“في الجوع لا تبيع الأشياء فقط، بل تبيع حقك في الاعتراض…. فالجوع يهينك بطريقتين حين لا تجد من يطعمك، وحين تجد من يفعل”
كنوت هامسون
الجوع لم يعزل الناس اجتماعياً فقط، بل يدفعهم إلى عزلة “وجود”، حيث يفقد الإنسان إحساسه بقيمته ومعنى وجوده وهنا مكمن الخطر من حرب تغذي نفسها لتتناسل حروباً لا نهاية لها.
في رواية الجوع للكاتب النرويجي كنوت هامسون، لم يكن الجوع مجرد نقص في الطعام، بل كان انهياراً داخلياً متدرجاً لإنسان يحاول أن يتمسك بكرامته بينما العالم يدفعه نحو هامش الحياة. كان بطل الرواية كلما اشتد به الجوع يفقد شيئاً من كرامته، من صوته، من اعتراضه، من قدرته على أن يقول: “لا”. وهكذا يفعل الجوع دائماً لا يسرق الخبز فقط، بل يسرق الإنسان من نفسه حينها لن يعد الفقر فقر جوع بطون فقط.
أنا هنا لا أعني التكايا كقدر فرضته تداعيات الحرب ولا فكرة التكافل الاجتماعي في زمن الشدة، فهي في زمن حرب المهانة أصبحت طوق نجاة لآلاف الأرواح، ولولاها لاتسعت المأساة أكثر ولمات خلق كثير. لكن ما أتحدث عنه هو ذلك الشعور القاسي الذي يسكن الواقفين في الصفوف الطويلة، ذلك الهوان الخانق، شعور الإنسان حين يُدفع دفعاً إلى زاوية الحاجة، فيقف منتظراً لقمة لا يملك معها حق الاعتراض، ولا حتى رفاهية الاختيار.
هؤلاء المصطفون ليسوا مشهداً عابراً في يوميات الحرب، وليسوا بطوناً فارغة تتحرك في الطرقات، بل بشر لهم تاريخ وأسماء وكرامة وأحلام مؤجلة. غير أن الجوع الطويل يُحوّل الإنسان من كائن يريد الحياة إلى كائن يريد فقط أن ينجو. ومع الوقت لا يعود محتاجاً للطعام وحده، بل يصبح محتاجاً لأن يُرى، لأن يُعترف بوجوده، لأن يسمع ما يؤكد أنه ما زال إنساناً كامل القيمة، لا رقماً في طابور التكية.
في رواية “الجوع” كان البطل يحاول أن يخفي فقره حتى اللحظة الأخيرة، لأن الحاجة في جوهرها ليست ألم المعدة فقط، بل إذلال الروح. وهذا بالضبط ما تصنعه الحروب حين تطول؛ تُسقط الإنسان من مقام المواطن إلى مقام اللاجئ داخل نفسه، ومن حق الحياة إلى منّة البقاء.
وهنا ينهار أكثر الشعارات قسوة وكذباً وزيفاً ونفاقاً: “حرب الكرامة”. تلك الكرامة التي لا يمتلك الكيزان وجيوشهم وميليشاتهم والدول التي تقف من خلفهم ثمنها أخلاقاْ وعفة وشهامة.
أي كرامة يمكن أن تولد من صفوف الجوع والقتل والدمار؟
وأي مجد هذا الذي يترك الناس واقفين كالأسرى ينتظرون ما يسد رمقهم من فتات طعام لا يسكت للجوع صوتاْ؟
الكرامة لا تُبنى فوق البطون الخاوية، ولا تنمو في ظلال الذل والانكسار. الكرامة الحقيقية تبدأ حين يتوقف القصف وصوت الرصاص، حين يعود الإنسان قادراً على أن يأكل دون خوف، وأن يختار دون إذلال، وأن يعيش دون أن يُجبر على بيع صوته وحقه في الاعتراض مقابل لقمة تقيم صلبه.
ورغم كل هذا الألم، يبقى واجب الإنصاف حاضراً؛ فالشكر والامتنان لكل من مدّ يده للناس في هذه الأيام الثقيلة، ولكل من حاول أن يحفظ حياة الجائعين وسط هذا الخراب. أولئك الذين فهموا أن الإنسان لا يُنقذ بالشعارات، بل بالفعل، وأن أعظم انتصار يمكن أن يتحقق اليوم ليس استمرار الحرب… بل وقفها.
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود الجوع وحده، فالحروب حين تُطيل إقامة الناس في العوز لا تكتفي بكسر الكرامة، بل تعيد تشكيل المجتمع كله على صورة الخراب. عندها يصبح الإنسان أكثر هشاشة أمام الاستغلال، وأكثر قابلية للسقوط في الهاوية التي صنعتها الحرب ببطء وقسوة.
حين يتحول الجوع إلى سوق للأجساد، وإلى باب للسرقة والعمل المهين والاستغلال والفساد، فإن الكارثة لا تعود مجرد أزمة معيشية، بل تصبح سقوطاً كاملاً للكرامة الإنسانية. فالحرب لا تقتل الناس بالقذائف وحدها، بل تدفعهم أيضاً إلى حافة يفقدون عندها حقهم في الاختيار، وفي الاعتراض، وحتى في الاحتفاظ بصورة أنفسهم التي عرفوها يوماً.
والمفارقة الأكثر قسوة أن الذين تسببوا في هذا الخراب ما يزالون يحلمون بالعودة إلى السلطة، وكأن هذا الشعب لم يُعاقَب بما يكفي. لقد انتزع السودانيون الحكم من الكيزان حين خرجوا مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، فجاءت الحرب وكأنها انتقام من شعب تجرأ وقال: “لا”. لذلك لا كرامة في حرب تُذل الناس بالجوع والخوف، ولا خلاص إلا بوقفها واستعادة الوطن من الذين جعلوا من معاناة الناس طريقاً للعودة إلى الحكم.
الصادق
umniaissa@hotmail.com
