الصادق حمدين
لقد أصبح دور المثقفين وأنصاف المتعلمين ومحدودي المعرفة الموالين للجيش يُقدَّم تحت لافتة الوطنية، وكأن الدفاع عن جيش يقتل شعبه، ويقمع ثوراته التحررية منذ ثورة 1924, وما تلاها من ثورات وهبات شعبية هو دفاع عن الوطن، وكأن انهيار مؤسسة عسكرية يعني بالضرورة انهيار الدولة نفسها.
وذهب بعضهم، في قول لا يخلو من تبسيط مؤلم، إلى اختزال الدولة في الجيش، حتى بدا في خطابهم أن الدولة لا تقوم إلا ببقاء المؤسسة العسكرية، وأن الاعتراض على سياساتها أو مساءلتها هو اعتراض على الوطن ذاته.
لكن متى أصبحت الوطنية مرادفاً للصمت؟ ومتى صار الانحياز إلى طرف في حرب أهلية دليلاً على حب الوطن، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الرصاص والنزوح والجوع والموت؟
إن أخطر ما في هذا الموقف ليس مجرد الانحياز السياسي، وإنما تحويل المعرفة إلى أداة لتبرير الحرب، وتحويل الثقافة إلى غطاء للصمت، وتحويل الوعي إلى موقف انتقائي يرى الحقيقة حين تخدم موقفه، ويتعامى عنها حين تصبح مؤلمة.
إن التقاعس المخزي لبعض المتعلمين والمثقفين أمام مأساة السودانيين هو جريمة أخلاقية قبل أن يكون موقفاً سياسياً جامداً؛ لأنه يكشف أن التعليم قد يمنح صاحبه معرفة، لكنه لا يمنحه بالضرورة شجاعة استخدامها. وقد يتحول الوعي، حين يخلو من المسؤولية، إلى عبء أشد خطراً من الجهل: فالجاهل لا يرى، أما الواعي الجبان فيرى ثم يصمت، ويعرف ثم يبرر، ويدرك المأساة ثم يبحث عن الكلمات التي تجعلها مقبولة.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب؛ أرواحاً أُزهقت، وبيوتاً دُمّرت، وأُسراً شُرّدت، ومدناً تحولت إلى مساحات للخوف والفقد. وفي خضم هذه الكارثة، لا يكفي أن يسأل المثقف: مع من أقف؟ بل عليه أن يسأل سؤالاً أكثر قسوة: ماذا فعل موقفي بهذه البلاد وبأهلها؟
وحين يتأكد للإنسان أن الحرب لا تختصرها شعارات الوطنية، وأن الشعب ليس هو المؤسسة العسكرية، وأن الدولة أوسع من الجيش، وأن حماية الوطن لا تعني منح أي طرف تفويضاً مفتوحاً للحرب، يصبح الصمت موقفاً لا يمكن التهرب من مسؤوليته.
السؤال الذي سيبقى أمام هؤلاء الأرزقية ليس: لماذا لم تؤيدوا الجيش بما يكفي؟ بل: ماذا فعلتم حين كان السودانيون يموتون؟
ماذا فعلتم حين أصبح الوطن الذي تتحدثون باسمه مقبرة مفتوحة؟
وماذا ستقولون غداً لجيل دفع ثمناً باهظاً لحرب لم يخترها، بينما كان بعض من يفترض أنهم أصحاب وعي ومعرفة يبررونها باسم الوطنية؟
فالوطن ليس جيشاً، والوطن ليس مليشيا، والوطن ليس حزباً، والوطن ليس سلطة.
الوطن هو الإنسان السوداني أولاً. ومن لا يرى الإنسان وسط ضجيج الشعارات، فما قيمة كل ذلك الوعي الذي يتحدث باسمه؟ بئس أمة يتخلى عنها مثقفوها.
