تأمُلات
كمال الهِدَي
بدت رحلة لاعب برشلونة الجديد المصري، حمزة عبد الكريم، نحو القمة أسرع ربما مما توقع هو نفسه. فعلى الرغم من صغر سنه وقصر فترته مع الأهلي المصري، انتقل إلى رديف برشلونة، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى طلب المدرب فليك ضمه إلى استعدادات الفريق الأول للموسم الجديد.
وهناك، أظهر النجم الشاب قدرات ومهارات أقنعت مدربه، وظل يسجل الأهداف في كل مباراة إعدادية خاضها مع الكبار.
وبالطبع، لم يحدث ذلك صدفة، بل كان للعقلية التي يتمتع بها حمزة الدور الأبرز في ظهوره بهذا الشكل اللافت.
لم أشاهد اللاعب سوى لدقائق معدودة حتى الآن، لكن يبدو جلياً أن عقليته مختلفة عن كثير من اللاعبين العرب. إذا تابعته وهو يتحدث، ستلاحظ أنه يجيد الحديث باللغتين العربية والإنجليزية، وهذا مؤشر على أنه أعد نفسه جيداً لمستقبل واضح المعالم بالنسبة إليه.
وحين منحه فليك الفرصة، لم يهدر ولا دقيقة واحدة، ولم يقل لنفسه: “ما زلت صغيراً، وحديث تجربة بأوروبا وعالمها المختلف، وسأحتاج إلى بعض الوقت قبل أن أتأقلم مع الأوضاع” . بل بذل كل ما بوسعه منذ الدقائق الأولى لمشاركته، ليقنع الجهاز الفني بأنه يستحق المزيد من الدقائق في قادم الأيام.
والواقع أن عقلية حمزة لا تختلف عن عقلية كثير من اللاعبين العرب فحسب، بل ربما تتفوق على عقليات لاعبين ترعرعوا في أوروبا نفسها، ولعبوا في أفضل أكاديمياتها وأنديتها.
ودونكم الظهير بالدي، الذي منحه مدربوه في برشلونة فرصاً عديدة وصبروا عليه كثيراً، لكنه لم يثبت جدارته بعد كل هذه السنوات.
صحيح أن المهارة والإمكانات تحدثان فارقاً، لكن تظل العقلية هي العامل الأهم.
واليوم، إذا منح فليك حمزة فرصة المشاركة في أول مباراة تنافسية له أمام إلتشي، وهو ما أرجحه، أتوقع أن يستفيد منها بأقصى ما يمكن، وأن يقدم نفسه بالشكل الذي يجعله أقرب إلى تثبيت أقدامه مع الفريق الأول.
وأظن أن حمزة يملك من المقومات ما قد يجعله يحقق في أوروبا مسيرة استثنائية، وربما ينافس ما حققه محمد صلاح.
وظني أن صلاح نفسه لم يحقق ما حققه بفضل مهارات استثنائية، بل لعبت العقلية أيضاً الدور الأكبر في إنجازاته هناك.
العقلية هي مشكلة كثير من اللاعبين العرب، وأزمة معظم اللاعبين السودانيين. فكم من موهبة ضاعت عندنا بسبب ضعف العقلية وانعدام الفهم الاحترافي.
وعلى ذكر العقلية، أريد في ختام المقال أن أقارن بين عقلية لاعبين مثل حمزة ومحمد صلاح، وعقلية مدربهما في المنتخب المصري، حسام حسن.
فسلوكيات حسام طوال بطولة كأس العالم عكست، في رأيي، النمط السائد لدى بعض الرياضيين والإعلاميين العرب حين يغيب العقل ويُوضع الاحتراف جانباً، ويصبح التركيز منصباً بكثافة على العواطف وكيفية تخدير الجمهور العربي.
وقد رأينا كيف ظل حسام يتهرب من أخطائه، ويعلق الهزيمة على شماعة التحكيم والفيفا. فبدلاً من الاعتراف بأن خروج منتخبه كان، في جانب كبير منه، نتيجة سوء إدارته للدقائق العشر الأخيرة من مباراة الأرجنتين، راح يهذي ويطلق الاتهامات بصورة غير احترافية.
وبالطبع، أعجب ذلك بعض الإعلاميين حتى في بلدنا، وتابعناهم وهم يدافعون عن موقفه، بل ويلومون كل من لم يشجع منتخب مصر يومها.
نتمنى للفتى حمزة التوفيق في رحلته مع برشلونة، وكل العشم أن يستفيد لاعبونا السودانيون من تجربته، وأن يفهموا أن الموهبة، مهما كانت كبيرة، من دون عقلية وجدية واحترافية لن توصل صاحبها إلى شيء.
kamalalhidai@hotmail.com
