دعبدالرحيم عبد الحليم محمد
ألكتابة السياسية امر اخشاه وأرهبه. ليس لصعوبتها لكن لأنها مؤلمة الوقع في بلد ارهقته النوازل وتفرق فيه الناس أيدي سبأ بسبب ما يكتبون أو يعبرون عنه. أجد نفسا مضطرا لتخطي حاجز الرهبة السياسية اليوم وأنا أـفكر في محمد حمدان دقلو كظاهرة متخيلا مآله وحاله اذا تصورنا سيناريوهات عديدة تحف بالمشهد العسكري والسياسي في بلادنا الآن.
ليس محمد حمدان دقلو «حميدتي» مجرد قائد عسكري صعد في ظرف استثنائي، ولا مجرد رجل خرج من هامش السودان الجغرافي والاجتماعي حتى بلغ قمة السلطة، وجلس في مجلس السيادة، وصار اسمه حاضرًا في حسابات الداخل والخارج. إن قصته، في جانب كبير منها، قصة خلل عميق أصاب الدولة السودانية نفسها حين سمحت، في حقبة من تاريخها، بنمو قوة مسلحة موازية لقواتها المسلحة، ثم منحت تلك القوة السلاح والرتب والنفوذ والموارد، حتى جاء اليوم الذي لم تعد فيه القوة الموازية تقبل بموقعها داخل الدولة، وإنما دخلت في مواجهة مسلحة مع جيشها.
ومن هنا ينبغي تثبيت حقيقة أساسية قبل المضي في قراءة تجربة حميدتي: القوات المسلحة السودانية هي المؤسسة العسكرية النظامية للدولة، ومن صميم وظيفتها الدفاع عن سيادة البلاد ووحدتها ومؤسساتها والتصدي للتمرد المسلح. ولا تستقيم، في تقديري، مساواة الجيش من حيث صفته وموقعه المؤسسي بقوة مسلحة تنازعه احتكار السلاح والسيادة. وهذا لا يعني أن أفراد الجيش أو وحداته يصبحون خارج أحكام القانون؛ فكل جيش مطالب أثناء الحرب بحماية المدنيين والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وأي اتهام موثق بتجاوز فردي أو عسكري ينبغي التحقيق فيه ومحاسبة المسؤول عنه. لكن ذلك شيء، والمساواة بين جيش الدولة والقوة التي تحاربه شيء آخر تمامًا.
هذه التفرقة ضرورية لفهم مأساة السودان، وضرورية كذلك لفهم حميدتي.
فالرجل لم يولد قويًا، ولم يرث دولة أو جيشًا أو مؤسسة سياسية عريقة. لقد صنعته ظروف استثنائية، ثم صنع هو من تلك الظروف قوة استثنائية. ولعل أكثر ما يستحق التأمل في سيرته ذلك الاجتماع الغريب بين محدودية التكوين السياسي والفكري وبين قدرة هائلة على اكتساب النفوذ وتحويل السلاح والمال والرجال والعلاقات إلى قوة سياسية. وهنا بالضبط تكمن المفارقة: سطحية في بناء الفكرة، ودهاء في بناء القوة.
الغدر: من حليف إلى خصم
إذا استعملنا كلمة «الغدر» في قراءة مسيرة حميدتي، فلا ينبغي أن نستعملها شتيمة مجانية، وإنما بوصفها مدخلًا إلى ظاهرة سياسية تكررت في مسيرته: تبدل التحالفات والولاءات كلما تغير ميزان القوة.
نشأ نفوذه العسكري الكبير في عهد عمر البشير، وكانت الدولة في ذلك العهد هي التي احتضنت قوات الدعم السريع ومنحتها وضعها الرسمي، حتى أصبحت قوة عسكرية ضخمة يتزعمها حميدتي. وبذلك كان صعود الرجل، في جزء أساسي منه، ثمرة سياسة النظام الذي أراد إنشاء قوة يعتمد عليها في حروب الأطراف وموازين الداخل.
ولكن التاريخ كثيرًا ما يسخر من صانعي القوة.
فالسلاح الذي تصنعه السلطة لكي يحرسها قد يصبح يومًا أحد أسباب سقوطها.
وحين سقط البشير في أبريل 2019، كان حميدتي واحدًا من الرجال الذين انتقلوا بسرعة مذهلة من كونهم أبناء النظام العسكري والأمني إلى الجلوس فوق أنقاضه. ثم أصبح نائبًا لرئيس مجلس السيادة، ودخل في تحالف مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وشارك معه في ترتيبات السلطة التي أعقبت الثورة، ثم في إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 التي أنهت الشراكة القائمة مع المكون المدني.
غير أن التحالف بين الرجلين لم يصمد.
فما لبث الحليفان أن أصبحا خصمين، ثم أصبح الخصمان قائدين لمعسكرين متحاربين، وانفجرت في الخامس عشر من أبريل 2023 الحرب التي دفعت السودان إلى واحدة من أكثر مراحله التاريخية قسوة.
وهنا تبدو المفارقة مؤلمة: الرجل الذي وصل إلى أعلى مراتب السلطة داخل الدولة انتهى به الأمر إلى خوض الحرب ضد المؤسسة العسكرية للدولة ذاتها.
وكأن رحلة الصعود لم تعد تكفيه.
وكأن القوة، عندما تبلغ حدًا معينًا، تبدأ في إقناع صاحبها بأن ما تحت يده أقل مما يستحق.
القبح ليس في الوجه
أما القبح الذي أتحدث عنه هنا فليس قبح هيئة أو ملامح، فذلك حديث سطحي لا يليق بالكتابة السياسية ولا بالتاريخ. القبح الذي أعنيه هو قبح الفعل حين يتحرر السلاح من سلطة القانون.
إنه قبح البيوت المنهوبة، والمدن المحاصرة، والقرى المحروقة، والنساء اللاتي تعرضن للعنف، والأسر التي اقتُلعت من ديارها، والأطفال الذين أصبحوا يعرفون أصوات المدافع قبل أصوات أجراس المدارس.
ومنذ اندلاع الحرب ارتبط اسم قوات الدعم السريع في تقارير دولية عديدة باتهامات بالقتل والنهب والاغتصاب والعنف الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد الإثني، ولا سيما في دارفور. وتراكمت هذه الاتهامات حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من الصورة الدولية لهذه الحرب.
وهنا لا يعود السؤال سياسيًا فقط.
إنه سؤال أخلاقي:
ماذا تعني السلطة إذا كان الطريق إليها يمر فوق أجساد الناس؟
وما قيمة القصر إذا أصبحت المدينة التي يقع فيها خرابًا؟
وما قيمة السيطرة على الأرض إذا هرب أهل الأرض منها؟
إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للقوة المسلحة أن تنسى السبب الذي يفترض أن يحمل الإنسان من أجله السلاح: حماية الإنسان نفسه.
وعندما يتحول المواطن من غاية ينبغي حمايتها إلى عقبة ينبغي إزاحتها، تكون القوة قد فقدت معناها الأخلاقي.
سطحية الخطاب وذكاء القوة
وقد يكون من السهل السخرية من خطاب حميدتي أو طريقته في التعبير أو محدودية تكوينه الأكاديمي والسياسي، ولكن الوقوف عند ذلك وحده خطأ كبير.
فالذين استهانوا بالرجل لأن خطابه لا يشبه خطاب النخب وقعوا في سوء تقدير خطير.
لم يكن حميدتي مفكرًا يحمل نظرية في الدولة، ولم يقدم مشروعًا فكريًا عميقًا للسودان، ولم يعرف عنه إنتاج سياسي أو فلسفي يمكن أن نقول إنه يقدم تصورًا متكاملًا للاقتصاد والتعليم والثقافة والقانون وبناء المؤسسات.
ولكنه امتلك شيئًا آخر:
ذكاء البقاء.
وامتلك معه ذكاء القوة.
عرف كيف تتحول مجموعة مسلحة إلى مؤسسة ذات نفوذ.
وكيف يتحول النفوذ إلى مال.
وكيف يتحول المال إلى علاقات.
وكيف تتحول العلاقات إلى شرعية سياسية مؤقتة.
وكيف يجلس القادم من هامش السلطة إلى جوار رأس الدولة.
وهذا نوع من الذكاء لا ينبغي الاستهانة به.
فالسطحية الفكرية لا تعني بالضرورة الغباء السياسي.
وقد أثبت التاريخ أن بعض أخطر الرجال لم يكونوا أصحاب كتب ولا نظريات، وإنما كانوا يمتلكون قدرة فطرية على معرفة مواضع ضعف الآخرين، وعلى التقاط اللحظة المناسبة، وعلى الانتقال بين التحالفات، وعلى تحويل الفوضى إلى فرصة.
وهنا كانت قوة حميدتي الحقيقية.
لم يكن يحتاج إلى دولة قوية.
كان يحتاج، على العكس، إلى دولة ضعيفة.
الدولة الضعيفة تصنع الرجل القوي
وهذه هي النقطة التي ربما تفسر ظاهرة حميدتي أكثر من أي شيء آخر.
لقد كان الرجل قويًا لأن الدولة كانت ضعيفة.
ففي الدولة الراسخة لا يستطيع فرد أن يمتلك جيشًا موازيًا.
ولا يستطيع رجل أعمال أن يتحول إلى قائد عسكري وسياسي في الوقت نفسه.
ولا تستطيع قوة مسلحة أن تنمو بجوار الجيش حتى يصبح لها اقتصادها وقيادتها وتسليحها وعلاقاتها الخارجية.
الدولة القوية تحتكر السلاح المشروع.
والدولة القوية تجعل السياسة طريقًا إلى السلطة، لا البندقية.
والدولة القوية لا تحتاج إلى ميليشيا لكي تحارب نيابة عنها، لأنها تعرف أن القوة التي تستدعيها اليوم لحماية البيت قد تسألها غدًا:
ولماذا يكون البيت لك وحدك؟
وهذا، في جوهره، ما حدث.
كبرت القوة الموازية حتى أصبح السؤال الذي يواجه السودان ليس كيفية استخدامها، وإنما كيفية استيعابها داخل جيش وطني واحد.
ثم انفجر الخلاف حول الدمج والترتيبات الأمنية ومستقبل السلطة.
وانفجرت معه البلاد.
خطأ حميدتي الأكبر
كان أمام حميدتي قبل الحرب طريق لم يتوفر لكثير من قادة الجماعات المسلحة في التاريخ.
كان نائبًا لرئيس مجلس السيادة.
وكان يمتلك نفوذًا سياسيًا واسعًا.
وكان قائدًا لقوة عسكرية كبيرة.
وكان يمتلك شبكة مصالح اقتصادية وعلاقات خارجية.
وكان يستطيع أن يتحول، بالتدرج، من قائد قوة مسلحة إلى رجل سياسي.
كان يستطيع أن يقول:
لقد صنعتني الحرب، ولكنني لن أجعل الحرب مستقبل السودان.
كان يستطيع أن يقبل بمشروع حقيقي لبناء جيش سوداني واحد وفق ترتيبات متفاوض عليها تحفظ حقوق المقاتلين وتعيد احتكار القوة إلى الدولة.
وكان يستطيع أن يجعل دارفور، التي خرج منها، مشروعه التاريخي في التنمية والإعمار والمصالحة والتعليم.
ولو فعل ذلك ربما كتب التاريخ عنه صفحة مختلفة تمامًا.
ولكنه اختار السلاح.
وهنا، في تقديري، ارتكب خطأه التاريخي الأكبر.
لأنه انتقل من رجل يمتلك قوة هائلة داخل الدولة إلى رجل يريد أن يحدد مستقبل الدولة بواسطة هذه القوة.
وكان الفارق بين الموقعين هو الفارق بين النفوذ والمغامرة.
عندما تأكل القوة صاحبها
للقوة منطق غريب.
يبدأ الإنسان بجمع القوة لكي يحمي نفسه.
ثم يحتاج إلى مزيد من القوة لكي يحمي ما جمعه.
ثم يحتاج إلى المال لكي يحمي القوة.
ثم يحتاج إلى حلفاء لكي يحموا المال والسلاح.
ثم يصبح السلام نفسه خطرًا عليه، لأن السلام يسأل أسئلة لا تحبها البنادق:
من يملك السلاح؟
ومن يملك المال؟
ومن أعطى الأمر؟
ومن قتل؟
ومن نهب؟
ومن يحاسب؟
وعند هذه النقطة يحدث التحول المأساوي:
لا يعود الرجل مالكًا للقوة.
تصبح القوة مالكة للرجل.
وهذه، في اعتقادي، واحدة من أكثر الزوايا مأساوية في قصة حميدتي.
لقد وصل إلى مكان لم يكن أحد يتصور قبل سنوات طويلة أنه سيصل إليه.
جلس في القصر.
وخاطب الجماهير.
واستقبل السفراء.
وسافر والتقى مسؤولين وقادة.
وأصبح اسمه حاضرًا في العواصم الإقليمية والدولية.
ولكن كل هذا الصعود قاده في النهاية إلى حرب أصبح فيها مستقبله الشخصي نفسه مرتبطًا بمستقبل البندقية.
فكيف يخرج رجل من الحرب إذا أصبح السلام يحمل إليه أسئلة أخطر من الحرب؟
هل يستطيع السلاح أن يصنع دولة؟
هذه هي العقدة الكبرى في مشروع حميدتي.
يمكن للسلاح أن يحتل مدينة.
لكنه لا يستطيع إجبار المدينة على أن تحبه.
يمكن للسلاح أن يسيطر على طريق.
لكنه لا يستطيع أن يصنع اقتصادًا مستقرًا.
يمكن للسلاح أن يحتل مبنى حكوميًا.
لكنه لا يستطيع بمجرد احتلاله أن يصنع مؤسسة.
يمكن للسلاح أن يرغم الإنسان على الصمت.
لكنه لا يستطيع أن يرغمه على منح الشرعية لمن أخافه.
وهنا يظهر الفارق بين السيطرة والحكم.
وبين القوة والدولة.
وبين أن تملك الأرض وأن تملك رضا أهلها.
لقد استطاع حميدتي أن يبني قوة عسكرية هائلة، ولكن التحدي الذي لم يستطع حله هو تحويل هذه القوة إلى مشروع وطني مقبول لدى غالبية السودانيين.
وذلك أصعب كثيرًا من امتلاك المدافع.
مآله الأخير
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف تنتهي قصة محمد حمدان دقلو؟
لا يستطيع أحد أن يجيب يقينًا، لأن الحرب لم تضع أوزارها، وموازين القوى يمكن أن تتغير، والتحالفات الإقليمية والدولية ليست ثابتة.
لكن قراءة التاريخ تسمح بتصور عدة نهايات.
قد تتآكل قوته عسكريًا بالتدريج، فينكمش نفوذه إلى مناطق محددة ويصبح قائدًا لقوة محاصرة بعد أن كان نائبًا لرأس الدولة.
وقد تنتهي الحرب بتسوية تجبره على مقايضة السلاح بموقع سياسي أو ضمانات، وإن كانت الاتهامات الخطيرة المتراكمة تجعل العودة إلى وضعه السابق شديدة الصعوبة.
وقد يستمر واقع الانقسام مدة أطول، فتعيش البلاد مأساة سلطتين ومجالين عسكريين متنافسين، وهو السيناريو الأخطر على وحدة السودان.
وقد تأتي لحظة تصبح فيها المساءلة القضائية جزءًا من أي تسوية نهائية، فتفتح الملفات التي راكمتها سنوات الحرب، وتبدأ المحاكم بالسؤال عمن أمر وعمن نفذ وعمن موّل وعمن تستر.
وقد تكون النهاية أكثر بساطة وقسوة مما يتصور الجميع: أن تتفكك التحالفات التي صنعت القوة نفسها.
فالجيوش غير المؤسسية شديدة الارتباط بالمصلحة والغنيمة والولاء الشخصي. وعندما تنضب الموارد أو تتغير التحالفات أو تتراجع فرص الانتصار تبدأ الدائرة التي اتسعت بسرعة في الانكماش بالسرعة نفسها.
ذلك أحد قوانين القوة التي لا تقوم على المؤسسات:
تصعد سريعًا، ولكنك لا تعرف من سيبقى معك عندما يبدأ الهبوط.
المآل الأشد قسوة: حكم التاريخ
ومع ذلك، فإنني لا أعتقد أن أهم نهاية لحميدتي هي موته أو حياته، سجنه أو منفاه، انتصاره في معركة أو خسارته مدينة.
هناك محكمة أبقى من كل ذلك:
ذاكرة الشعوب.
والسؤال الذي سيبقى بعد أن يسكت الرصاص هو:
ماذا ترك الرجل للسودان؟
هل ترك دولة أقوى؟
هل ترك دارفور أكثر أمنًا؟
هل أعاد نازحًا إلى بيته؟
هل بنى مدرسة؟
هل وحّد جيشًا؟
هل حقن دمًا؟
هل ترك مشروعًا يستطيع طفل سوداني بعد ثلاثين عامًا أن يقول إنه استفاد منه؟
أم ترك أسماء مدن ارتبطت بالموت والخراب والنزوح؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع المآل الحقيقي للرجال في التاريخ.
فليس الخلود أن يعرف الناس اسمك.
قد يعرف الناس اسمك لأنك بنيت، وقد يعرفونه لأنك هدمت.
والفارق بين المجدين هو الفارق بين النصب التذكاري والمقبرة.
ولكن القضية أكبر من حميدتي
ومع ذلك كله، سيكون من الخطأ أن يعتقد السودانيون أن انتهاء حميدتي يعني انتهاء المشكلة.
فحميدتي نتيجة بقدر ما هو سبب.
إنه نتيجة دولة سمحت بتعدد البنادق.
ونتيجة سياسة استخدمت الميليشيات.
ونتيجة مركز أهمل أطراف البلاد.
ونتيجة اقتصاد سمح للذهب والسلاح بأن يصنعا نفوذًا يتجاوز المؤسسات.
ونتيجة نخبة سياسية اعتقد بعضها في مراحل مختلفة أنه يستطيع استخدام الرجل ثم إعادته إلى مكانه متى شاء.
ولهذا فإن أخطر نهاية ممكنة ليست أن يبقى حميدتي.
بل أن يذهب حميدتي وتبقى الشروط التي صنعت حميدتي.
أن يسقط الرجل وتبقى الميليشيا فكرة ممكنة.
أن تنتهي الحرب ويبقى حمل السلاح طريقًا إلى الوزارة.
أن ينتصر الجيش ثم لا تبدأ عملية جادة لبناء دولة المؤسسات والقانون.
أن يعود السياسيون إلى صراعاتهم القديمة وكأن شيئًا لم يحدث.
أن تظل الأطراف فقيرة ومهمشة.
أن يبقى الذهب قادرًا على شراء الرجال والبنادق.
عندئذ لن يكون السودان قد حل المشكلة.
سيكون فقط قد غيّر اسمها.
الجيش بعد الحرب
ولهذا فإن انتصار القوات المسلحة في مهمتها في حماية الدولة ينبغي ألا يكون نهاية المشروع، وإنما بدايته.
فالسودان بعد هذه الحرب يحتاج إلى جيش وطني مهني واحد لا ينازعه أحد السلاح، ولا توجد بجواره قوة موازية مهما كان اسمها أو تاريخها أو الجهة التي تتبع لها.
جيش للدولة كلها، لا لحزب ولا لقبيلة ولا لجهة.
وتحت سلطة الدولة والقانون.
وتكون السياسة خارج الثكنات، ويكون التنافس على الحكم عبر المؤسسات، وتصبح البندقية آخر وسائل حماية الوطن لا أول وسائل الوصول إلى قصره.
فالدولة التي تنتهي فيها الحرب ولا تتعلم لماذا بدأت الحرب محكوم عليها بأن تراها مرة أخرى.
النهاية
ربما يكون محمد حمدان دقلو قد تصور في لحظة من لحظات صعوده أن القوة تستطيع شراء الزمن.
ولكن الزمن لا يباع.
وقد يظن صاحب السلاح أنه حين يخشاه الناس قد ملكهم.
لكن الخوف ليس ولاءً.
وقد يعتقد أن السيطرة على الأرض تعني السيطرة على التاريخ.
لكن التاريخ أكثر مكرًا من البنادق.
إنه ينتظر حتى يرحل ضجيج المعارك، ثم يبدأ في عدّ الأشياء البسيطة:
كم بيتًا بنيت؟
وكم بيتًا هدمت؟
كم إنسانًا أعدت إليه الأمل؟
وكم إنسانًا حمل أطفاله وهرب منك؟
كم مدرسة فتحت؟
وكم مدينة أغلقت أبوابها؟
كم مرة استخدمت قوتك لمنع الموت؟
وكم مرة كان الموت يمشي في ظل قوتك؟
وعندها فقط يصدر التاريخ حكمه.
ولهذا قد لا تكون مأساة حميدتي أنه سيخسر الحرب أو يكسبها.
مأساته الأعمق أنه امتلك من القوة ما كان يمكن أن يغير به حياته وحياة أهله وبلاده، ثم انتهى إلى حرب جعلت القوة نفسها عبئًا عليه وعلى السودان.
لقد صعد بالسلاح.
واتسع بالسلاح.
وحكمه الآخرون بمقدار ما يملك من السلاح.
ثم أصبح أسيرًا للسلاح.
وتلك هي المفارقة التي تختصر الحكاية كلها:
حين كان حميدتي ضعيفًا، كان يبحث عن القوة.
وحين وجد القوة، أراد المزيد منها.
وحين اكتملت حوله دوائرها، لم يعد يستطيع الخروج منها.
وهكذا تأكل القوة صاحبها.
لكن السودان لا ينبغي أن ينتظر نهاية الرجل لكي يتعلم الدرس.
فالانتصار الحقيقي ليس أن يُهزم حميدتي وحده، وإنما أن تُهزم الفكرة التي جعلت ظهور حميدتي ممكنًا: جيش إلى جانب جيش، وسلاح خارج الدولة، ومال يصنع سلطة، وقائد مسلح يستطيع أن يقفز فوق المؤسسات.
يوم يصبح في السودان جيش واحد، ودولة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد، ويصبح الوصول إلى السلطة بصوت المواطن لا بفوهة البندقية،
