حزب الأمة في امتحان التاريخ: بين إرثٍ يثقل الخطى وأفقٍ ينشد المدى

دكتور الوليد آدم مادبو

ليس أخطر على الكيانات السياسية من أن تتحول من صانعةٍ للتاريخ إلى مادةٍ فيه. فالتاريخ، بطبيعته القاسية، لا يحتفظ إلا بمن يقرأه جيدًا، لا بمن يتغنّى به. وكل حزبٍ يعجز عن إدراك لحظة التحول، أو يتردد في مغادرة مألوفه، إنما يكتب بنفسه شهادة اندثاره، مهما كان مجده القديم ساطعًا.

وحزب الأمة—بما يحمله من إرثٍ روحي وسياسي عميق—يقف اليوم على هذا الحد الفاصل: إما أن يعيد تعريف نفسه وفق شروط الحاضر، أو أن يُدفع، ببطءٍ ولكن بحتمية، إلى هامش الذاكرة، حيث ترقد أحزابٌ كانت يومًا ملء السمع والبصر، ثم عجزت عن التأقلم فابتلعها النسيان.

إن الانتماء الحزبي، حتى في أعرق الديمقراطيات، لا يقوم على العقلانية الصرفة وحدها؛ بل يتكئ على شبكةٍ معقدة من العاطفة، والهوية، والذاكرة الجمعية. غير أن هذه الرابطة الوجدانية، إن لم تُغذَّ بتجديدٍ فكري وتنظيمي، تتحول إلى عبءٍ بدل أن تكون رصيدًا. الأحزاب التي صمدت لم تخن ماضيها، لكنها أيضًا لم تؤلهه؛ بل استوعبته، ثم أعادت إنتاجه في قوالب جديدة تتلاءم مع تحولات الاقتصاد والمجتمع والسياسة.

وحزب الأمة، إن نظر إلى نفسه بصدق، سيجد أنه أنجز مهمتين تاريخيتين لا يُستهان بهما: أسهم في ترسيخ الكيان السوداني الحديث، وكان أحد أعمدة الاستقلال. غير أن هذا المجد، مهما علا، لا يعفيه من مساءلة إخفاقاته اللاحقة—وأبرزها العجز عن صون التجربة الديمقراطية، لا مرةً واحدة، بل ثلاثًا. وهو إخفاق لا يُفسَّر فقط بظروفٍ خارجية، بل أيضًا بخللٍ داخلي: ضعف المؤسسية، وغياب الرؤية الاستراتيجية، واستمرار أنماط القيادة الوراثية التي قيّدت تطور الحزب بدل أن تطلقه.

الأزمة الأعمق، مع ذلك، لم تكن تنظيميةً فحسب، بل بنيوية: انزلاق الحزب، في لحظاتٍ مفصلية، نحو تمثيل مركزٍ سياسي لم يعد يعكس تطلعات قواعده الاجتماعية، خاصة في غرب السودان. هذا الانفصال بين القيادة والقاعدة لم يكن مجرد سوء تقدير، بل تحوّل، في بعض مراحله، إلى تماهٍ مع قوى أعادت إنتاج التهميش الذي قامت على أنقاضه الحركات الاحتجاجية في الأطراف. وهنا تتبدى المفارقة القاسية: حزبٌ نشأ من وجدان الريف، يجد نفسه، في لحظةٍ ما، أقرب إلى حسابات المركز.

اليوم، ومع التحولات العنيفة التي أعادت تشكيل موازين القوى، لم يعد ممكنًا تأجيل السؤال الحاسم: ما الذي يريده حزب الأمة أن يكونه في المستقبل؟ ليس كشعارٍ إنشائي، بل كخيارٍ استراتيجي واضح.

ومن هنا، تبرز مسؤولية القيادة—وفي مقدمتها الجنرال برمة ناصر—في فتح حوارٍ عميق، لا شكلي، مع عضوية الحزب. حوارٌ يواجه الأسئلة الصعبة بدل أن يلتف حولها، وقد يقود إلى أحد مسارين واضحين:

المسار الأول، قطيعةٌ منظمة مع الشكل القديم، عبر تأسيس كيانٍ سياسي جديد، يستوعب القاعدة التاريخية للحزب، وينفتح في الوقت ذاته على طاقاتٍ شابة من مختلف أنحاء السودان. هذا الخيار يملك ميزة ضخ دماء جديدة، وتحرير الحزب من أثقاله الرمزية والتنظيمية، لكنه يحمل أيضًا كلفة الاعتراف بانقسامٍ وجداني كان مستترًا فأصبح معلنًا.

المسار الثاني، إعادة هيكلة الحزب في صيغةٍ كونفدرالية، تقوم على تمثيلٍ نسبي حقيقي للأقاليم، بما يضمن مشاركةً عادلة في القرار، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الرابطة التاريخية. ميزة هذا الخيار أنه يؤجل الانفصال العاطفي، وربما يمنح الحزب فرصةً لتحقيق توازنٍ انتخابي واسع، لكن ثمنه هو استمرار التعايش مع إرثٍ أيديولوجي وتنظيمي مثقل، قد يعيق الانطلاقة إن لم يُعاد تعريفه بجرأة.

في كلا المسارين، لا يمكن تجاهل حقيقة أن السياسة الحديثة لا تُدار بالنوايا وحدها؛ بل تحتاج إلى موارد، وشبكات دعم، وقدرة على بناء تحالفات. غير أن التمويل، في ذاته، ليس معضلة أخلاقية بقدر ما هو اختبارٌ للشفافية والاستقلالية: هل يُستخدم لبناء مؤسساتٍ حديثة، أم لإعادة إنتاج الولاءات القديمة؟

إن ما يحتاجه حزب الأمة اليوم ليس مجرد تعديلٍ في الخطاب، بل تحوّلٌ في الذهنية: من حزبٍ يعيش على رصيد التاريخ، إلى حزبٍ يستثمر فيه؛ من كيانٍ تحكمه الألفة والرمزية، إلى مؤسسةٍ تقودها الكفاءة والرؤية العقلانية.

النخب المنحدرة من غرب السودان—وهي العمود الفقري الاجتماعي للحزب—تقف أمام مسؤولية مضاعفة. فهي الأقدر على قراءة التحولات التي جرت في الهامش، والأكثر إدراكًا لكلفة الاستمرار في صيغٍ لم تعد تعبّر عن الواقع. والتاريخ، مرةً أخرى، لا ينتظر المترددين.

ليس المطلوب إنكار الماضي، ولا التمرد عليه لمجرد التمرد؛ بل استخلاص عبره: أن الشرعية لا تُورَّث، بل تُبنى؛ وأن الجماهير لا تبقى وفيةً لمن لا يتغير؛ وأن قانون السياسة، كقانون الطبيعة، بسيطٌ وقاسٍ في آنٍ واحد: من لا يتأقلم… يندثر.

فإما أن يختار حزب الأمة أن يكون ابن المستقبل، أو يرضى—صامتًا—أن يكون سطرًا في كتابه.

‏May 4, 2026

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

عدوى الجهل: في إدارة المسافة بينك وبين الضجيج

دكتور الوليد آدم مادبو في زمنٍ صار فيه الاتصال متاحًا بلا كلفة تقريبًا، لم تعد …