ على الأطراف تشارك في الوقت نفسه في الوساطة. وتظهر الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة في بنية «الرباعية» الخاصة بالسودان، رغم اختلاف الأدوار والاتهامات الموجهة إلى بعض أعضائها.
وقد أشار تشاتام هاوس في 2026 إلى أن «الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات واجهت مشكلة بنيوية لأن دولتين متهمتان بتمكين أطراف الحرب تشاركان في قيادة جهود الوساطة، كما أن خارطة الطريق لم تتضمن آلية تنفيذ قوية (Kinkoh, 2026).
ولا يعني ذلك أن الوساطة الخليجية عديمة القيمة. فالدول ذات النفوذ على المتحاربين قد تكون أكثر قدرة على فرض وقف إطلاق النار من الدول المحايدة تماماً. لكن نجاح الوساطة يتطلب أن تتحول الدولة المؤثرة من راعٍ لطرف إلى ضامن للسلام، وأن يصبح نفوذها على الطرف المدعوم أداة لخفض التصعيد بدلاً من زيادة القدرة العسكرية.
أما حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ 2004 فيمثل أحد أبرز الأمثلة على عدم التناسب بين الأدوات القانونية وطبيعة الحرب. فقد بقي الحظر مرتبطاً جغرافياً بدارفور، بينما انتشرت الحرب منذ 2023 إلى الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ومناطق أخرى.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية استمرار تدفق أسلحة جديدة إلى السودان ثم وصول بعضها إلى دارفور، وخلصت إلى أن الحظر الحالي ضيق النطاق وضعيف التنفيذ وغير قادر على منع تدفقات السلاح (Amnesty International, 2024).
وفي مايو 2025 قدمت المنظمة أدلة إضافية على استخدام أسلحة صينية متقدمة أعيد تصديرها عبر الإمارات، وهو ما أبرز الفجوة بين وجود الحظر على الورق وبين القدرة الفعلية على مراقبة إعادة التصدير (Amnesty International, 2025).
ويحدد مجلس الأمن بوضوح أن تدابير العقوبات المتعلقة بالسودان جددت حتى 12 سبتمبر 2026، بينما امتدت ولاية فريق الخبراء إلى 12 أكتوبر 2026 بموجب القرار 2791 لعام 2025 (United Nations Security Council, 2025).
وهذا يخلق ثغرة قانونية وسياسية: قد يكون إدخال سلاح إلى جزء من السودان خارج نطاق الحظر الجغرافي، لكنه يمكن أن ينتقل لاحقاً إلى دارفور. ولذلك فإن توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، مع استثناءات دقيقة ومراقبة للمساعدات الإنسانية والدفاع المدني، يبدو أكثر اتساقاً مع طبيعة الحرب.
كما أن الحظر وحده لا يكفي. فإذا لم توجد آلية لتعقب إعادة التصدير، ومراقبة الرحلات الجوية، ومراقبة شركات الشحن، وتعقب الوسطاء الماليين، ومعاقبة الشركات التي تسهل عمليات النقل، فإن الحظر يمكن أن يتحول إلى وثيقة قانونية غير قادرة على تغيير الواقع الميداني.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط «حظر الأسلحة»، بل نظام متكامل لمنع إعادة التصدير والتحايل والتهريب.
الفصل العاشر: من خريطة الدول إلى منظومة اقتصاد الحرب — مقارنة المسؤوليات وتحديد نقاط الاختناق
لا يمكن وضع الدول الاثنتي عشرة في مستوى واحد. ويمكن تقسيمها تحليلياً إلى أربع فئات مترابطة.
الفئة الأولى هي الداعمون العسكريون المباشرون أو شبه المباشرين، وأبرزهم الإمارات في جانب قوات الدعم السريع، ومصر وإيران وتركيا بدرجات مختلفة في جانب القوات المسلحة السودانية.
الفئة الثانية هي الدول ذات الدعم السياسي والاستراتيجي والمادي، وفي مقدمتها السعودية، مع اختلاف كبير بين طبيعة الدعم السعودي والدعم العسكري المرتبط بالإمارات.
الفئة الثالثة هي دول الممرات والعمق اللوجستي، وتشمل تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا.
الفئة الرابعة هي الدول التي تجمع بين الأدوار السياسية والمالية واللوجستية، وفي مقدمتها كينيا.
وهذا التصنيف أكثر دقة من استخدام مفهوم واحد هو «الدول الداعمة».
ويختلف هيكل الدعم الخارجي للطرفين بصورة جوهرية. فالقوات المسلحة السودانية تعتمد بدرجة أكبر على علاقات دولة-لدولة، وعلى مؤسسات عسكرية تقليدية، وعلى شراء أو الحصول على تقنيات عسكرية متقدمة، وعلى علاقات مع دول تمتلك جيوشاً نظامية كبيرة. أما قوات الدعم السريع فتعتمد بدرجة أكبر على شبكة هجينة تجمع دولة إقليمية قوية، وشبكات ذهب، وممرات حدودية، وقواعد لوجستية، وشركات خاصة، ومقاتلين أجانب، ومؤسسات تجارية.
وهذا الاختلاف له أثر عميق على طبيعة الدولة بعد الحرب. فدعم الجيش يميل إلى تعزيز قدرته باعتباره مؤسسة دولة، بينما يمكن لدعم قوات الدعم السريع أن يعزز قدرة قوة شبه عسكرية على العمل كفاعل شبه دولتي. وبالتالي فإن المساعدة الخارجية لا تعزز القدرة القتالية فقط، وإنما تعيد تشكيل نوع الفاعل السياسي الذي يمكن أن يظهر بعد الحرب.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: «من يدعم من؟»، وإنما: «ما نقطة الاختناق في كل شبكة؟». ففي شبكة الجيش يمكن أن تكون نقاط الاختناق هي توريد المسيّرات والذخائر والتكنولوجيا وطرق الشراء الحكومية. وفي شبكة قوات الدعم السريع يمكن أن تكون نقاط الاختناق هي الذهب، وإعادة التصدير، والمطارات، والوسطاء الماليون، والشركات الأمنية، والممرات عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان.
وتؤكد تحليلات تشاتام هاوس أن وقف الحرب يتطلب «تفكيك الاعتماد الخارجي» من خلال قطع مسارات السلاح والذهب واللوجستيات معاً، لا معالجة كل عنصر بصورة منفصلة (Kinkoh, 2026).
وهذا يقود إلى نتيجة عملية مهمة: العقوبات الأكثر فعالية ليست بالضرورة العقوبات الأوسع، بل العقوبات التي تستهدف نقاط الاختناق في الشبكة. فإذا كان الذهب يمول شراء السلاح، فإن العقوبة على مشتري الذهب قد تكون أكثر تأثيراً من عقوبة قائد ميداني بعيد عن عملية الاستيراد. وإذا كانت شركة أمنية تجند المقاتلين، فإن استهداف الشركة وشبكة ملكيتها قد يكون أكثر فعالية من الاكتفاء بمعاقبة مقاتل واحد.
الفصل الحادي عشر: كيف يمكن تفكيك منظومة الحرب؟ خطة عملية للسودان والدول الاثنتي عشرة والقوى الدولية
إن مطالبة الدول الخارجية «بوقف التدخل» خطوة ضرورية لكنها غير كافية. فالشبكات التي تطورت خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب أصبحت لها مصالح ذاتية، وحتى إذا أوقفت دولة ما الدعم الرسمي يمكن أن يستمر عبر الشركات الخاصة، والوسطاء، وإعادة التصدير، وشبكات الذهب، وشركات الطيران والشحن، والمقاتلين المتعاقدين، والحدود غير المحكمة، والتهريب والتجارة غير الرسمية.
ولهذا ينبغي الانتقال من سياسة «الدولة التي ترسل السلاح» إلى سياسة «السلسلة الكاملة للإمداد».
ويستطيع السودان والمجتمع الدولي تطوير نموذج عملي من سبع حلقات مترابطة.
الحلقة الأولى هي تتبع الأسلحة باستخدام أرقام السلاح والذخيرة، وتحليل الصور، والأقمار الصناعية، وسجلات التجارة والشحن، وبيانات الرحلات الجوية، ومقارنة نماذج المعدات التي تظهر في مناطق القتال مع سجلات التصدير.
الحلقة الثانية هي تتبع الذهب عبر نظام موحد لسلسلة التوريد، مع إلزام المصافي والمشترين بتحديد المصدر الجغرافي والجهة الموردة والوسطاء وشروط الشراء، وتطبيق إجراءات عناية واجبة أكثر صرامة على الذهب السوداني أو الذهب الذي يمر عبر الدول المجاورة.
الحلقة الثالثة هي مراقبة الطيران من خلال سجل إقليمي للرحلات العسكرية وشبه العسكرية والطائرات التجارية التي تستخدم في نقل المعدات، مع تحليل مسارات الطائرات التي تكرر الرحلات بين مراكز خليجية وأفريقية ومناطق الحرب.
الحلقة الرابعة هي رقابة المستخدم النهائي. فلا ينبغي أن تكون شهادة حكومية نهائية كافية عندما يتعلق الأمر بمعدات يمكن أن تغير ميزان الحرب، بل ينبغي إنشاء تحقق مستقل بعد التسليم، وخاصة بالنسبة للمسيّرات والذخائر الدقيقة والمركبات المدرعة.
الحلقة الخامسة هي العقوبات على الوسطاء. فالشركات والوسطاء والممولون الذين يسهلون نقل السلاح أو الذهب أو المقاتلين يجب أن يصبحوا أهدافاً للعقوبات، وليس القادة السودانيون وحدهم.
الحلقة السادسة هي مراقبة الحدود باستخدام تعاون إقليمي يشمل السودان وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا وكينيا ومصر، مع ربط المعلومات الجمركية والجوية والأمنية.
الحلقة السابعة هي ربط السلام بالامتيازات الاقتصادية. فالدولة أو الشركة التي تريد الاستثمار في الموانئ أو الزراعة أو التعدين في السودان يجب أن تثبت عدم دعم أي طرف مسلح، وأن تقبل آليات شفافية ومراقبة مستقلة.
ما الذي ينبغي أن تفعله الولايات المتحدة والقوى الدولية؟
تملك الولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين وروسيا ودول الخليج أدوات مختلفة، لكن المشكلة أن هذه الأدوات تعمل غالباً بصورة منفصلة. ولذلك ينبغي إنشاء مجموعة اتصال دولية موحدة لتدفقات السلاح والتمويل في السودان، تكون منفصلة عن الوساطة السياسية اليومية، وتضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودولاً إقليمية مختارة.
وينبغي أن تكون لهذه المجموعة أربع وظائف أساسية: جمع المعلومات، وتحديد مسارات السلاح والمال، وفرض العقوبات، وربط وقف التدفقات الخارجية بعملية السلام.
كما ينبغي توسيع عمل فريق خبراء السودان ليشمل بصورة أكثر منهجية التمويل والذهب والطيران والشركات العسكرية الخاصة، وليس فقط الانتهاكات التقليدية لحظر الأسلحة. وينبغي كذلك تطوير آلية مشتركة بين فرق الخبراء المعنية بالسودان وليبيا وأفريقيا الوسطى، لأن الحرب السودانية كشفت أن الحدود المؤسسية بين لجان العقوبات لم تعد تعكس طبيعة الشبكات العابرة للحدود.
وتحتاج الولايات المتحدة بصورة خاصة إلى استخدام أدواتها المالية والعقابية بطريقة أكثر تنسيقاً. وقد خلص تشاتام هاوس إلى أن واشنطن تملك نفوذاً كبيراً لكنها لم تستخدمه بصورة كافية، وأن بريطانيا والاتحاد الأوروبي يستطيعان استهداف موردي السلاح والوسطاء الماليين وتجار الذهب ضمن استراتيجية منسقة (Kinkoh, 2026).
أما الاتحاد الأفريقي فينبغي أن ينتقل من مراقبة الحرب إلى التعامل مع بنيتها الإقليمية. فالذهب والسلاح والمقاتلون يتحركون عبر حدود دول أفريقية، ولذلك لا يمكن معالجة الحرب السودانية من خلال الدبلوماسية السودانية وحدها. وينبغي أن يكون هناك مبعوث أفريقي رفيع المستوى يمتلك تفويضاً واضحاً للتعامل مع الدول الأفريقية المتهمة بتسهيل الحركة العسكرية، وفي الوقت نفسه مع العواصم الخليجية المؤثرة.
ما الذي ينبغي أن تفعله الدول الاثنتا عشرة؟
ينبغي ألا تكون السياسة واحدة تجاه جميع الدول، لأن درجة المسؤولية وطبيعة الدور تختلف اختلافاً كبيراً.
ينبغي لمصر أن تربط دعمها لمؤسسات الدولة السودانية بدفع القوات المسلحة السودانية نحو وقف إطلاق النار وإعادة بناء سلطة مدنية، وأن تتجنب أن يتحول دعمها لوحدة السودان إلى دعم غير مشروط لاستمرار الحكم العسكري.
وينبغي للسعودية استخدام نفوذها على معسكر الجيش لدفعه إلى وقف القتال، مع فصل الوساطة تدريجياً عن الاصطفاف العسكري، والعمل على تفاهم سعودي-إماراتي واضح بشأن وقف تمويل الأطراف المسلحة. وتملك الرياض فرصة خاصة لأن مصالحها طويلة الأجل في البحر الأحمر والاستقرار الاقتصادي تتعارض في النهاية مع تفكك السودان.
وينبغي لإيران وقف نقل التقنيات الهجومية والمسيّرات التي تزيد القدرة على ضرب أهداف بعيدة، وربط أي تعاون مستقبلي بمراقبة الاستخدام النهائي واحترام القانون الدولي الإنساني.
وينبغي لباكستان تشديد ضوابط التصدير وإجراءات المستخدم النهائي ومنع إعادة توجيه المعدات إلى ساحات الحرب، وخاصة إذا كانت المعدات يمكن أن تصل إلى السودان عبر طرف ثالث.
وينبغي لتركيا تعزيز الرقابة على صادرات الأسلحة المدنية والعسكرية، والتأكد من عدم إعادة تصدير المعدات إلى أطراف الحرب، ومراجعة تجارة البنادق والذخائر المدنية التي يمكن تحويلها إلى استخدام قتالي.
وينبغي للإمارات وقف أي دعم عسكري أو لوجستي أو مالي لقوات الدعم السريع، وتعزيز شفافية تجارة الذهب، والسماح بتحقيقات مستقلة حول مسارات السلاح والمقاتلين، وتشديد الرقابة على الشركات الأمنية الخاصة التي تعمل من أراضيها. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن استمرار الغموض حول الذهب والسلاح والشركات الخاصة يضعف قدرة الإمارات على لعب دور مقبول في السلام.
وينبغي لتشاد منع استخدام مطاراتها وأراضيها في نقل السلاح، مع توفير دعم دولي لها لتأمين الحدود واستيعاب اللاجئين. ولا يمكن مطالبة تشاد بإغلاق الحدود دون توفير بدائل إنسانية وأمنية واقتصادية، لأن الحدود نفسها أصبحت منطقة ضغط هائل على الدولة والمجتمع.
وينبغي لليبيا وقف استخدام الأراضي الليبية كقاعدة لنقل الأسلحة والمقاتلين، وإدماج الملف السوداني في ترتيبات توحيد المؤسسات الأمنية الليبية، لأن استمرار الانقسام الليبي سيبقي الجنوب الليبي مساحة مثالية لشبكات التهريب.
وينبغي لجمهورية أفريقيا الوسطى تشديد الرقابة على الحدود والممرات التجارية ومنع تهريب الأسلحة والذهب، مع التركيز على الشبكات المسلحة وغير الرسمية بدلاً من الاكتفاء بالبيانات السياسية.
وينبغي لكينيا تعزيز الرقابة على الشركات والحسابات وشبكات التمويل، وضمان ألا تتحول البلاد إلى منصة سياسية أو مالية لإضفاء الشرعية على سلطات الحرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دورها كدولة يمكن أن تستضيف مفاوضات السلام.
وينبغي لجنوب السودان حماية خطوط النفط والتجارة، وضبط الحدود، ومنع استخدام أراضيه لتجارة الذهب أو الأسلحة غير المشروعة، مع إدراك أن انهيار الاقتصاد السوداني يمكن أن تكون له آثار مباشرة على اقتصاد جنوب السودان.
وينبغي لأوغندا تعزيز الرقابة على الطيران والشحن والشركات الخاصة والمطارات التي قد تستخدم في نقل المعدات إلى السودان، مع الفصل بين النشاط التجاري المشروع وبين النشاط اللوجستي العسكري.
الفصل الثاني عشر: الدروس النظرية والخلاصة النقدية — إنهاء الحرب يتطلب قطع منظومتها الخارجية لا مجرد جمع المتحاربين إلى طاولة واحدة
تكشف الحالة السودانية عن عدة دروس تتجاوز السودان. أولها أن الدعم الخارجي لا يحتاج إلى أن يكون احتلالاً أو تدخلاً عسكرياً مباشراً لكي يغير مسار الحرب؛ فقد تكون شحنة من المسيّرات أو مسار ذهبي أو مطار عبور أو شركة أمنية كافية لتغيير حسابات طرف مسلح.
وثانيها أن الموارد الطبيعية القابلة للتهريب يمكن أن تؤدي وظيفة النظام المالي الموازي للدولة. وفي السودان أصبح الذهب وسيلة لتحويل السيطرة الجغرافية إلى عملة صعبة، وتحويل العملة الصعبة إلى سلاح، وتحويل السلاح إلى سيطرة إضافية على المناجم، في دائرة تغذي نفسها بنفسها (Soliman, 2025).
وثالثها أن الدولة الضعيفة لا تعني غياب الدولة الخارجية، بل تعني أن الدولة تصبح أكثر عرضة لإعادة تشكيلها من خلال الشبكات الخارجية. فكلما ضعفت قدرة السودان على التحكم في حدوده وموارده ومؤسساته المالية، زادت قدرة الفاعلين الخارجيين على بناء علاقات مباشرة مع جماعات مسلحة.
ورابعها أن الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الجيوش. إنها تعتمد أيضاً على شركات الطيران والذهب والمصارف والوسطاء والشركات الأمنية الخاصة والتكنولوجيا التجارية وشبكات الاتصالات والبيانات. ولهذا فإن النظام الدولي الذي يتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد «شحنات أسلحة» يتعامل مع جزء صغير من المشكلة.
وخامسها أن الوساطة التي لا تتعامل مع اقتصاد الحرب قد تدير الصراع بدلاً من إنهائه. ويمكن أن يصبح عقد الاجتماعات المتكررة بديلاً عن تغيير الحوافز التي تجعل استمرار القتال مربحاً.
وسادسها أن الضغط على طرف واحد لا يكفي إذا بقي الطرف الآخر قادراً على إعادة التسلح من الخارج. وهذا ينطبق على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع معاً، حتى إذا اختلفت طبيعة شبكات الدعم لكل منهما.
وسابعها أن الحل المستدام يجب أن يستهدف العرض والطلب معاً: الطلب المحلي على السلاح، والعرض الخارجي، والاقتصاد الذي يمول الشراء، والشبكات التي تنقل الموارد، والمؤسسات التي تمنح غطاءً سياسياً أو مالياً.
لكن هناك درساً ثامناً أكثر أهمية بالنسبة للسودان: قطع الدعم الخارجي وحده لا يكفي إذا بقيت جذور الحرب الداخلية دون حل. فلو توقف تدفق الأسلحة غداً، ستظل هناك قوات مسلحة ضخمة، واقتصاد حرب، وشبكات سياسية وعسكرية، ومظالم إقليمية، ونزاع على الدولة، ومسألة إصلاح القطاع الأمني، وموارد متنازع عليها. ولذلك فإن «تفكيك التدويل» يجب أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية.
وتفرض طبيعة الأدلة المتاحة قدراً كبيراً من الحذر. ففي بعض الحالات توجد أدلة قوية جداً على نقل الأسلحة أو وجود المعدات في ميدان القتال. وفي حالات أخرى توجد أدلة على استخدام أراضي دولة معينة كممر، لكن ليس على قرار حكومي مباشر بتقديم السلاح. وفي حالات ثالثة توجد أدلة على نشاط شركات خاصة، دون أن يكون من الممكن إثبات أن الحكومة بأكملها كانت صاحبة القرار.
ولهذا يجب التفريق بين أربعة مستويات من الادعاء: وجود سلاح أو مقاتلين مرتبطين بدولة؛ استخدام أراضي الدولة في النقل؛ تورط جهات خاصة داخل الدولة؛ وتورط أجهزة الدولة أو قرار سياسي حكومي بتقديم الدعم. وهذه المستويات ليست مترادفة.
ومن أهم الأخطاء المنهجية في دراسة الحرب السودانية وضع كل أشكال التدخل تحت عنوان واحد هو «الدعم». فالقيام بدور ممر لوجستي ليس هو نفسه توريد الأسلحة، وتوريد السلاح ليس هو نفسه إصدار أمر باستخدامه ضد المدنيين، ووجود شركة خاصة في دولة ما ليس دليلاً تلقائياً على تورط الدولة نفسها.
وتثير هذه المسألة كذلك ثلاث دوائر مختلفة من المسؤولية القانونية الدولية.
الدائرة الأولى تتعلق بحظر الأسلحة، ولا سيما الأسلحة التي تصل إلى دارفور في انتهاك لتدابير مجلس الأمن.
والدائرة الثانية تتعلق بمسؤولية الدول عن أفعالها أو عن إخفاقها في منع انتهاكات يمكن توقعها، وهي مسألة أكثر تعقيداً وتتطلب إثباتات قانونية محددة، ولا يمكن استنتاجها تلقائياً من وجود علاقة سياسية أو تجارية.
والدائرة الثالثة تتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين أو الوسطاء أو القادة الذين يساهمون بصورة جوهرية في جرائم دولية مع توافر الشروط القانونية اللازمة.
ولا يجوز الخلط بين هذه الدوائر. فمجرد وجود علاقة تجارية أو سياسية مع طرف في الحرب لا يثبت تلقائياً المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب. لكن إذا ثبت أن جهة ما قدمت سلاحاً أو تمويلاً أو تدريباً مع علم واضح بكيفية استخدامه في ارتكاب جرائم، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة من مجرد علاقة تجارية.
والقائمة التحليلية المكونة من اثنتي عشرة دولة تبقى، في ضوء ذلك، إطاراً تفسيرياً لا حكماً قانونياً نهائياً. ففي جانب القوات المسلحة السودانية تبرز مصر والسعودية وإيران وباكستان وتركيا، بدرجات متفاوتة وبأنواع مختلفة من الدعم. وفي جانب قوات الدعم السريع تبرز الإمارات العربية المتحدة، ثم شبكة تضم تشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا وجنوب السودان وأوغندا، لكن ليس بالضرورة أن تكون هذه الدول السبع كلها مورداً مباشراً للسلاح أو أن تكون درجة مسؤوليتها متساوية.
وتظل الإمارات العقدة الخارجية الأكثر أهمية في شبكة الدعم المرتبطة بقوات الدعم السريع وفق الأدلة التي تراكمت من منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة ومراكز الفكر، بينما تظهر مصر وإيران وتركيا بصورة أوضح في دعم القدرات العسكرية للقوات المسلحة السودانية. أما تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا فتظهر بدرجات مختلفة باعتبارها ممرات أو عقداً لوجستية، بينما ترتبط كينيا بصورة أكبر بالبيئات السياسية والمالية واللوجستية الإقليمية. وفي الوقت نفسه، فإن هذه القائمة ليست شاملة لكل الفاعلين الخارجيين؛ فالأدلة تشير أيضاً إلى أدوار لروسيا وإريتريا وإثيوبيا وقطر والصومال وغيرها بدرجات متفاوتة.
وتؤكد أحدث الأدلة أن التدويل أصبح ذا أثر مباشر في ساحة القتال. فالشبكات الخارجية وفرت الأسلحة والتدريب والمقاتلين والتكنولوجيا للطرفين، وأصبح استخدام المسيّرات عاملاً رئيسياً في توسيع نطاق الهجمات وإيقاع خسائر بين المدنيين (Othman, 2026).
وعليه فإن أي استراتيجية لإنهاء الحرب تعتمد فقط على إقناع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بالتفاوض، من دون تغيير البيئة الخارجية التي تسمح لهما بالقتال، ستكون ناقصة. فالسلام السوداني لن يكون مستداماً إذا ظل السلاح يتدفق، والذهب يمول الحرب، والمقاتلون الأجانب يدخلون، والمطارات تعمل كمراكز عبور، والشركات الخاصة تقدم الخدمات العسكرية، والممرات الحدودية تسمح باستمرار الاقتصاد الحربي.
لكن الاستراتيجية المقابلة، أي التركيز على الخارج وحده، ستكون ناقصة أيضاً. فالحرب ليست مؤامرة خارجية على السودان، كما أنها ليست صراعاً داخلياً مغلقاً. إنها نتيجة تفاعل بين أزمة دولة سودانية عميقة وبين بيئة إقليمية تستثمر في هذه الأزمة وتستفيد منها وتعيد إنتاجها.
ومن ثم فإن جوهر الحل لا يكمن في معاقبة دولة واحدة وإعفاء الأخرى، ولا في مساواة جميع الدول الاثنتي عشرة أخلاقياً أو قانونياً، وإنما في بناء نظام إقليمي ودولي متوازن لقطع اقتصاد الحرب: حظر أسلحة شامل وقابل للتنفيذ على مستوى السودان كله، رقابة فعالة على إعادة التصدير، تتبع للذهب، مراقبة للطيران والشحن، عقوبات على الوسطاء والشركات، رقابة على المقاتلين الأجانب، وتنسيق بين فرق خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان وليبيا وأفريقيا الوسطى، مع ربط كل ذلك بمسار سياسي سوداني مدني شامل.
ويجب أن يقترن ذلك بإعادة بناء الدولة السودانية نفسها. فالمطلوب بعد وقف الحرب ليس فقط إعادة توزيع القوة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما إنشاء دولة تحتكر القوة بصورة قانونية، وتعيد بناء جيش وطني موحد يخضع للسلطة المدنية والدستور، وتفصل المؤسسات العسكرية عن الاقتصاد، وتعيد الذهب والتعدين والموانئ والتجارة الاستراتيجية إلى مؤسسات عامة خاضعة للرقابة، وتمنع ظهور قوة مسلحة موازية جديدة.
وهنا تظهر النقطة الأهم: إعادة بناء السودان لا يمكن أن تبدأ من سؤال «من انتصر؟» فقط، بل من سؤال «أي دولة ستخرج من الحرب؟». فإذا خرج السودان من الحرب بجيش واحد لكنه أبقى اقتصاد الحرب، أو خرج بحكومة مدنية لكنها أبقت شبكات السلاح والذهب خارج الدولة، أو انتهى القتال مع بقاء الحدود مفتوحة أمام المقاتلين والأسلحة، فإن السلام سيكون هشاً.
والدرس الأعمق هو أن الحرب السودانية أصبحت مثالاً واضحاً على تحول الحروب الأهلية المعاصرة من صراعات داخل الحدود إلى شبكات نزاع عابرة للحدود. ولذلك فإن إنهاءها يتطلب الانتقال من دبلوماسية «التفاوض مع المتحاربين» إلى دبلوماسية أكثر شمولاً تقوم على إدارة منظومة الحرب نفسها. ففي السودان لا يكفي إقناع من يضغط على الزناد بأن يوقف إطلاق النار؛ يجب أيضاً قطع اليد التي تمول، والطائرة التي تنقل، والطريق الذي يمرر، والسوق الذي يشتري الذهب، والشركة التي تجند، والشبكة التي تحول الموارد الطبيعية إلى قدرة عسكرية.
والخلاصة النقدية النهائية هي أن «الدول الاثنتي عشرة» ليست جوهر المشكلة بقدر ما هي مدخل لفهم المشكلة. فالخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الدول، وإنما في قدرة منظومة متعددة المراكز على تحويل الموارد الخارجية إلى قدرة سودانية على مواصلة الحرب. وإذا ظلت هذه المنظومة قائمة، فقد تتوقف بعض الجبهات وتبدأ جبهات أخرى؛ وقد يسقط قائد ويظهر آخر؛ وقد توقع الأطراف هدنة ثم تعود إلى القتال. أما إذا جرى تفكيك منظومة السلاح والذهب والتمويل واللوجستيات والمقاتلين الأجانب، وربط ذلك بتسوية سياسية سودانية وبناء دولة مدنية ذات جيش وطني واحد واقتصاد عام شفاف، فإن تكلفة استمرار الحرب سترتفع بينما ترتفع في المقابل قيمة السلام.
وبذلك فإن الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي ليس قدرته على إصدار بيان جديد عن السودان، ولا قدرته على عقد مؤتمر آخر، وإنما قدرته على تغيير حسابات الأطراف والدول والشركات التي تجعل الحرب قابلة للتمويل والتسليح والاستمرار. وإذا لم يحدث ذلك، فإن المجتمع الدولي سيظل يعالج نتائج الحرب بينما تستمر البنية التي تنتجها.
المراجع
المراجع باللغة الإنجليزية
- Amnesty International. New weapons fuelling the Sudan conflict: expanding existing arms embargo across Sudan to protect civilians. London: Amnesty International; 2024. Accessed 5 September 2026.
- Amnesty International. Sudan: constant flow of arms fuelling relentless civilian suffering in conflict – new investigation. London: Amnesty International; 2024. Accessed 5 September 2026.
- Amnesty International. Sudan: advanced Chinese weaponry provided by UAE identified in breach of arms embargo – new investigation. London: Amnesty International; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Amnesty International. Sudan: French-manufactured weapons system identified in conflict – new investigation. London: Amnesty International; 2024. Accessed 5 September 2026.
- Balch-Lindsay D, Enterline AJ. Killing time: the world politics of civil war duration, 1820–1992. International Studies Quarterly. 2000;44(4):615-642.
- Birru JG, Serwat L. Fighting moves to Kordofan as Sudan’s east–west divide solidifies. Washington, DC: Armed Conflict Location & Event Data Project; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Boulos M. Interview on Sudan and foreign military support. BBC Focus on Africa. 2026. Accessed 5 September 2026.
- Carnegie Endowment for International Peace. Saudi Arabia in Africa: sound economic and geopolitical strategy, or resource exploitation? Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Chevrillon-Guibert R, Ille E, Abdelrahman MS. Gold mining in Darfur: its role in the general economy, political conflicts and the current war. Journal of Social Encounters. 2024;8(2):20-34.
- European Council on Foreign Relations. Split decision: why Sudan is on the brink of partition—again. London: ECFR; 2025. Accessed 5 September 2026.
- European Council on Foreign Relations. The falcons and the secretary bird: Arab Gulf states in Sudan’s war. London: ECFR; 2025. Accessed 5 September 2026.
- European Union Agency for Asylum. Sudan: international actors. Country of origin information. Valletta: EUAA; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Global Initiative Against Transnational Organized Crime. The illicit transnational supply chains sustaining Sudan’s conflict. Geneva: Global Initiative Against Transnational Organized Crime; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Horner J. The falcons and the secretary bird: Arab Gulf states in Sudan’s war. London: European Council on Foreign Relations; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Human Rights Watch. Sudan: abusive warring parties acquire new weapons. New York: Human Rights Watch; 2024. Accessed 5 September 2026.
- Human Rights Watch. From Bogotá to El Fasher: UAE’s role in the deployment of Colombian fighters and other backing to the Rapid Support Forces in Sudan. New York: Human Rights Watch; 2026. Accessed 5 September 2026.
- Human Rights Watch. Sudan: Colombians linked to atrocities trained in UAE bases. New York: Human Rights Watch; 2026. Accessed 5 September 2026.
- Kinkoh H. The flow of arms and money feeding the war in Sudan can be cut. What is missing is the will. London: Chatham House; 2026. Accessed 5 September 2026.
- Liyew EB. Sudan conflict impact on the Horn of Africa security. Insight on Africa. 2025;17(2):127-141.
- Othman MC, Ezeilo JN, Rishmawi M. Sudan: external support networks are fuelling conflict and civilian harm. Geneva: Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan; 2026. Accessed 5 September 2026.
- Okello MC. Could prolonged warfare in Sudan lead to the country splitting? Pretoria: Institute for Security Studies; 2025. Accessed 5 September 2026.
- Patey L. Oil, gold, and guns: the violent politics of Sudan’s resource re-curse. Environment and Security. 2024;2(3):412-430.
- Salehyan I, Gleditsch KS, Cunningham DE. Explaining external support for insurgent groups. International Organization. 2011;65(4):709-744.
- Soliman A, Baldo S. Gold and the war in Sudan: how regional solutions can support an end to conflict. London: Chatham House; 2025. Updated 2026. Accessed 5 September 2026.
- United Nations Human Rights Council. Sudan: a war of atrocities. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Geneva: United Nations; 2025.
- United Nations Human Rights Council. Sudan: hallmarks of genocide in El-Fasher. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Geneva: United Nations; 2026.
- United Nations Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. S/2024/65. New York: United Nations Security Council; 2024.
- United Nations Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts pursuant to resolution 2789 (2025). S/2026/481. New York: United Nations Security Council; 2026.
- United Nations Panel of Experts on Libya. Final report of the Panel of Experts on Libya. New York: United Nations Security Council; 2026.
- United Nations Security Council. Resolution 1591 (2005): Sudan. New York: United Nations; 2005.
- United Nations Security Council. Resolution 2791 (2025): reports of the Secretary-General on the Sudan and South Sudan. New York: United Nations; 2025. Accessed 5 September 2026.
- United Nations Security Council. Sudan sanctions: Panel of Experts and arms embargo measures. New York: United Nations; 2026. Accessed 5 September 2026.
- Waltz M, Boulos M. Peace in Sudan can only flower after a weapons embargo. Foreign Policy. 2026. Accessed 5 September 2026.
المراجع باللغة العربية
- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. القرار 2791 (2025): السودان وجنوب السودان. نيويورك: الأمم المتحدة؛ 2025. تم الاطلاع في 5 سبتمبر 2026.
- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. الجزاءات المفروضة على السودان: فريق الخبراء وحظر الأسلحة. نيويورك: الأمم المتحدة؛ 2026. تم الاطلاع في 5 سبتمبر 2026.
- مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. السودان: حرب الفظائع. تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان. جنيف: الأمم المتحدة؛ 2025.
- مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. السودان: سمات الإبادة الجماعية في الفاشر. تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان. جنيف: الأمم المتحدة؛ 2026.
- فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن السودان. التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بالسودان. S/2024/65. نيويورك: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ 2024.
- فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن السودان. التقرير النهائي لفريق الخبراء عملاً بالقرار 2789 (2025). S/2026/481. نيويورك: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ 2026.
- فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن ليبيا. التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بليبيا. نيويورك: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ 2026.
