حيدر طه يا كمين بشر .. بقلم: اباهيم علي ابراهيم

صحي الموت سلام .. ما يغشاك شر ..
———————————
.. كيمياء الروح .. هذه الأيقونة النادرة التي تجذب الناس بعضهم للبعض الاخر ..
منحها الله للصديق الراحل الصحفي حيدر طه عبد اللطيف عطر الله قبره بفيض من رضوانه بإذنه .. ،  بقدر ما احب الله وأحب خلقة وعطف علي محتاجة ورعي بسطاء الناس وعلم وعالج وقوم ….
كيمياء الروح كانت قاسما مشتركا بينه وبين كل معارفه لأنه جبل علي التسامح والصبر والعطاء ..، وتلك هبات المعطاء لمن اختصهم بقضاء حوائج الناس … . وهو العالم في مجال تخصصه ويحمل مقدرات المفكر في غير ادعاء ولا اعلان ..، وربما من حسن خلقه ان مقدراته الفكرية توزعت لمن حوله ولم يجسدها الا في النذر اليسير من الكتابات .. ، كانت ثمرته في كتابين من التوثيق الصحفي ” الاخوان والعسكر ” والآخر : ”  عندنا يضحك التاريخ ” عن حقبة التظام المايوي .. وغيرها من الدراسات والمحاضرات الموزعة .
بعدما اكمل حيدر دراسته في جامعة الخرطوم التحق بجامعة القاهرة بالخرطوم وهناك جمعنا العمل العام .. وبدأنا مسيرة مشتركة بين الصحافة والاعلام من الجمعات الي الصحف . ، ولم اكن انتوي او أفكر في الصحافة ًولكنه كان  يقول لي انت صحفي فأرد عليه : ” انا ياحيدر جرايدكم دي ما بقراها الا نادرا .. ” ولم نتطرق الي هذا الحديث مطلقا.. حيث كنت طالبا وموظفا في احدي الشركات في ذات الوقت ..
وسافرت اليونان وعبر الاصدقاء خصصت لي احدي الصحف العربية عمودا ساخرا يوميا بعنوان قال الساخر وزارني حيدر هناك .. وتعددت رحلاتنا حول المعمورة … حيث عشنا حصار بيروت ..، وهو الاختبار الأعظم لينا لنكتشف بعضنا البعض علي حقيقتنا ..، وكما يقول علماء النفس اذا أردت ان تعرف الانسان جيدا لأبد لك من ان تقطن معه لفترة ولو ًجيزة ..، ناهيك عن الحرب وأهوالها .. وترسانة الاسلحة الإسرائيلية التي ترمي بحممها وبراكينها علي بيروت صباح مساء لمدة شهرين ..، كان حيدر صبورا رابط الجأش ملتزما تجاه قضاياه التي يؤمن بها .. ، قبل إغلاق بيروت تناقشنا في ان تبقي او نخرج .. فكان رأيه ان نبقي مهما كان الثمن ووافقته الرأي وأغلق المطار  وبقينا وكان هذا مثار تقدير الزملاء والأصدقاء اللبنانيين والفلسطينيين فأوكل إلينا الاستاذ الصحفي الياس سحاب إصدار صحيفة يومية للمقاتلين لكن شاءت ظروف الطباعة دون ذلك . وخرجنا بعد خروج المقاومة الفلسطين بسفينة أبقار حتي الاسكندرية في ظل ملاحقة البوارج الإسرائيلية .
اكتشف في حيدر نقاء روحه الطاهرة وبراءته وتسامحة وغضبه العاصف في غير تعدي او إساءة للآخرين .. ، انه الانسان المتحضر الراقي الذي يندر ان تجد له كثير مثل في هذا الزمن الرديء ..
في محطاته في رحلة العمر القصير قاوم النظم الاستبدادية أوان الحقبة المايوية كان يأخذني لمواقع خطرة محروسة بالأمن او الجيش لنقوم بطباعة المنشورات عبر الآلة الكاتبة والرونيوم  حتي اخر ايام انتفاضة مارس ابريل ١٩٨٥ كنت أختبئ مع صديق في أطراف الخرطوم ويصل إلينا حيدر .. يسيربسيارته الصغيرة في الظلام .. يحمل إلينا الموؤن ويعود بالمنشورات ..ليوزعها لتملأ شوارع الخرطوم .
وقضينا عقد التسعينات في المنفي القاهري .. هروبا من بطش النظام وساهما في كل محالات الاعلام والمراكز وحقوق الانسان وصحيفة الخرطوم حيث ظل حيدر يقدم جهودا جبارة في إمداد الصحيفة بالمواد بحكم مقدراته الفكرية والثقافية في طل ضعف المصادر لصحيفة سودانية تصدر من المنفي . واحدي مشاكله في حياتنا العاصفة هذه الجد والدقة والإتقان في كل عمل يؤديه وفي كل محاضرة يلقيها .
كنا نجلس في احد مقاهي اللاجئين بالقاهرة حينما سأل احدهم عن طموحات الإنس بعد العودة الي الوطن  فلزم الجميع الصمت ، فرد عليه حيدر كل طموحاتنا ان نعود الي اهلنا و ًبيوتنا وصحفنا ..فضحك صاحب السؤال ساخرا من العودة للعمل في الصحف.
رحم الله صديقي الحبيب كان اكثر من اخ وأستاذ تعلمت منهما كما  تعلم ابناء الجيل الذين عاصروه . وهو بحر واسع لا يدمه الا من عايشه عن قرب ..، تقول زوجته الصدي العزيزة اماني لقمان ان اكثر ما يخزنها انها ظلت تبحث عن كلمة واحدة اغضبها بها فلم تجد شيئا .
وهذا ما يضاعف حزنها . لها الكريم المعطاء دعاءنا لها ان ينزل علينا الطمأنينة واليقين هي وزهراننا امل ومريم وكلاهما يتميزون بالكثير من سمات وصفات حيدر الهدوء والوداعة والصمت والعاطفة الطاغية .
اللهم ارحم حيدر بقدر حبه للناس والسودان وبقدر تضحياته وعطاءه في غير من ولا آذي .. نم في سلم يا حبيبنا .. بملأ ما حزن عاصف لفراقك ..وداعا يا صديقي وحتي نلتقيك لك الرحمة والمغفره من كريم مقتدر رحيم وانا لله وانا اليه راجعون .
اباهيم علي ابراهيم
ايوا سيتي .
aliibrahim1958@msn.com
//////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً