الهياكل القديمة عبر عقود من
الاستمرار تخلق شبكات معقدة تغذي
ملايين الأفراد بصورة مباشرة أو غير
مباشرة (شبكات توظيف، امتيازات
إقليمية أو عشائرية، تجارة متداخلة،
ورعاية اجتماعية غير رسمية).
المدافعون عن هذه الهياكل قد
لا يكونون بالضرورة جزءاً من
“النخبة الفاسدة” في القمة، بل هم
أفراد في القاعدة يرون أن
مصالحهم المباشرة وأمانهم
الاقتصادي اليومي مرادفات حتمية
لبقاء هذه الشبكات.
عندما يتعرض الهيكل للخطر،
تترجم هذه الشبكات التهديد
الموجه لامتيازاتها على أنه
“تهديد وجودي للمجتمع بأكمله”،
فتستنفذ كل طاقتها للدفاع عن
المركز.
3. السرديات الرمزية وتأطير
الهوية (Identity Framing)
الكتلة الخفية الأشد خطورة في
المادة المظلمة للمؤسسات هي
“الرمزية الوجدانية”:
الهياكل القديمة تُغلف وجودها
دائماً بسرديات ذات ثقل تاريخي
أو وطني أو ديني (مثل: حماية
الدولة، صون الهوية، أو الدفاع
عن السيادة).
يُصبح التشكيك في الفساد الهيكلي
وكأنه “تشكيك في الذات الجمعية”
أو مساس بالثوابت.
هذا “التلاحم الرمزي” بين الهيكل
الفاسد وبين الفكرة الوطنية يجعل
قطاعات واسعة تقع في فخ المدافعة؛
لأنها تعتقد أنها تدافع عن “الوطن”
أو “الكيان”، بينما هي في واقع الأمر
تدافع عن “البنية الخفية” التي تستغل
هذا الشعور لضمان استمرارها!
الخلاصة: انحناء الضوء (Gravitational
Lensing) في المشهد السوداني
إذا طبقت هذا الفهم على الحالة
السودانية:
ستجد أن ثبات بعض البنى واستعصاءها
على التفكيك أو الاصلاح -رغم كل
الأزمات المتعاقبة- ليس مجرد
“عناد سياسي” أو “جهل جماهيري”،
بل هو نتاج جاذبية مادة مظلمة
هائلة تتكون من (الخوف المتبادل
من الفراغ + شبكات المصالح التاريخية
الممتدة + الاستقطاب الاجتماعي
المترسب).
فعل التغيير الحقيقي لا يكتفي فقط
بـ “ضرب المادة المرئية”
(إسقاط الواجهات الرسمية أو القوانين)،
بل يتطلب فك شفرة هذه المادة
المظلمة: عبر معالجة المخاوف الوجودية
للمجتمع، وبناء بدائل آمنة للشبكات
الاقتصادية، وتفكيك السرديات
الرمزية التي تتخفى خلفها تلك السلطة!
عبداللطيف سويكت
asuiket74@gmail.com
