بقلم عمر العمر
أكثر من محور في حديث الرئيس المصري في أكاديمية الشرطة أخيرًا يستوجب التوقف. أولًا تأكيدُ السيسي على تدخله في السودان حرصًا على استقراره. ثانيًا كشفُه عن تدخله مراتٍ لتفكيك الأزمة بين (قوات الدعم السريع والجيش السوداني )قبل أن يبلغَ التوترُ بينهما حد التصعيد العسكري. ثالثًا تأكيدُه على أهمية الاستقرار في السودان كما في ليبيا من منطلق مقتضيات الأمن القومي المصري والعربي . رابعًا اعتراف السيسي بعدم النجاح في تلك -الأمنيات- المحاولات. فاعتراف الرئيس المصري بالتدخل في السودان هو الحديث الأولُ على مستواه . كما أن تسميته الدعمَ السريع (قوات) هو التوصيف المصري الأعلى الأول . أما الحديث عن استقرار السودان بمنطق الأمن المصري فليس بالجديد لكنه ربما الأكثر إثارةً للجدل من منطلق الجوار أكثر مما يوصف عادةً بالعلاقات التاريخية بين الشعبين .لكن هذه الرؤيةَ تناقض في مجملها تمامًا حديثًا لاحقًا للرئيس يُشخّص فيه الوضع في السودان بممارسة الانتحار ثم الاعتراف بعجزه عن إنقاذه.
من المعروف دورُ الجغرافيا في صناعة السياسة.فهي أحدُ ابرز المحاور في استقرار الدول .فالجيش الروسي -مثلًا- عبر الحدود المشتركة مع أوكرانيا لمّا أحس الكرملين دنو تهديدِ خطر الناتو من عتبة الوطن . ذلك كان موقفَ جون كنيدي حينما رأى في نصب صواريخ روسيةٍ في كوبا خطرًا موجهًا إلى خاصرة أميركا. (أزمة خليج الخنازير) 1962 . أزمة وضعت العالمَ بأسره على حافة حربٍ نووية.في حوار استثنائي أجريته مع رحب اردوغان في العام 2003 شدد على تأثر الدول المتجاورة ببعضها البعض . اردوغان رئيس الوزراء وقتذاك – رفض التجاوبَ مع رغبة أميركية بإرسال قواتٍ تركية إلى العراق حرصًا على حسن الجوار. الرجل حدد مهمة مثل هذه القوات -حال ذهابها- فقط بالمساهمة في إعادة بناء شبكات البنى التحتيه . و أضاف أردوغان قائلًا (لا نرغب في رؤية أي طرف أو حزب أو فئة تفرض رأيها على الفئات أو الأحزاب الأخرى ) هذه رؤية سياسي لا تتقصه الحكمة لمفهوم التعايش تحت مظلة الجوار الحسن. وهي رؤية رجل دولة ينظر إلى علاقات الجوار عنصرًا للاستقرار على المدى الأبدي .
حسن الجوار مصطلحٌ سكه ألرئيس الاميركي الثاني والثلاثون فرانكلين روزفلت على عتبات ثلاثينيات القرن الفائت.ثم سرى في أدبيات العلاقات العالمية بدءً من ميثاق منظمة الأمم المتحدة وانتهاء بالاتفاقات بين الدول على المستوى الثنائي أو الصعيد الإقليمي . فثمة إجماع عالمي على أهمية حسن الحوار في الاستقرار على الصعيدين الثنائي أو الإقليمي .جميع الدول ترى في استقرار الجوار محورًا لا غنىً عنه في منظومة أمنها القومي .لكن كل دولة تقرأ هذه الحقيقة من منظور خاص .رغم هذا التباين من اليسير استبانة طغيان عناصر المصالح -مع أنها ربما تكون آنية – على وقائع الجغرافيا أو التاريخ أو ربما الإثنين معًا. منطلقات هذه الغلبة في هذه الحالات تكون بدوافع حكومية ليست وطنية . اتفاق الجزائر بين صدام و رضا بهلوي في 1975 لم يموسق علاقات الجارتين .بل أشعل حرباً لا تزال تداعياتها مفتوحة بينهما. حكومة نتانياهو تعمل حاليًا على زعزعة الاستقرار في سوريا ليس انطلاقًا من شعور اسرائيلي مزمن بخطر قادم لا محالة عبر هضبة الجولان. بل في سياق حملته الانتخابية الساخنه.
التناقض في حديث السيسي بين الاعتراف بالتدخل والعجز عن انقاذ الجار من الانتحار نابعٌ من موقف حكومي آني أكثر من اتكائه على محوري الجغرافيا والتاريخ. فمحاولة الجار الانتحار إن لم تؤد إلى موته لن تعالج أزمته . في عرف الأخلاق والسياسة لا يلتزم الجارُ الحيادَ أو يكتفي بالفرجة تجاه جارٍ يتعرض لأزمة أو أذىً فما بالك اذ هو يشرع في ممارسة الانتحار. المبرر الوحيد لمثل هذا الموقف هو جني منافع بعد نهاية أزمة الجار أو زواله . الرئيس المصري إذ يتخذ ذلك الخيار عجزًا أو اختياراً يدرك أن تلك العملية لن تمنح السودان السلام و لن تجلب الاستقرار للجارين على المدى الطويل .فممارسة الانتحار لن تفني الشعب السوداني. بما أن مصر ليست البلدَ الوحيد المجاور للسودان فإن عدم استقرار ه يفتح شهيةَ جيرانٍ كثر للاستثمار في تلك الحال .هذا وضع لا يحقق الأمن لمصر.توصيف السيسي الميليشيا المناوئة للجيش السوداني ب(قوات الدعم) عند المنحنى السياسي الإقليمي الراهن يكتسب أهمية لدى راصد العلاقات العسكرية والسياسية بين القاهرة والخرطوم .فهي علاقات ظلت رهينة الانضباط الصارم أسيرة للجهات الأمنية منذ تدخل الصاغ صلاح سالم في أول انتخابات سودانية حيث خاضها حزب تحت شعار الاتحاد مع مصر.
تلك النظرة المصرية أعلت تعزيز العلاقات بين السلطتين في القاهرة والخرطوم على تعميق العلائق بين الشعبين.في ضوء التراكم التاريخي حرصت القاهرة دوما على التفرد باليد الأعلى في هذه العلاقات. أبرز محطات تلك الهيمنة تمثلت في مساندة انقلاب عبود على التجربة الديمقراطية الأولى ثم إغراق مدينة حلفا وتهجير أهلها مقابل بناء السد العالي إبان المرحلة الناصرية .مساندة انقلاب مايو 1969 ضد التجربة الديمقراطية الثانية .المهدي القى حجرا في اتفاق مياه النيل .قمع محاولة الانقلاب على نظام نميري في 1971 زمن السادات .تسويق انقلاب البشير على يدي حسني مبارك ثم ضم حلايب ثأرا من مغامرة محاولة اغتياله في أديس ابابا.دعم انقلاب البرهان على حكومة الثورة بعدما دعا رئيس وزرائها إلى إزالة الغشاوة عن المسكوت عنه في العلاقات الثنائية. الآن يسمي السيسي الميليشيا ب(قوات الدعم )بعد قصف مقاتلات مصرية سودانيين ينقبون عن الذهب داخل بلدهم .مياه النيل لم تعد وحدها محورًا استراتيجيًا لمصر في السودان.هل فهم البرهان الكلام ؟ فتوصيف الدعم السريع (قوات) يشير إلى خيار حفر قناة من شأنها زيادة تأزيم السودان بحيث يبقي في حالة بين الموت والحياة أو الشروع في ممارسة الانتحار . فالسيسي نفسه قال في حديثه (أقل كلفة لتدمير دولة قيام شعبها بالمهمة).فهل تستبصر النُخب السودانية طريق إنقاذ الشعب والوطن من النحر والانتحار!
