حول التداعبات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية/ الأسرائيلية علي ايران

أ. د. حسن بشير محمد نور

من الواضح ان الهدف المعلن او غير المعلن لاي مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى سيكون اضعاف النظام الايراني او السعي لاسقاطه. غير ان تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بقدرة النظام في طهران على الصمود واطالة امد الصراع، وهي قدرة لا يمكن التقليل من شأنها بالنظر الى تعقيدات البنية الداخلية الايرانية وتشابكاتها الاقليمية.

يعاني الاقتصاد الايراني منذ اعادة فرض العقوبات الامريكية عام 2018 بعد انسحاب ادارة الرئيس دونالد ترمب من الاتفاق النووي من تراجع حاد في الاداء الكلي. فقد انكمش الناتج المحلي الاجمالي بنسب تراكمية كبيرة في الفترة 2018 الى 2020، وبلغ معدل التضخم السنوي في بعض السنوات اكثر من 40%، بينما فقد الريال الايراني جزءا كبيرا من قيمته حيث تراجع سعر الصرف في السوق الموازية من نحو 40000 ريال للدولار قبل 2018 الى ما يتجاوز 500000 ريال للدولار في بعض فترات 2023 و2024. كما ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب الى ما يزيد عن 20% في بعض التقديرات. هذه المؤشرات اسهمت في اندلاع موجات احتجاج واسعة في اعوام 2019 و2022 جرى التعامل معها بقوة امنية كبيرة.

ومع ذلك، يمتلك النظام الايراني عناصر قوة بنيوية. فعدد سكان ايران يقارب 85 مليون نسمة، ويستند النظام الى قاعدة اجتماعية ذات مرجعية دينية وسياسية راسخة منذ قيام الجمهورية الاسلامية عام 1979 بقيادة اية الله الخميني. كما طورت ايران قدرات عسكرية غير تقليدية مهمة، اذ تمتلك ترسانة صاروخية يقدر عددها بالالاف بمدى يصل في بعض الطرازات الى اكثر من 2000 كيلومتر، اضافة الى برنامج متقدم للطائرات المسيرة برز دوره في نزاعات اقليمية عدة. كما ترتبط طهران بشبكة حلفاء اقليميين في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما يمنحها عمقا استراتيجيا وقدرة على الرد غير المباشر.

على المستوى الجيو اقتصادي، تبرز خطورة اي حرب واسعة في الخليج. فالمنطقة المحيطة بالخليج العربي تنتج ما يقارب 20% من اجمالي النفط العالمي، اي نحو 20 مليون برميل يوميا من اصل قرابة 100 مليون برميل يوميا عالميا. كما يمر عبر مضيق هرمز ما بين 17% الى 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، اضافة الى نسبة معتبرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خاصة من قطر التي تعد من اكبر مصدري الغاز المسال في العالم بطاقة تصديرية تتجاوز 75 مليون طن سنويا. اي تعطيل طويل الامد لهذه التدفقات يمكن ان يدفع اسعار النفط للارتفاع بعشرات الدولارات للبرميل، كما حدث في ازمات سابقة، وان يرفع اسعار الغاز في اسيا واوروبا بنسب قد تتجاوز 30% الى 60% تبعا لحجم الانقطاع ومدة الصراع.

تداعيات ذلك لا تقتصر على اسواق الطاقة، بل تمتد الى سلاسل الامداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن والتامين البحري، حيث ترتفع اقساط التامين على الناقلات في مناطق النزاع اضعافا مضاعفة مقارنة بالاوضاع الطبيعية. كما تتأثر قطاعات الطيران والسياحة والاستثمار في دول الخليج، وتنخفض ايرادات ممرات ملاحية حيوية مثل قناة السويس نتيجة تراجع حركة السفن او تغيير مساراتها.

سياسيا وامنيا، يمكن ان تؤدي الحرب الى تفجير توترات كامنة داخل ايران ذاتها، حيث يشكل الفرس نحو 60% من السكان، بينما تتوزع النسب المتبقية على قوميات مثل الاذريين الذين يقدرون بما بين 15% الى 20%، والاكراد بنحو 10%، والعرب والبلوش وغيرهم. في ظل حرب طويلة، قد تنشط نزعات انفصالية او احتجاجية، كما قد تتوسع رقعة الصراع لتطال ساحات اقليمية هشة اصلا مثل العراق وسوريا واليمن. كما ان اي انزلاق قد يضع دولا مجاورة مثل تركيا او باكستان او اذربيجان امام حسابات امنية معقدة، بما يهدد بموجة عدم استقرار اوسع.

انعكاسات مثل هذا النزاع لن تقف عند حدود المشرق والخليج، بل قد تمتد الى دول تعاني اصلا من حروب داخلية مثل السودان. فالسودان الذي يشهد حربا منذ ابريل 2023 يواجه ازمة انسانية تعد من الاسوأ عالميا، مع نزوح ولجوء يطال اكثر من 12 مليون شخص وفق تقديرات اممية، وانكماش اقتصادي حاد وتراجع في الايرادات العامة. اي ارتفاع كبير في اسعار الوقود والغذاء عالميا سيزيد الضغوط على المالية العامة وعلى معيشة المواطنين، كما ان انشغال المجتمع الدولي بازمة كبرى في الخليج قد يقلل من الاهتمام السياسي والاعلامي والانساني بالوضع السوداني، ويضعف تدفقات المساعدات. كذلك قد تتسع شبكات التهريب عبر البحر الاحمر والقرن الافريقي في ظل الفوضى الاقليمية، بما في ذلك تهريب السلاح والذهب، وهو ما يفاقم هشاشة الوضع الداخلي.

تكمن خطورة اي حرب شاملة في غياب تصور واضح لليوم التالي. فاسقاط نظام قائم منذ اكثر من 45 عاما دون وجود بديل منظم ومتفق عليه قد يفتح الباب امام فراغ سلطة واسع، خاصة في دولة بحجم ايران ومساحتها التي تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع. وفي ظل الطابع الايديولوجي للنظام وارتباطه بشبكات عابرة للحدود، ليس من المستبعد استمرار اشكال من المقاومة او الصراع غير المتماثل حتى في حال تغير القيادة المركزية. كما ان مواقف قوى كبرى مثل روسيا والصين ستظل عاملا حاسما، سواء عبر مواقف معلنة في مجلس الامن او عبر دعم غير مباشر يحكمه ميزان المصالح الاستراتيجية في منطقة تعد من اهم مناطق الطاقة والممرات البحرية في العالم.

بناء على ما سبق، فان اي تصعيد عسكري واسع لن يكون حدثا معزولا، بل نقطة تحول قد تعيد تشكيل التوازنات الاقليمية والدولية لسنوات طويلة، مع كلفة اقتصادية مباشرة قد تقدر بمئات الملايين من الدولارات يوميا، وكلفة غير مباشرة اكبر بكثير على الاستقرار والتنمية في منطقة تعاني اصلا من هشاشة بنيوية عميقة.

mnhassanb8@gmail.com

عن د. حسن بشير

د. حسن بشير

شاهد أيضاً

اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)

أ.د. حسن بشير محمد نور كان سيد انسانا حقيقيا بسيطا جدا مليئا بالحب والجمال وكان …