باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 22 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان عرض كل المقالات

حوادثُ توريت 18 أغسطس 1955 كما وثّقَها تقريرُ لجنةِ القاضي توفيق قطران

اخر تحديث: 21 أغسطس, 2026 6:57 مساءً
شارك

د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
دار الكثيرُ من الجدل منذ منتصف العام الماضي حول حوادث توريت المؤلمة المؤسفة التي اندلعت في 18 أغسطس عام 1955. وقد اعتمد معظم كُتّابِ المقالاتِ التي صدرت وقتها على مصادر ثانويةٍ متناثرة. ولم يتضمن غيرُ القليل من تلك المقالات نقاشاً لتقرير لجنة القاضي توفيق قطران الذي تم إعداده عن تلك الحوادث.
عليه فقد رأينا أن نركّز في هذا المقال، والذي تتم كتابته ونشره في الذكرى الواحدة والسبعين لحوادث توريت المؤلمة، على تقرير القاضي قطران.
2
كان تقرير لجنة القاضي قطران قد تم إعداده بناءً على طلب حكومة السيد اسماعيل الأزهري بعد ثلاثة أسابيعٍ من وقوع الحوادث. وهو تقريرٌ مفصّلٌ تقترب صفحاته من المائة وخمسين.
عنوان التقرير هو “تقرير لجنة التحقيق الإداري في حوادث الجنوب 1955.” ومن هنا جاء استخدامنا لمصطلح “حوادث توريت” في هذا المقال.
وقد أنحى التقرير باللائمة، وألقى المسئولية الكاملة عن تلك الحوادث، على حكومة السيد الأزهري التي شكّلت تلك اللجنة، ومنحتها كافية الصلاحيات في التحقيق في الأسباب والنتائج لتلك الحوداث المؤسفة، كما سنناقش في هذا المقال.
3
سبقتْ مجموعةٌ من التطورات، حول علاقة شمال وجنوب السودان حوادثَ توريت عام 1955. أهم تلك التطورات كان تبلور وتأكيد مطلب الجنوب للنظام الفيدرالي الذي برز منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ثم في الجمعية التشريعية عام 1948، وبعدها في لجنة الدستور عام 1951.
وقد تم إعادة تأكيد ذلك المطلب خلال انتخابات عام 1953، وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان، والذي أصبح لديه 16 مقعداً من المقاعد التي تمّ تخصيصها لجنوب السودان والبالغة 22 مقعداً. وكان الحزب قد أعلن بوضوح أن برنامجه ومطلبه الأساسي هو النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
4
أكّد الحزب الليبرالي ذلك البرنامج في مؤتمره العام الذي تم عقده في 18 أكتوبر عام 1954، وتمّ فيه التصويت على مقترح النظام الفيدرالي الذي فاز بـ 227 من الأصوات، ولم يصوّت ضده أحد، في حين امتنع عن التصويت ستّةٌ من المشاركين ينتمون إلى الحزب الوطني الاتحادي.
5
أوضحنا في سلسلة المقالات السابقة عن انفصال جنوب السودان تجاهلَ الحكومة والأحزاب الشمالية التام لمطلب الفيدرالية، ولمؤتمر الحزب الليبرالي وقراراته. وقد قام الحزب الليبرالي بتوصيل قراراته إلى كل الجهات السياسية في السودان والحاكم العام، وإلى الهيئات الدولية، وإلى وزير الخارجية البريطاني، ووزير الخارجية المصري.
6
تابعنا في تلك المقالات تشكيل أول حكومةٍ وطنيةٍ في السودان إثر قيام انتخابات عام 1953. وكانت المادة 14 من قانون الحكم الذاتي لعام 1953 قد أشارت إلى تشكيل مجلس الوزراء من عشرة إلى خمسة عشر وزيراً، على أن يكون اثنان منهم على الأقل من جنوب السودان.
قام رئيس الوزراء السيد إسماعيل الأزهري بتعيين ثلاثةٍ من نواب الجنوب الذين فازوا في الانتخابات، وهم السادة سانتينو دينق، وبولين ألير، وداك داي، كوزراء دولة بلا أعباء، وليس كوزراء، أو حتى كوزراء دولةٍ لأيةٍ من الوزارات الخمسة عشر التي تمّ إنشاؤها.
وكان ثلاثتهم قد انضموا للحزب الوطني الاتحادي وخاضوا الانتخابات وفازوا فيها تحت مظلّة وتمويل الحزب، ضمن نواب الحزب الستة الذين فازوا في الجنوب. لكنهم لم يبقوا في الوزارة طويلاً، وغادروها بعد أقل من عامٍ بسبب تنامي الخلافات مع قيادة الحزب، واكتشافهم للمضمون الحقيقي لمنصبهم الوزاري الوهمي “وزير دولة بلا أعباء.”
7
وهكذا نجح السيد إسماعيل الأزهري في استبعاد الحزب الليبرالي بنوابه الستة عشر من الحكومة لأنه كان ينادي بالفيدرالية. وعيّن السيد الأزهري ثلاث شخصيات جنوبية ارتبطت بالحزب الوطني الاتحادي، ولا علاقة لهم بالأحزاب الجنوبية، أو بمطلب الفيدرالية، بعد أن نجح في استمالتهم بأموال الانتخابات ووعود الوزارة. وتم تعيينهم “وزراء دولة بلا أعباء”، وليس حتى كوزراء دولة لثلاثةٍ من الوزارات الخمسة عشر التي تم إنشاؤها بمقتضى قانون الحكم الذاتي لعام 1953!.
ويبدو أن السيد الأزهري وقادة حزبه قد قرروا اتباع نظرية “فرّقْ تسُدْ” بين أبناء الجنوب. ولكن كما برهنت الأيام، فقد كانت تلك سياسةً قصيرة النظر، ساهمت كثيراً في نمو وتزايد الاحتقان السياسي بين جنوب وشمال السودان.
8
توالت الأحداث في جنوب السودان نفسه، وزادت عليها كل تلك التراكمات في الشمال. أدّى كل ذلك في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت، والتي تكوّنت من ضباطٍ وجنودٍ جنوبيين، إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
وكان القادة العسكريون الشماليون في توريت قد رفضوا تحديد وتوضيح الفترة التي سيقضيها أفراد فرقة الإستوائية بالشمال.
9
اندلعت أعمال عنفٍ وإخلالٍ بالأمن أدّت (حسب تقرير القاضي قطران الذي سنناقشه أدناه) إلى مقتل 336 شمالياً و75 جنوبياً. ونتج عن تلك الحوادث الدموية المؤلمة القاسية تعميقٌ كبيرٌ للهوّة بين الشمال والجنوب. وقد زرعت تلك الحوادث بذور الحرب الأهلية القاسية المدمرة، ثم مطلب حق تقرير المصير الذي قاد إلى انفصال جنوب السودان، بعد ستةٍ وخمسين عاماً من تلك الحوادث.
وقد أُغلقت الحكومةُ المدارسَ – على قلّتها – وأعلنت حالة الطوارئ في كل أرجاء الجنوب. وقد ظلّت المدارس مغلقةً لمدة عامٍ، بينما ظلت حالة الطوارئ مُعلنةً لمدة نصف قرنٍ من الزمان، وتم رفعها بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في عام 2005.
10
ورغم أن الحكومة شكّلت لجنةً برئاسة القاضي توفيق قطران للتحقيق في حوادث توريت كما ذكرنا أعلاه، إلا أن السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء استبق صدور تقرير اللجنة، وألقى باللائمة في بيانه أمام البرلمان في 26 أغسطس عام 1955 على ما أسماهم ب “المتمردين الجنوبيين”، وحمّل الشرطة الجنوبية والسلاطين المسئولية.
وقد كرّر السيد رئيس الوزراء نفس الاتهامات في خطابه الثاني أمام البرلمان في 2 نوفمبر عام 1955 حيث أوضح أن إنذاراً قد صدر للسلاطين بتسليم المتمردين في مناطقهم وإلاّ فإنهم سيكونون أنفسهم قد شاركوا في التمرد، وسوف يدفعون ثمن ذلك.
11
اتسمت كلمتا السيد رئيس الوزراء بالتسرّع والتهوّر، واستبقت، كما ذكرنا أعلاه، تقرير لجنة القاضي قطران. وكما سنناقش بعد قليل، فقد أثبت تقرير القاضي قطران عدم صحة الكثير من ادعاءات السيد رئيس الوزراء، مثل تحميله الشرطة الجنوبية المسئولية في حوادث توريت.
كما ألقى تقرير القاضي قطران بالمسئولية واللائمة على ما جرى في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955 على حكومة السيد الأزهري وحزبه، كما سنوضّح بالتفصيل في هذا المقال.
12
جرت، بعد أعمال القتل الواسعة المؤسفة التي نتجت من التمرد في 18 أغسطس عام 1955، عملياتُ تفتيشٍ واعتقالاتٍ واسعةٍ في كل أرجاء الجنوب، أعقبتها اعتقالاتٌ ومحاكماتٌ ميدانيةٌ عاجلة ترأس معظمها مفتشو المراكز أنفسهم.
وبمنتصف شهر سبتمبر عام 1955 استسلم 460 من الذين اشتركوا في التمرد، وهرب 140 إلى يوغندا، بينما اختفى من تبقّى من الفرقة الإستوائية وعددهم 780 جندي في أحراش وغابات المديرية الإستوائية.
13
وقد حكمت المحاكم العسكرية في عجلةٍ بالغةٍ بالإعدام على 147 جندي، تمّ تأييد الأحكام وتنفيذها في 121 منهم. وقد شملت الإعدامات الملازم رينالدو لويولا الذي كان متهماً بقيادة التمرّد، وكذلك وكيل بلك سترلينو أبويو أحد كبار قادة التمرد.
نتج عن التمرد والمحاكمات وإغلاق المدارس هروب الآلاف من شباب الجنوب إلى الأحراش ليكوّنوا نواة الحركة المسلحة الجنوبية الأولى، وليشعلوا بعد أشهرٍ قليلةٍ الحرب الأهلية في جنوب السودان، والتي تواصلت (بعد انقطاعٍ قصير) لمدة نصف قرنٍ من الزمان.
14
كما ذكرنا أعلاه، شكّلت حكومة السيد إسماعيل الأزهري لجنةً للتحقيق في حوادث توريت في 8 سبتمبر عام 1955 (بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الحوادث في 18 أغسطس) برئاسة القاضي توفيق قطران، وعضوية السيد خليفة محجوب الذي كان مديراً لهيئة المشاريع بولاية الإستوائية، والسلطان لوليك لادو الذي كان أحد أبرز المشاركين في مؤتمر جوبا عام 1947.
طلبت اللجنة من السيد وزير الدفاع تعيين مستشارين لها في المسائل الحربية. وقد استجاب السيد وزير الدفاع للطلب وعيّن القائمقام محمد بك التيجاني، والبمباشي علي حسين شرفي، عضوين في اللجنة.
وقد تم تكوين تلك اللجنة وِفقاً لقانون لجان التحقيق لعام 1954 للقيام بالمهام الآتية: “التحقيق في الاضطرابات الحديثة في الجنوب ورفع تقريرٍ عنها وعن الأسباب التي أدّت إلى حدوثها.”
15
ورغم أن تقرير اللجنة قد صدر في فبراير عام 1956، (بعد خمسة أشهرٍ من تكوين اللجنة، وستة أشهرٍ من حوادث توريت)، فإنه لم يتمْ نشرُ التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثمانية أشهرٍ من صدوره، وبعد ثلاثة أشهرٍ من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري رئاسة الوزارة في يوليو عام 1956، واستلام السيد عبد الله خليل لمقاليد الحكم في البلاد بديلاً له.
ويشير هذا التأخير إلى عدم رغبة السيد إسماعيل الأزهري وحكومته في نشر التقرير. فقد حمّل التقرير حكومة السيد إسماعيل الأزهري صراحةً مسئولية ما حدث في توريت في 18 أغسطس عام 1955.
فقد شمل التقرير الفقرات الآتية:
16
“ولما كان الموقف على هذا الحال يبدو لنا أن أسلم شيء كان يجب عمله هو أن تُلغى أوامر سفر البُلك نمرة 2 (إلى الشمال) في الحال. إن المبرّرات التي قِيلتْ عن الحفاظ على هيبة الجيش وكرامته في الوقت الذي كان معروفاً أن حدوث التمرّد أمرٌ محتملٌ، إن لم يكن مؤكّداً، غير مقنعة. فإنّ هيبة الجيش والإدارة في (المديرية) الإستوائية أيضاً قد سبق أن تلاشت. وإنّ الإصرار على عدم تغيير الأوامر بدون أن تكون هناك خطط مضادة، أو أن توضع مثل هذه الخطط، فإنما يدل على عدم اكتراث بأرواح وممتلكات المواطنين الآخرين. وإننا في الحقيقة نعتبر هذا خطأًً عظيماً.”
(تقرير لجنة التحقيق في الاضطرابات التي حدثت بجنوب السودان في أغسطس سنة 1955، والذي صدر في أكتوبر عام 1956 (الطبعة الأولى)، صفحة 128، وصفحة 91 في الطبعة الثانية التي صدرت عام 2005)).
17
كما ذكرنا أعلاه، لم يتم نشر التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثلاثة أشهرٍ من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري الوزارة في شهر يوليو عام 1956.
وقد قامت حكومة التحالف بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي (حكومة السيدين) التي ترأسها السيد عبد الله خليل، والتي خلفت حكومة السيد إسماعيل الأزهري ذلك الشهر (يوليو 1956)، بنفضِ الغبار عن التقرير ونشره على نطاقٍ واسعٍ، في شهر أكتوبر عام 1956، بعد أكثر من عامٍ من حوادث توريت، وأكثر من ثمانية أشهرٍ من اكتمال التقرير وتقديمه لرئيس الوزراء السيد إسماعيل الأزهري، وبعد ثلاثة أشهرٍ من سقوط حكومة الأزهري، كما ذكرنا أعلاه.
18
كتب مقدمة التقرير السيد علي عبد الرحمن وزير الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل الائتلافية التي خلفت حكومة الأزهري. وقد شملتْ المقدمةُ الفقرةَ التالية:
“وقد رأت الحكومة أن الديمقراطية الصحيحة تقضي بنشر هذا التقرير باللغتين العربية والإنجليزية حتى يتمكن الشعب على اختلاف طبقاته من الاطلاع عليه ليدرك العوامل والأسباب وما تبع ذلك من تقصيرٍ وإهمال مما أدى بطريقٍ مباشرٍ أو غير مباشر إلى حدوث تلك الاضطرابات المؤسفة التي أودت بحياة عددٍ غير قليل من المواطنين والتي عطلت سير الأصلاح في المرافق العامة في ذلك الجزء من أرض الوطن.”
19
بات واضحاً أن حكومة السيد عبد الله خليل قد قبلت، بدون أيّة تحفظاتٍ، التقرير ونتائجه، عندما أشارت المقدمة التي كتبها السيد علي عبد الرحمن إلى “تقصير وإهمال مما أدى … إلى حدوث تلك الاضطرابات المؤسفة. التي أودت بحياة عددٍ غير قليل من المواطنين.”
وكان واضحاً أيضاً أن النشر والتوزيع الواسع للتقرير باللغتين العربية والإنجليزية هو محاولةٌ من حزبي الشعب الديمقراطي والأمة إحراج السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته، وتأكيد تحميلهم المسئولية كاملةً لما حدث في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955.
وهكذا أصبح التقرير القضائي في أهمِّ وأصعبِ قضيةٍ تواجه السودان في ذلك الوقت مصدراً للمزايدة والمكائد بين الأحزاب الشمالية ورؤسائها، بدلاً من دراسة التقرير والتعامل معه بجدية ومسئولية وطنية، وإحالة المسئولين الشماليين عن الحوادث للمساءلة.
20
أوضح تقرير لجنة القاضي قطران أن مديرية الإستوائية كانت الأكثر تأثّراً بالاضطرابات التي امتدت فيها لمدى أسبوعين، وأشار إلى أن هناك خلفيةً للتمرّد شملت قلّة القواسم المشتركة بين الشمال والجنوب، والتي زادت منها السياسة البريطانية للمناطق المقفولة حتى عام 1947، والفارق الكبير في التقدّم بين طرفي البلاد.
أوردت اللجنة عدّة أسبابٍ للتمرد منها خيبة الأمل في نتائج السودنة التي لم تنتج عنها سوى ستُّ وظائفٍ للجنوبيين، وتدخّل الإداريين في المديرية الإستوائية في المسائل السياسية، وأوردت كمثالٍ لذلك الحيلولة دون انعقاد مؤتمر البرلمانيين الجنوبيين في مايو عام 1955.
21
أشار التقرير أيضاً إلى محاكمة النائب البرلماني ايليا كوزي في 25 يوليو عام 1955 بتهمة الإرهاب الجنائي لأنه اعترض على إرسال مساعد مفتش المركز برقية تأييدٍ للحكومة باعتبار أنه هو نائب الدائرة والمتحدّث بإسمها. وأوضح التقرير أن الحكم عليه بعشرين عاما سجناً بواسطة محكمةٍ مشكوكٍ في نزاهتها كان من أسباب التمرد، رغم أن الحكم تمّ تخفيضه إلى عامين لاحقاً. وقد أشار التقرير للمحاكمة بأن “أقل ما تُوصف به أنها كانت مهزلة”، ووصفها في فقراتٍ أخرى بأنها “مضحكة” و “انتهاك لحرمة القضاء.”
22
كما أشار التقرير إلى الأخطاء التي صاحبت محاولة مفتش مركز يامبيو معالجة إضراب مصنع النسيج والغزل في 26 يوليو عام 1955 والتي أدّت إلى إطلاق النار وقتل ستة من أبناء الزاندي في أنزارا.
واعتبر التقرير فصل 300 عامل من مشروع الزاندي بواسطة لجنة مشاريع الإستوائية في 20 يوليو عام 1955خطأً كبيراً، إذ أنه تمّ كنتيجةٍ للسودنة التي كان الجنوبيون يتوقعون مزيداً من الوظائف بموجبها، بدلاً عن فصلهم واستبدالهم بالشماليين.
23
وفيما يتعلق بالسودنة والإحباط الذي أصاب الجنوبيين فقد أشار تقرير القاضي قطران إلى أنه:
“قد أُرْسِلتْ خطاباتٌ كثيرة إلى أعضاء البرلمان الجنوبيين وإلى الحكومة نورد فيما يلي على سبيل المثال مقتطفاتٍ من تلك الخطابات:
(لقد كانت نتائج السودنة مخيّبةً للآمال بدرجةٍ عظيمة، أي أربعة مساعدي مفتش مركز ومأمورين. يبدو أن قصد زملائنا الشماليين هو أن يستعمرونا لمدة مائة عام أخرى.)” نضيف إلى هذا ما ذكرناه أعلاه من فصلٍ للعمال الجنوبيين واستبدالهم بعمال شماليين.
24
كما أشار التقرير إلى مجموعةٍ من الأخطاء صاحبت قرار نقل كتيبة توريت إلى الشمال، وأوضح التقرير أنه كان يجب التعامل مع تلك الأخطاء والظروف، وإلغاء قرار النقل، بدلاً من الإصرار عليه فقط لحفظ هيبة وكرامة القيادة العسكرية الشمالية للكتيبة، خصوصاً أن تلك القيادات كانت تعلم سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرّد ولن تنفذ قرار النقل (كما ورد في الاقتباس من التقرير في الجزء 16 أعلاه من هذا المقال).
25
وقد قامت الإدارة العليا للقوات المسلحة في الجنوب، حسب تقرير القاضي قطران، بإجلاء عوائل الضباط الشماليين من توريت تحسّباً لعواقب قرار الكتيبة الجنوبية رفض قرار النقل، مما يؤكد علم القيادة سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرد.
26
أشار التقرير إلى الوعود الكثيرة للجنوبيين منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ثم بواسطة الحزب الوطني الاتحادي قبل وأثناء الانتخابات، ثم حكومة السيد إسماعيل الأزهري، وأنه لم يتم الوفاء بها، ووصفت تلك الوعود بالتهور وعدم المسئولية.
وقد شملت تلك الوعود وعوداً من الضابط المصري الصاغ صلاح سالم الذي كانت مهمته في السودان وقتها العمل على فوز الحزب الوطني الاتحادي في الانتخابات لضمان الوحدة مع مصر. وقد ورد في تقرير القاضي قطران الآتي:
“كما زار الصاغ صلاح سالم الجنوب في تلك الأيام….. ووعد بأنه:
“عند مغادرة البريطانيين فإن الأربعين وظيفة من مديري المديريات ومفتشي المراكز ومساعدي مفتشي المراكز في المديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى للجنوبيين. ولقد وعد بإسناد الوظائف الفنية الأخرى للجنوبيين.”
27
كما أورد التقرير الحادثة الآتية:
“في أحد الاجتماعات بجوبا سأل تمرجي (مُمرِّض) صغير السن الصاغ صلاح سالم باللغة الإنجليزية:
سؤال: هل تعني أنني عندما يغادر البريطانيون سأصبح باشمفتشاً طبياً للمديرية (مستعملاً الحروف الإنجليزية الأولى للكلمات باشمفتش طبي كاختصار)؟
جواب: (لم يعرف الصاغ صلاح سالم معنى ذلك الاختصار) نعم، نعم بالتأكيد.”
لا بد من التذكير برقصة الصاغ صلاح سالم العبثية التهريجية المشهورة أثناء زيارته تلك لجنوب السودان ليحثَّ الجنوبيين على التصويت للحزب الوطني الاتحادي وللوحدة مع مصر.
28
انتقد تقرير القاضي قطران سلوك التجار الشماليين وذكر أنهم يعتبرون الجنوبيين أقل مرتبةً من الشماليين ويسمونهم “عبيد” (يعتذر الكاتب عن إيراد هذه الكلمة العنصرية البغيضة القبيحة في هذا المقال. لكن المسئولية والأمانة العلمية للاقتباس تقتضي إيراد الفقرةِ المُقتبسةِ كما هي). وأوضح التقرير أن استعمال ذلك اللفظ منتشر في المديريات الجنوبية، ويدل على الامتهان ويعيد إلى الأذهان حقبة تجارة الرقيق.
كما أشار التقرير إلى تدخّل التجار الشماليين في الإدارة، وإلى علاقاتهم الوطيدة مع الإداريين الشماليين التي أعطتهم حمايةً أكثر من الجنوبيين، ووصف الإداريين الشماليين بالتعالي وأن مفتش المركز كان يُنظر إليه كإلهٍ صغير.
29
أشار التقرير أيضاً في هذا المجال إلى البرقية المنسوبة زوراً إلى السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء التي وجّه فيها الإداريين الشماليين: “لا تستمعوا إلى شكاوى الجنوبيين الصبيانية وضايقوهم وعاملوهم معاملة سيئة بناءً على تعليماتي. وكل إداري يفشل في تنفيذ أوامري سيكون عرضة للمحاكمة.”
وقد ذكرت اللجنة أن البرقية نُسِختْ على ورقٍ حكومي وتمّ توزيعها على نطاقٍ واسع في الجنوب. وقد أبدت اللجنة اندهاشها أنه رغم انتشار البرقية فإن عدداً من الإداريين لم يسمعوا بها، وأن الذين سمعوا بها لم يتخذوا أيّة إجراءاتٍ لدحض مضمون البرقية.
30
عليه فقد أدان التقرير بصورةٍ واضحة حكومة السيد الأزهري، والحزب الحاكم وحلفاءه المصريين، والإداريين الشماليين، والقيادات العسكرية، والتجار الشماليين في الجنوب، وحمّلهم مسئولية تمردّ حامية توريت في 18 أغسطس عام 1955 وما نتج عنه من حوادث مؤسفةٍ مؤلمةٍ قادت إلى الحرب الأهلية.
كما أن التقرير، خلافاً لبيانات السيد رئيس الوزراء، لم يحمّل البوليس الجنوبي أو السلاطين أيَّ جزءٍ من المسئولية. ففيما يتعلق بالبوليس الجنوبي فقد أشار التقرير ألى “أن أغلبية ضباط البوليس الجنوبيين الذين يعرفون النزاع قد لعبوا دوراً عظيماً في حفظ القانون والنظام في مراكزهم، وأن أخلاقهم لا تحوم حولها الشبهات.”
31
لا بد أن تكون الصورة قد اتضحت أمام القارئ عن لماذا لم تقمْ حكومةُ السيد إسماعيل الأزهري بنشر تقرير القاضي قطران عن حوادث توريت!.
وتكون الصورة قد اتضحت أيضاً عن لماذا قامت حكومة السيد عبد الله خليل بنشر وتوزيع التقرير بصورةٍ واسعة، بواسطة وزير الداخلية السيد علي عبد الرحمن، الذي كان قد انشقَّ من الحزب الوطني الاتحادي وكوّن مع مجموعة منشقة أخرى حزب الشعب الديمقراطي. حدث ذلك بسبب التنافس الشديد، والذي أصبح عداءً حاداً، بينه وبين رئيس الحزب السيد إسماعيل الأزهري.
32
وكما ذكرنا أعلاه فقد قبلت حكومة السيد عبد الله خليل التقرير ونتائجه دون أيّة تحفظاتٍ أو ملاحظاتٍ. إضافةً إلى هذا فقد وعد السيد علي عبد الرحمن في المقدمة التي كتبها للتقرير بالآتي:
“والحكومة حينما تنشر هذا التقرير على الرأي العام تؤكد أنها بصدد اتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نُسِب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة سواء كانوا من رجال الإدارة أو البوليس أو الجيش أو غير هؤلاء من الموظفين ممن تضمنت محاضر لجنة التحقيق التي بنت عليها هذا التقرير اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية.”
لكن كما كشفت الأيام، فإن حكومة السيد عبد الله خليل لم تتخذ أيّة إجراءاتٍ تأديبيةٍ أو إجراءات مساءلة ضد أي موظفٍ حكوميٍ تم اتهامه بالتقصير في تقرير القاضي قطران، رغم ذلك الوعد القاطع من وزير داخليتها السيد علي عبد الرحمن.
33
عليه فقد قام تقرير القاضي قطران بتحميل السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته وحلفائه المسئولية الكاملة عن حوادث توريت. لكن السيد الأزهري قام، لهذه الأسباب، بتعليق نشر التقرير. ولم يتم نشر التقرير إلا بعد ثلاثة أشهرٍ من سقوط حكومته، واستلام منافسه السيد علي عبد الرحمن مقاليد وزارة الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل.
وعلى الرغم من وعد تلك الحكومة القاطع باتخاذ الإجراءات التأديبية ضد كل من ثبت تقصيره في تلك الحوادث، إلا أن ذلك الوعد تبخّر بنفس السرعة التي صدر بها.
34
بعد أربعة أشهرٍ من تمرّد توريت في 18 أغسطس عام 1955 قررت الحكومة والمعارضة إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان. وافق أعضاء البرلمان الجنوبيون على تأييد القرار شريطة أن يتضمّن ذلك القرار مطلبهم لإقامة نظام حكمٍ فيدرالي في الجنوب.
وافقت قيادات الأحزاب الشمالية على هذا المطلب، وصدر قرار مجلس النواب بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان بالإجماع يوم الاثنين 19 ديسمبر عام 1955 في جلسته رقم 43، الدورة الثالثة.
وقد تضمّن القرار فقرةً تطلب من الجمعية التأسيسية القادمة أن تعطي الاعتبار لمطلب النواب الجنوبيين بإقامة النظام الفيدرالي لجنوب السودان داخل السودان الموحّد. وتقرأ تلك الفقرة كلآتي:
“نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
35
سعد الجنوبيون كثيراً بهذه الفقرة من القرار، واعتقدوا أن حلمهم بالفيدرالية، ابن الثمانية أعوام، قد صار قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وأشاد الكثيرون بالوحدة الوطنية التي مثّلها وعكسها ذلك القرار رغم حوادث توريت المؤسفة. وتمّت الاحتفالات الرسمية بعيد الاستقلال، ورُفِع علم السودان في أول يناير عام 1956.
36
غير أنه كان استقلالاً مُلبّداً بغيوم الخلافات، وحوادث توريت المؤلمة وأسبابها وتداعياتها، والتنكرّ التام لوعد الفيدرالية لجنوب السودان الذي تضمنه قرار مجلس النواب في 19 ديسمبر عام 1955، كما ناقشنا بالتفصيل في سلسلة المقالات السابقة عن مطلب جنوب السودان للفيدرالية ورفض الشمال المتواصل.
37
كما أن حوادث توريت المؤسفة المؤلمة، وأسبابها، وما تبعها من تداعياتٍ وتطوراتٍ، (وهو ما اعتبره تقرير القاضي قطران “خطاً عظيماً”)، وفشل حكومات الخرطوم في التعامل معها بجدّيةٍ ومسئوليةٍ، أشعلت نار الحرب الأهلية في السودان.
وقد قادت تلك الحرب، بعد ستةٍ وخمسين عاماً، مع أخطاء شماليةٍ أخرى، كبيرةٍ وكثيرةٍ ومتتابعةٍ، إلى انشطار البلاد وذهاب أهل جنوب السودان لحالهم في دولتهم المستقلة الوليدة.


  • القاضي توفيق سليمان قطران من مواليد فلسطين. دَرَسَ القانون في جامعة لندن، وتجنّس بالجنسية البريطانية خلال حرب فلسطين عام 1948. عمل قاضياً في عددٍ من دول “الكومون ويلث” البريطاني، ثم لفترةٍ بالسودان، قبل أن يصبح رئيساً للقضاء في دولة ليسوتو (في الجنوب الأفريقي)، ثم رئيساً للمحكمة العليا في دولة بيليز (التي تقع على الساحل الشرقي لأمريكا الوسطى).
    ** يعتذر الكاتب عن طول المقال. غير أن تتابع الحوادث وترابطها جعل من غير المناسب تجزئة المقال إلى مقالين.

Salmanmasalman@gmail.com

Author
د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
إغلاق طريق الخرطوم- شمال كردفان والجيش يتوعد باستهداف المركبات
قواعد الاشتباك وما يدخل من الباب يخرج من الشباك ؟!
مليونية اليوم الثلاثاء 24 يناير -وتوثيقيات للثورة (3- 4).. بقلم: عمر الحويج
منبر الرأي
التعددية الثقافية ـ المثاقفة والاتصال .. بقلم: الدكتور الطيب حاج عطية
منبر الرأي
“العودة إلى المستقبل” في أرض الفلاندرز .. بقلم: عبدالوهاب الأفندي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

السينما في السودان…. الواقع والتحديات! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش

محمد التجاني عمر قش
منبر الرأي

ما بين غطرسة البرهان وغضبة العطا وكنكشة الحسين .. تنبعث روائح انقلاب عسكري وشيك !! .. بقلم: أحمد محمود كانِم

طارق الجزولي
منبر الرأي

الدّين والدّولة: مبدأ الأمن الاجتماعي .. بقلم: عبدالرحمن صالح أحمد (ابوعفيف)

طارق الجزولي
منبر الرأي

أقاشي عوضية وعرض مسرحي أمريكي في الخرطوم … بقلم: محمد الشيخ حسين

محمد الشيخ حسين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss