حينما تحولت الدولة السودانية إلى غنيمة بيد الإسلامويين (1989–2025)

لم يكن فساد النظام الحاكم في السودان نتاج أفراد عابرين أو خللًا طارئًا في سير الدولة، بل كان بنية راسخة قامت عليها منظومة الحكم منذ أن استولت الحركة الإسلامية على السلطة عبر انقلاب 1989. ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن المشروع الإسلامي سوى واجهة أيديولوجية لتبرير التمكين السياسي، إذ تم تقويض مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات في يد جماعة واحدة احتكرت القرار والثروة والرمزية الوطنية باسم الدين، واحتكرت معها تعريف الوطنية والشرعية.
تجلّى أول مظاهر هذا الفساد في تحويل الدولة إلى غنيمة سياسية. فبدلًا من بناء مؤسسات وطنية محايدة تخدم الجميع، عمد النظام إلى زرع الولاء الحزبي داخل أجهزة الدولة، فتم تهميش الكفاءات وتجيير الوظائف العامة لخدمة أعضاء الحركة، ما أدى إلى تفكيك الإدارة السودانية وإفقارها معرفيًا ومهنيًا. أصبحت الخدمة المدنية مساحة للمحسوبية وتبادل الامتيازات، لا أرضًا للعدالة والكفاءة، مما عمّق فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وأضعف الإحساس العام بالانتماء إلى مؤسسات يفترض أنها تمثل الجميع.
أما المال العام، فقد تحوّل إلى مورد خاص تديره شبكات مرتبطة بمراكز النفوذ داخل النظام. برزت شركات تابعة لأجهزة أمنية أو واجهات دينية سيطرت على القطاعات الحيوية، من الذهب إلى الاتصالات، في ظل غياب أي رقابة مؤسسية. التقارير الصادرة عن ديوان المراجعة القومي في تلك السنوات كانت بمثابة صرخة في الفراغ، إذ كشفت عن تجاوزات مهولة دون أن تقابل بأي مساءلة حقيقية، وكأن القانون قد أُفرغ من معناه. انتشرت مؤسسات التنظيم وشركاته في كل بقاع السودان، خارج المظلة الضريبية والرقابية، بل وكأنها خارج الحدود الوطنية، مثل مؤسسة الفداء للإنتاج الإعلامي، مؤسسة الخدمة الإلزامية، منظمة الشهيد، الدفاع الشعبي، ومنظمة الدعوة الإسلامية. كانت تلك عربدة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ السودان، حيث تماهت الدولة مع التنظيم، وتحوّل الاقتصاد الوطني إلى شبكة مغلقة من الامتيازات.
ولم يكن القانون بمنأى عن هذا الانهيار، بل كان أداة لحماية الفاسدين. فقد سُنّت قوانين مثل “التحلل” التي مكنت المجرم من الإفلات من العقاب بمجرد ردّ جزء من المال المنهوب، وكأن الجريمة تُغتفر بثمن. القضاء الذي يُفترض أن يكون الحصن الأخير للعدالة تم إخضاعه، وأُفرغ البرلمان من دوره الرقابي، مما حول الدولة إلى ساحة طليقة للفعل السلطوي بلا كوابح. الأخطر من ذلك أن هذا الفساد لم يكن مدنيًا أو سياسيًا فحسب، بل أُلبس عباءة الدين. صيغت خطب وفتاوى تُبرر الحُكم وتدعم القمع، حتى أُشيع أن معارضة النظام معارضة للإسلام ذاته. هذا التداخل بين السياسي والمقدّس جعل مقاومة الفساد معقّدة ومشحونة بالخوف، وخلق طبقة من “رجال الدين الرسميين” الذين تولّوا مهمة تسويغ المظالم وإضفاء القداسة على الاستبداد.
لم تقتصر آثار هذا التمكين على مؤسسات الدولة، بل تسربت إلى نسيج المجتمع نفسه. تفشت ثقافة الانتهازية، وظهرت طبقات طفيلية تستفيد من النظام بينما يعاني أغلب الشعب من الفقر وتدهور التعليم والصحة. حتى القيم الأخلاقية أصابها التشويش، واختلطت معايير الفضيلة بالرغبة في البقاء داخل دوائر النفوذ، أصبح البقاء في السلطة غاية تبرر كل الوسائل، بما في ذلك تزييف الوعي، وتخدير الضمير الجمعي بخطاب ديني مشوّه. لم يكن غريبًا، إذًا، أن تنفجر البلاد بثورة شعبية عارمة في ديسمبر 2018، طالبت بإسقاط النظام لا بإصلاحه، بعدما أدرك الناس أن الفساد في هذا الحُكم لا يُعالج بالمهدئات، بل بالاستئصال الجذري.
إن ما شهده السودان خلال تلك العقود ليس مجرد فصل مظلم في تاريخه السياسي، بل تحذير صارخ من خطورة تديين السياسة وتسويق الولاء كبديل عن الكفاءة. إنه تذكير مرير بأن الدولة التي تُبنى على شعار وتُدار بالمحاباة ستسقط مهما طال زمن الفساد. أما مستقبل السودان، فلا بد أن يُبنى على قيم القانون، والشفافية، والمواطنة، لا على شعارات بُنيت لتُخفي خيانة الأمانة. فالدولة ليست غنيمة، ولا الدين درعًا للاستبداد، وإنما عقد اجتماعي لا ينهض إلا على العدل والمساءلة والكرامة الإنسانية هذا ما نسعى إليه بقوة الفكر والمعرفة والعمل الجاد حتى تحين الفرصة، إن الفعل الثوري أبدا لم يتوقف وسيستمر حتى تحقيق تطلعات أهل السودان قاطبة.
khssen@gmail.com
خالد ابواحمد

عن خالد ابواحمد

خالد ابواحمد

شاهد أيضاً

الإسلامويون وحرب السودان: الإشعال ثم الإنكار واتهام المكوّن المدني

khssen@gmail.comخالد أبوأحمد الحرب التي انفجرت في السودان في أبريل 2023 جاءت تتويجًا لمسار طويل من …