حمِّيد… وكفى

“على كوكب الارض هذا
عاش رجلٌ بسيط المنشأ
يبشر بالحب والحرية لبني البشر
كان يحلم بيومٍ
يحل فيه السلام على الأرض للأبد
وعمل على نشر هذه الرسالة في جميع الأرجاء”¹

محمد الحسن سالم حميد، هو أحد أبطالنا، الذين لم يلقوا ما يستحقون من احتفاء، فكما يرى الطيب صالح أن محمد المهدي المجذوب هو أشعر شعراء الفصحى المعاصرين قاطبة، وهو الآخر لا نحتفي به أو حتى لا نعرفه، فأنا أظن أن حمِّيد هو أشعر شعراء التاريخ الإنساني على الإطلاق، أستمع لأي قصيدة من قصائده فإذا بها تصبح قصيدته المفضلة عندي حتى أسمع أخرى، يكتب عن الثورة والكفاح، فتقول: لا يحسن إلا هذا، يكتب في الحب، قلتَ لا يعرف غيره، ما تحدث عن موضوع إلا و”نجَّضه”، وقد تحدث عن كل شيء… بليغ، دقيقٌ في المفردات، مبهرٌ في التصاوير، لديه قدرة غريبة على تطويع التراث السوداني وكذلك العربي الإسلامي والإنساني، يسِن الأمثال والمقولات المأثورة، فيجعلها أكثر حدة، تحتوى ابياته على طبقاتٍ عدة، كلما قرأتها وأمعنت النظر فيها اكتشفت معنى جديدًا، “يكرره ليفهمه رجالٌ، كما كررتَ معنىً مستعادا”²، ورغم أن الشعارات الأيدولوجية ظاهرة وبلا مواربة في شعره الا أنها لم تكن “دوغما” يقحمها اقحاما، ولم تعمه من ابصار رحاب الإنسانية الأوسع. كثيرٌ من قصائده ليست مجرد قصائد، بل قصص عميقة تناقش موضوعات شتى، غاية في الأهمية، ولو كان يكتب الرواية أو القصة القصيرة لقارع عمالقة هذي الحقول… حميد شاعر تقشعر لوحيه الأبدان، وكأنه كان موصولا بالسماء… حتمًا كان كذلك.
ولهذا يجب أن تجمع أشعار حميد كاملة في مجلد أو مجلدات، وتُحقق، فهو اعتمد بشكل كبير على التسجيلات الشفاهية، كما أن لديه كم من الأشعار لم ينشر في دواوين مطبوعة، بالإضافة لأنه “تربال” يزور قصائده (التي يسميها نبتاته السحرية) متفقدًا لها، ويسقي هذه النبتات من رذاذ غمامه، فتنمو ويتغير شكلها مع الزمن، ومن هنا تأتي ضرورة التحقيق… اذا فهو يحتاج لجمع، وتحقيق، شرح، وترجمة، فهو يكتب في كثير من الأحيان بلهجة شايقية موغلة في العامية لا يعرفها إلا شيوخ أهل منطقته، فمن العار، ايوة نعم، من العار، أن يظل هذا الرجل، حبيس المحلية، فترجمته للفصحى وللغات أخرى، واجب، أغفله السودانيون، وترجمته تحتاج إلى شخص متمكن من لهجة الشايقية، ومن اللغة العربية، وأي لغة أخرى ستتم لها الترجمة، كإنجليزية أو ألمانية أو فرنسية (وقد ترجمت قصيدته نورا والحلم المدردح للفرنسية من قبل، حسب علمي)، حتى لا تفقد كتاباته اثناء هذه العملية كثيرًا من قيمتها الأدبية، وتنقل صورة واضحة أمينة لما قال.
وأيضا حميد يحتاج لدراسة وتحليل ونقد وكل هذه الأشياء، ففيمَن تكتب رسائل الدكتوراه إن لم يكن في مثله؟! ويمكن أن تكتب دراسات عن نظرته لجذور أزمات السودان، أو مشكلة الهوية، أو يتم تحليل عوالمه وشخوص قصصه والرمزية في شعره وكذلك واقعيته السحرية، أو بعض الثيمات التي تتكرر في قصائده والأفكار التي كانت تشغل حيزًا مهولا من تفكيره، كاستعانة الناس بالغناء لمواجهة الصعاب، وكيقينه -الذي قُطع شكه- بأن معاني الخير ستحيا ومعاني الشر ستموت لا محالة، وكالمدينة “العنقاوية” التي بعد أن تحترق تنهض من رمادها كأن لم يكن شيء، وغيرها الكثير الكثير.
وعن نفسي لم تقابلني كتابات جادة عن أعماله، الا بضع مقالات متناثرة هنا وهناك على الشبكة العنكبوتية، وكتاب واحد، هو (حميد وفشل النخبة السودانية)، ولا أدري إن كان جيدا أم لا وهل ما يزال الحصول عليه ممكنا أم أنه نفد.
لكن عل ما يقوم به صديقي، الفنان المبدع؛ عامر ميسرة؛ أحد حراس الذاكرة السودانية، هو مدخل كبير لتعريف الجيل الجديد -وكل السودانيين عموما- بمحمد الحسن سالم حميد… وقد أخبرني برغبته في اندلاع ثورة “حمِّيدية” على حسب تعبيره، وأوافقه على ضرورة ذلك تمامًا، على أن تكون ضمن ثورةٍ أكبر، هي الثورة الثقافية، التي نحن بأمس الحاجة إليها في مثل أوضاعنا هذه.
أظن أن الأمم تحتاج إلى أبطال، تضعهم موضع القدوة، وتستمد من سيرهم ومنتوجاتهم الفكرية والأدبية -ان كان لهم منتوجات- مُثُلها ومرتكزاتها الأخلاقية، وترى من خلال عيون هؤلاء الابطال، الدنيا بأسرها، وفي رأيي المتواضع، أن السودانيين، فشلوا -على الدوام- في تحديد أبطالهم الحقيقيين، ولطالما احتفوا بمن لا يستحقون احتفاءً، تاركين من يستحقون لتدفن سيرهم مع الأيام، أو لتشوه سمعتهم وليلعنهم اللاعنون، بعلم او دون علم، وبكثير من سوء ظن، وبعضُ الظن إثم.
حميد -في نظري- هو من أحد أعظم ثلاث شخصيات في تاريخ السودان الحديث؛ هو والأستاذ محمود محمد طه ود. جون قرنق دي مابيور، وإن أراد السودانيون “استعدال” البوصلة، للوصول لبر الأمان، عليهم أن يتعلموا أن يحددوا أبطالهم، وأن يعطوا من يستحق، ما يستحق.
في ذلك اليوم وحميد منطلق من نوري إلى الخرطوم لزيارة صديق ما، ركب مع شابٍ متهور أصر إلا أن يوصله، وكان الأول غير مطمئن للأخير، فاتفق مع سائق آخر، أخبره أن يلاقيه في نقطة ما، ليركب معه، وقبيل أن يصلا لتلك النقطة، وقع القدر…
تأخرت سيارة الاسعاف التي كان من الممكن أن تنقذ بطلنا، الذي ظل يكابد حتى اللحظة الاخيرة… ثم ذهب لمقابلة ربه… تاركًا السودانيين يتساءلون، كما تساءلت نينا سيمون حين قُتل مارتن لوثر كينج “ماذا سيحدث الآن بعد أن مات ملك الحب؟”¹ واجابتهم الأيام، أن ما سيحدث هو الأسوأ…
ولكن حميد -كعادته- قد ترك لهم -بصورة ضمنية- الحل للخروج من هذه الظلمة، حين رثى نفسه -كما مالك بن الريب-، برثائه لمصطفى سيد أحمد، عندما ختم “المصابيح” ب:
“ومن كان بيسمع ما اصطفى
حي… بي قضيتو
وبس
كفى.”

¹ من أغنية نينا سيمون (لماذا؟).
² بيت للمعري، بتصرف “بسييييت بس”.

kamaldxc3@gmail.com
كمال حافظ

عن كمال حافظ

كمال حافظ