حركةُ الإسلامِ السياسي في السودان: الحصادُ المرّ .. بقلم: حمد عبدالهادي
نشأت الحركةُ الإسلاميةُ الحديثةُ في السودان في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي كإمتداد لحركة الأخوان المسلمين في مصر. تمددت الحركةُ في الخمسينيات بصورة أساسية بين طلاب الجامعات والمعاهد العليا ثمّ ظهرت للسطح بصورة علنية لتخوض الإنتخابات الديمقراطية في منتصف الستينيات. ظَاهرت الحركة نظام جعفر نميري المايوي في مطلع السبعينيات لدرجة إتخاذ سبيل العمل العسكري بالاشتراك مع الأحزاب التقليدية الطائفية . بعد فشل الحركة في تغيير النظام عبر العمل العسكري ركنت إلي مهادنة النظامِ والمشاركة فيه في منتصف السبعينيات عبر مصالحةٍ وطنية وبعدها اتخذت قرارين مصيرين : العمل منفردة دون التنسيق مع الأحزاب التقليدية ، والوصول للحكم بكل السبل كغايةٍ لتحقيق أهدافها المنشودة . لتنفيذ ذلك المخطط عملت الحركة على التمدد أفقياً ورأسياً في المجتمع بتخطيط إستراتيجي مستفيدةً من كوادرها المتعلمة الحديثة في شتى مجالات الحياة مخاطبةً أشواق الإسلاميين في الدعوة لتغييرالمجتمع من القاعدة إلي القمة . في تلك الفترة كانت رؤى الحركة أن تترجم رسالة الإسلام كمذهب في الحياة بربط قيّم السماءِ بالأرض في كل الجوانب ، بدأً بتغيير الواقع الإقتصادي إلي جديدٍ وفق الصيغ الإسلامية ، وضبط السلوك في المجتمع وفق النهج الإسلامي ، وتحقيق العدالة الإجتماعية بتقريب الشقة بين الفقر والغنى ، والقضاءِ على الفساد الأخلاقي والكمي ، وتحديث الخطاب الإسلامي التقليدي ليتماشى مع متغيراتِ العصر لا سيما قضايا المرأة ، الثقافة والفنون.
لتثبيت دعائمَ الحكمِ في أيامه الأولى ، عملت حركة الإسلام السياسي على مدار الساعة لتوطيد أركان الحكم عبر محورين : أمني بإضعاف وكبح جماح المعارضة السياسية من أفرادٍ وجماعات ، و تنفيذي بإبعاد كل من يشكون في ولائه ومبادئه من أهلَ القواتِ النظامية والخدمة المدنية وإبدالهم بأهل الولاء والطاعة العمياء في ما عرف بفقهِ التمكين . رغم أن الحركة كانت تنادي بأنها تتخذ الإسلام مبدأً ومنهاجاً في الحياة حيث العدلُ أساسَ الحكم ، شهدت هذه الفترة مفارقة هذه المنهاج بصورة جذرية مؤسسةً لنهجِ الجورِ والظلم منذ أيامها الأولى فانتهكت حقوق الإنسان بصورةٍ وحشيةٍ غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث : بالسجن والحبس دون جرمٍ أو ذنب ، التعذيب النفسي والجسدي بل والقتلِ للنفس التي حرّم الله إلا بالحق دون جريرةٍ سوي الاختلاف السياسي ، تصفية المرارات التاريخية بل بالحقدِ الطبقي . تم كل ذلك تحت سمع وبصر القيادات العليا ودون مساءلةٍ أو محاسبة بل وبتصويت ومباركة مجلس الشورى العليا في بعض الحالات ! نذكر ذلك حتى لا يتباكون في مقبل الأيام أن الحركة قد حادت عن الطريق بعد حين وهم قد ساندوا ، هللوا وكبّروا دون ندمٍ للغبنٍ والظلمِ ديدنا ً لحكمهم وسلطانهم!
لا توجد تعليقات
