بسم الله الرحمن الرحيم
أفق بعيد
فيصل محمد صالح
كتبت قبل أسبوعين عن قضية حظر السلاح والطيران، وتلقيت ردود فعل كثيرة على ذلك، بين الرفض والقبول والهجوم وغيرها. ولأني أنشر ما أكتبه هنا على صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، فإن ردود الفعل لا تقتصر على ما وصفته من مواقف، وإنما تشمل شتائم وإساءات واتهامات معتادة من بعض جماهير وسائل التواصل الاجتماعي، ومن غرف الذباب الإلكتروني.
أتجاوز عن كل ذلك، لأصنّف ردود الفعل التي يمكن التفاعل معها والرد عليها. منها من ركّز على أن البرهان يمثل الدولة، ومن حقه أن يحصل على السلاح، بينما الدعم السريع ميليشيا متمردة لا حق لها في ذلك. وهناك من قال إن ممارسات الجيش المتعلقة باستخدام السلاح كانت كلها وفق القانون، وليس فيها تفلتات، بينما استخدم الدعم السريع السلاح في ارتكاب جرائم وانتهاكات ضد المدنيين، ولهذا يجب حظر توريد السلاح إليه.
هذه كلها سرديات كتبنا عنها وأبدينا رأينا فيها عددًا من المرات، ولسنا مطالبين بإقناع أحد أو الجدال بشأنها. لكن ما يستحق الرد هو تساؤلات أشخاص ليس لديّ شك في وطنيتهم ولا جديتهم، وفي بحثهم عن الحق أينما وجدوه. وكان ملخص تحفظاتهم أنهم يخشون أن يكون القرار بحظر طيران الجيش وحده، وهو مصدر قوته، وفتح الباب أمام قوات الدعم السريع لتتمدد في تحركاتها البرية دون رادع حقيقي.
هذا الرأي يمكن أن يتشارك فيه كثيرون؛ موقفهم الأساسي ضد الحرب، مع الدعوة إلى السلام، وهم لا ينحازون لأي طرف عسكري، لكنهم ينحازون إلى أمن وسلامة المواطن السوداني في كل أنحاء السودان. وأرى أن من حقهم إبداء هذا القلق وإظهار هذا التحفظ. لكن، في الوقت نفسه، أظن أن هذا التحفظ لا يجب أن يدفعهم إلى رفض فكرة حظر السلاح، وإنما إلى رفض حظر طرف وفتح الباب أمام تمدد طرف آخر؛ فهذا لن يفيد جهود وقف الحرب، ولن يشكل أمانًا للمدنيين السودانيين.
المطلوب حظر شامل على توريد السلاح، وبمراقبة دولية، خاصة أن المبعوث الأمريكي قال إن هناك 12 دولة تورد السلاح الذي يشعل حرب السودان. واستثناء أي طرف أو دولة لن يكون مفيدًا في تحقيق الهدف الأكبر، وهو وقف الحرب. والسماح لطرف بالتمدد، فيما يشل الحظر قدرات طرف آخر، هو انحياز فاضح يزيد من اشتعال الحرب ويوسع دائرتها.
الأوضاع في البلاد تتدهور من سيئ إلى أسوأ، والعملة الوطنية تهوي في جبّ عميق، والضائقة المعيشية تحكم خناقها على الملايين من السودانيين، والخدمات المختلفة، من كهرباء ومياه وخدمات صحية وتعليمية، في أسوأ حالاتها… فمن يريد استمرار الحرب غير قلة من المنتفعين والمستفيدين من تجار الحرب وسماسرة الأزمات…؟
حظر توريد السلاح ليس غاية في حد ذاته، لكنه خطوة في طريق إنهاء الحرب وتحقيق السلام، وهذا هو الهدف الأسمى.
