حوّل الوعي الحداثي: من حكايات العم حسن الطيب عدلان إلى قراءة نقدية في الفصل السادس من كتاب محمود ممداني، دارفور- منقذون وناجون – السياسة والحرب على الإرهاب
صلاح أحمد الحبو
في لحظة بدت وكأنها ترتيب خفي للمعنى قبل أن تتشكل الفكرة، أرسل إليّ الصديق الدكتور محمد حسن عدلان تسجيلات صوتية لوالده، العم حسنالطيب عدلان، يحكي فيها عن بدايات تشكّل الدولة السودانية الحديثة، في سنوات الاستقلال الأولى وما تلاها. كانت الحكايات تنبض بتفاصيل الحياة اليومية، لكنها في عمقها كانت تؤرخ لوعيٍ يتشكل، لا لدولةٍ فقط.
لم تكن تلك المصادفة معزولة؛ إذ كنت قد جلست إلى العم حسن من قبل، وفكرت جدياً في تسجيل حلقة بودكاست معه، بوصفه شاهداً على زمن التأسيس. وفي ذات اليوم 24 مارس 2026م، نشر البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوكمقالاً بعنوان «إعادة التفكير في تشكّل الدولة السودانية»، قدّم فيه قراءة نقدية لفصل ممداني حول السودان في كتابه «Neither Settler nor Native». وكأن الحكاية الشفاهية والقراءة الأكاديمية تلاقتا لتطرحا السؤال ذاته: كيف تشكّل الوعي الذي صاغ الدولة؟
وفي السياق نفسه، أرسل إليّ الدكتور أمجد سلمان كتاب ممداني الآخرSaviors and Survivors: Darfur, Politics and the War on Terror، في إطار حوارنا المستمر حول الوعي الجمعي. وقد وعدته أن أكتب قرائتي حوله، فكان أن اتجهت إلى الفصل السادس المعنون بـ «بناء الأمة والدولة في السودان المستقل»، حيث يفتتح ممداني تحليله بعبارة تأسيسية:
“إن الجدال بشأن التغيير الاجتماعي الاقتصادي في السودان المستقل جرى داخل إطار من التنافس بين التقليد والحداثة ويورد(ص 216) أن الخصومة بين المدافعين عن التقليد وأنصار الحداثة – لا مجرد التنافس الانتخابي بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة – هي التي أحدثت انقسام السياسة السودانية بين السياسة البرلمانية المدنية وسلسلة الانقلابات العسكرية”
ومن هنا يبدأ هذا المقال: لا بوصفه قراءة للنص فحسب، بل محاولة لربط حكايات الذاكرة بـ تحليل النظرية، في أفق سؤال مركزي:
أين حضر الوعي الحداثي في تحليل ممداني، وأين غاب؟
غير أن قبل الدخول في بنية التحليل، تفرض حكايات العم حسن الطيب عدلان نفسها، لا كاستدعاء نوستالجي، بل كمصدر معرفي موازٍ، يكشف كيف كان الوعي يتشكل في الشارع، لا في النصوص وحدها:
حكايات العم /حسن الطيب عدلان:
“في ميدان الاهلية جنب بيت أزهري في ليلة سياسية تحدث فيها محمد نور الدين وكانت الليلة السياسية بمناسبة (اندماج) السيدين ، السيد عبد الرحمن المهدي حزب الأمة القومي والسيد علي الميرغني حزب الشعب الديمقراطي ، عايزين يندمجوا عشان يسقطوا ازهري ، ومحمد نور الدين كان عايز يفهمنا إنواندماج السيدين لصالح البلد، مسك المكرفون وبدا يتكلم اسمعوا يا شعب -اندماج السيدين يعني مثلا لو جبنا فجل وقطعنا معاه جرير وقطعنا طماطم وعجور يبقى شنو موجها حديثه للشعب نحنا عارفنوا داير يقول شنو ،قلنا ليهو يبقى سلطة لما زهج مننا قال مثال تاني بيتنا والبيت التاني بيناتم حيطة ،قمنا هدينا الحيطة بحصل إيه ، ونحنا بيغادي يحصل خراااااب ، خراب إيه يحصل اندماج، آخر حاجة لما زهج مننا قال لينا انتو ماح تفهموا وقال مازحاً:(انتو حثالة البشر وفرملة الشعوب) وكان دي أول مرة اسمع فيها العبارة دي ،ونحن كنا ما راضين اندماج (حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي)لما يندمجوا عايزين يسقطوا أزهري في الانتخابات في الدائرة ١٣٠، آها ازهري ما سقط، فاز، وكانوا دايرين يسقطوا ازهري عشان هو وطني اتحادي ،والختمية كانواحزب الشعب الديمقراطي ،اتآمروا مع حزب الأمة القومي عشان يسقطوا ازهري ،ونحنا رفضنا التآمر في الليلة السياسية ،ولما بكرة الانتخابات فوزنا ازهري ، (ياولاد ام كدي فاز ازهري )، دي مرة في الشارع جنب بيت ازهري بتغني لما ازهري فاز ، دلاليكن وهناي وغنن (حد الجخ وقف وفزنا بالشرف)، وفعلا فاز ازهري!
ياخ ديل …، واستطرد قائلا: والليلة السياسية الزمان أوصفها ليك كيف لكن!-مثلا الوطني الاتحادي عنده ليلة سياسية بجو أعضاء الحزب يتكلموا في المنصة ويوروا سياسة الحزب شنو ح نعمل كدا وح نعمل كدا -البرنامج بتاع الحزب وناس حزب الأمة برضوا بجو يقيفوا بقولوا نفس الكلام انو ح يعملوا وح يعملوا ،المهم -انو ما فوزناهم ونحنا اساساً ما دايرين نفوزهم ، ليه لأنوااساساً ما تبعنا ، ناس حزب الأمة بتكلموا عن الانصار والمهدية وناس حزب الشعب الديمقراطي بتكلموا عن المراغنة ،والسيد علي والسيد حسن ،وناس ازهري بتكلموا عن (الوطن) قالها بنبرة صوت صارمة ،ازهري بقيف في النص بقول ليهم يا إخوانا (الحرية نور ونار من أراد نورها فليكتوي بنارها)، وعن وضع البلد زمان وكانت ماشه كيف استطرد في الحكي قائلا: يا زول يا زولالسودان كان بقولوا عليهو بلد الحضارة -القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرا ، يا زول يا زول ، مثقفين كنا مثقفين خلوة ومثقفين مدرسة ،الله اكبر ، يا حليلنا في ها الزايلة، أوع تقول لي المثقفين زمان ما عملوا حاجة ،(ما عملوا حاجة كيف؟) ،ناس أخدوا استقلالهم من دولتين مستعمرة ،وطلقة واحدة اتفكت ما في ،دي ما حاجة -دولتين (جره)/طلع ليهم أعلامهم من القصر الجمهوري وسلمهم لي مندوبيهم -طلقة واحدة اتفكت في البلد دي ما في تجي تقول لي السودان ما عملوا حاجة ، الحاجة التانية -ميزانية السودان في الاستقلال عملها مأمون بحيري (سمعتا بيها)تقريبا قدرها ب ٤٠ الف جنيه،دي ميزانية السودان كله عملها مأمون بحيري كان وزير مالية ، كان وقتها المحجوب رئيس الوزراء ويكفي انه الدول العربية كلها اختارتوا يتكلم في الأمم المتحدة باسمها لما ألقى الخطاب- الإنجليز على اليهود على الهنود على الهناي مشوا يفتشوا في القاموس لغته الألقاها ،والله جد قالها ضاحكا ،ناس فاهمين كانوا،الله اكبر ،الله اكبر السودان يا حليلو السودان ما انتهى زمان “!
هذه الحكاية، على بساطتها الظاهرية، تكشف ما هو أعمق من مجرد موقف سياسي عابر؛ إنها تكشف عن وعي حداثي شعبي في طور التشكّل.
فالناس، كما يروي ويرى العم حسن، لم يكونوا متلقين سلبيين لخطاب النخب، بل كانوا يمارسون نقدهم الخاص:
•رفضوا “الاندماج “حين رأوه تآمراً سياسياً لا مشروعاً وطنياً
•ميّزوا بين خطاب الطائفة (الأنصار والختمية) وخطاب الوطن
•وانحازوا إلى فكرة “الوطن” كما عبّر عنها الأزهري
وهنا تتجلى المفارقة التي يفتحها النص الشفاهي على تحليل ممداني: فبينمايرى محمود ممداني أن الصراع كان بين التقليد والحداثة داخل بنية الدولة، تكشف الحكاية أن هذا الصراع كان أيضاً صراع وعي داخل المجتمع نفسه.
من هذه الزاوية، يمكن إعادة قراءة أطروحة ممداني. فهو محق في تشخيصه أن الدولة السودانية ورثت بنية استعمارية مزدوجة: مركز حديث وهامش تقليدي، وأن الصراع بين أنصار التقليد والحداثة أسهم في انقسام المسار السياسي. لكنه، في المقابل، لا يمنح المساحة الكافية لما تكشفه هذه الحكايات:
أن الوعي الحداثي لم يكن غائباً، بل كان حاضراً في الشارع، لكنه لم يتحول إلى مشروع مؤسسي مستدام.
وهنا يمكن تحديد محطات حضور الوعي الحداثي في تحليل ممداني، مقرونة بما تكشفه الحكاية:
•حين يفكك ممداني القبيلة بوصفها منتجاً استعمارياً، فإنه يمارس وعياً حداثياً نقدياً، لكن الحكاية تكشف أن الناس كانوا قد بدأوا عملياً في تجاوز هذا الإطار حين انحازوا للوطن لا للطائفة.
•وحين يطرح الانتقال من الهوية إلى الحقوق، فإن ذلك يجد صداه في موقف شعبي يرفض التآمر السياسي باسم الطوائف.
•وحين ينقد السرديات الدولية حول دارفور، فإنه يواصل خطاً حداثياً نقدياً، لكنه يبقى في مستوى التحليل، لا في مستوى إعادة بناء الوعي.
أما حدود هذا الوعي في تحليل ممداني، فتتجلى بوضوح عند مقارنته بالحكاية:
•يغيب تحليل كيف يتشكل الوعي الجمعي، رغم حضوره الحي في التجربة.
•وتظهر الحداثة كأداة تفكيك، لا كمشروع بناء، بينما تكشف الحكاية أن الناس كانوا يبحثون عن مشروع وطني، ولو intuitively
•كما تغلب الحتمية البنيوية، في حين تؤكد الحكاية دور الفاعل الشعبي في ترجيح كفة خيار على آخر.
وهنا تلتقي قراءة أحمد إبراهيم أبوشوك مع هذا المنظور، إذ تحاول إعادة الاعتبار للتجربة السودانية من داخلها، لا بوصفها مجرد انعكاس للبنية الاستعمارية. غير أن ما تضيفه حكايات العم حسنهو بعد ثالث:
بعد الوعي الحي، الذي لا يظهر في النصوص، لكنه يحكم مسار التاريخ.
إن الربط بين نصوص ممداني وحكايات العم حسن الطيب عدلان يقودنا إلى خلاصة جوهرية:
أن أزمة السودان لم تكن فقط أزمة بنية دولة، بل أزمة تحويل وعي.
لقد كان الوعي الحداثي حاضراً:
•في الشارع
•في لحظة الاستقلال
•في الانحياز للوطن
لكنه لم يكتمل:
•كمؤسسات
•ولا كمشروع وطني جامع
وفي الختام فإنني قرأتُ ما كتبت انحيازاً لشعار أتبناه في مقالتي – نحو وعي حداثي مُنتَج حيث يُظهر ممداني أن السودان لم يفشل لأنه تقليدي، بل لأنه لم يُنجز حداثته، لكن حكايات العم حسن تضيف بعداً حاسماً: أن هذه الحداثة لم تكن غائبة بالكامل، بل كانت موجودة كوعي، وغائبة كمشروع، ومن هنا، فإن التحدي ليس في استيراد الحداثة، ولا في نقدها فقط، بل في:تحويل الوعي الحداثي من تجربة معيشة إلى مشروع مؤسسي ومن ذاكرة متفرقة إلى سردية وطنية جامعة. وهكذا، لا تعود الحكاية مجرد ماضٍ يُروى، بل تصبح سؤالاً مفتوحاً:
كيف نحوّل ذلك الوعي الذي هتف للوطن في ميدان الأهلية،إلى دولة تُبنى على معنى الوطن ذاته.
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم