حول تساؤل د. ناهد محمد الحسن أين ذهب الرفاق؟

صديق الزيلعي
كتبت الدكتورة ناهد محمد الحسن، خمس مقالات متميزة، بعنوان أين ذهب الرفاق؟ سأجتهد لأتحاور مع اطروحاتها. وأبدأ بالإشادة بالطرح العقلاني، والروح الموضوعية في التعامل مع المسألة، التي اتسمت بها المواضيع. وكنت أتمنى أن تقابل بفتح حوار عام، يتسم بنفس مستوى الطرح الجاد. فواقع اليسار حاليا، ومآلاته، قضية عامة تهم كل القوي التي تعمل من اجل التغيير الاجتماعي الحقيقي في بلدنا. فاليسار جزء أصيل من مكونات بلادنا السياسية والثقافية والاجتماعية. وأشعر بالحزن لأن دعوة ناهد لحوار حول اليسار العالمي والسوداني، لم تجد الاستجابة التي تستحقها، من حوار مفتوح برؤى متعددة لقراءة تجربته النظرية والعملية.
أقول، منذ البداية، اننا لا نحلل أزمة اليسار، انطلاقا من موقف عدائي، أو رؤية مسبقة خاصة به، وانما نؤمن بأن كل احزابنا وحركاتنا المسلحة، وتنظيماتنا التي تشكل المجتمع المدني، تحتاج ان نضعها كلها، بلا استثناء، تحت مجهر التقييم لإعادة النظر في تجربتها. الهدف من ذلك المساهمة في خلق تنظيمات، حديثة، قوية، ديمقراطية، معبرة بحق عن رؤى عضويتها، وملبية لاحتياجات شعبنا، في السلام والديمقراطية والعدالة.
واطار السعي لتقديم مساهمتنا، لتحقيق ذلك الهدف المهم، بادرنا بتنظيم ندوات، تحت عنوان المراجعات الفكرية للأحزاب والحركات السودانية. استضفنا فيها الدكتور محمد بدر الدين للحديث عن مراجعات المؤتمر الشعبي، والأستاذ ياسر عرمان عن مراجعات الحرة الشعبية، والباشمهندس امام الحلو عن مراجعات حزب الامة. وأيضا الدكتورة دلال عبد العال عمر في قراءة نقدية لرؤى وبرامج الأحزاب الاقتصادية. وستقدم بقية الأحزاب والحركات تباعا.
بدأت الدكتورة ناهد مقالها الأول، بفقرة مفتاحية، تعكس رؤيتها ومدخلها للقضية المطروحة. كتبت ما يلي:
” هناك شيء مُحيِّر في التاريخ الإنساني: أجمل الأفكار تسقط حين تغادر الكتب. لا يهم إن كان اسمها الماركسية، أو الإسلام السياسي، أو الليبرالية، أو النسوية الراديكالية، أو حتى الحركات الروحية والصوفية. تبدأ الفكرة نيِّرة، مشتعلة بالعدل والحرية والخير، ثم ما تلبث أن تتعثّر، أو تتخشّب، أو تتحوّل إلى شيء آخر تمامًا “.
أعتقد ان في هذه الفقرة، تعميم غير دقيق. فهي تطرح، في صيغة إطلاقيه، ان كل النظريات بكل تنوعها، وطريقة الـاسيس أو التنظير لها، وأصولها المعرفية، تصطدم بالواقع فتنهار، بعد ان تتكلس وتتخشب. فهل نفهم من ذلك ان دعوة ناهد هي لتبني البراغماتية. وهي مذهب امريكي من القرن التاسع عشر، الذي ينبي على مقولة أساسية هي أن معنى الأفكار ومصداقيتها يجب ان تعرف من خلال نتائجها العملية. والمعروف تاريخيا انها تعتبر ردة فعل ضد الفلسفات التقليدية التي ترتكز على المبادئ النظرية المجردة. وتؤمن أن التركيز يجب أن ينصب على التجربة والعمل باعتبارها المعايير لتقييم الأفكار والمعتقدات. وقد لخص الفيلسوف التربوي جون ديوي البراغماتية بأنها معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، فهي تدع الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وانه ليس هناك حق او حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع.
أتفق مع الدكتورة ناهد اذا كانت ستقصر حديثها، على تلك النظريات الكلانية، التي ظهرت بعد عصر النهضة في أوروبا، وتحاول تفسير كل شيء، وتقديم رؤية شاملة للتاريخ والاقتصاد والانسان والأخلاق، وغيرها. وتعتقد انها صالحة لكل زمان ومكان. وانها جبت ما قبلها، وأنهت تفسير كل الأسئلة التي جابهت البشرية. وكذلك اتفق على ان أي نظرية او فلسفة هي وليدة الزمان والمكان المحدد. وان الحركة هي قانون أساسي في الحياة، وبالطبع تشمل الفكر. وانه لا يوجد أي شي ثابت، والحكمة الاغريقية الشهيرة القائلة بانك لا تنزل الى الماء مرتين، تحمل قوة رمزية وتعبيرية كبيرة.
خلافي مع طرح دكتورة ناهد، في مقالها الأول من سلسة اين ذهب الرفاق؟ هي اطلاقها احكام عامة، تشمل كل الفلسفات والرؤي والاجتهادات النظرية. وسأضرب بعض الأمثلة، وأستزيد في الحلقات القادمة.
قضية الديمقراطية كمثال، بدأت من دولة المدينة الأغريقية. وكان جوهرها حكم الشعب، ولكنها أبعدت النساء والعبيد. ورغم مرور الاف السنين، وتعدد الازمان والأنظمة، لا تزال الديمقراطية، بجوهرها المتفق عليه سائدة ومستمرة حتى يومنا هذا. فقد حدث تطور حقيقي في الميكانزيم الذي تطبق به حتى يتحقق حكم الشعب. كما انها أعطيت عدة أسماء كالديمقراطية الشعبية، والديمقراطية الموجهة، والديمقراطية الليبرالية، ولكنها أجمعت على الاتفاق انها من اجل حكم الشعب. واليوم، وفي البلدان التي تبنت الديمقراطية الليبرالية، فنجد نموذج وست منيستر البرلماني، يختلف عن النظام الرئاسي، وحتى الرئاسي الأمريكي يختلف عن الرئاسي الفرنسي. ولكنها كلها تجمع على انها اشكال لتحقيق حكم الشعب.
المثال الثاني هو الرأسمالية، التي مرت بعدة مراحل وتحولات، من شكل بسيط مبني على المنافسة الحرة (دعه يمر دعه يكسب)،ووصلت الى اشكال معقدة الي مرحلة الاحتكارات والشركات عابرة الحدود، ورغم كل التطور لا يزال جوهرها متماسكا وهو مبني على الملكية الفردية والسوق.
هذا باختصار بعض القضايا حول المقال الأول، في المقالات اللاحقة، سأركز على مناقشتها للماركسية.

siddigelzailaee@gmail.com

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الحوار مع د. ناهد: أزمة المثقف والحزب الشيوعي

صديق الزيلعييتواصل الحوار مع الدكتورة ناهد محمد الحسن حول مقالها الهام: أين ذهب الرفاق؟ وتعرض …