د. خالد البلولة
كثُر اللغط حول اختيار الطالبة الأولى في الشهادة السودانية للعام 2026 ,الالتحاق بجامعة خاصة،بدلاً من أن تختار جامعة الخرطوم، وكأنها ارتكبت خطأً يستوجب المساءلة، أو اتخذت قراراً لا يحق لها اتخاذه!
أولاً:- أليس من حقها أن تختار الجامعة التي ترغب في الدراسة بها،وفقاً لقناعاتها وحساباتها الخاصة؟وهل أصبحت الدراسة في جامعة غير جامعة الخرطوم سُبّةً أو انتقاصاً من قدر الطالب الذي لا يختار جامعة الخرطوم ؟؟!
أعتقد أن هناك مبررات عديدة لاختيار جامعة دون أخرى، فالأمر لا يتعلق بالضرورة بترتيب الجامعة أو مكانتها التاريخية، وإنما قد تحكمه اعتبارات شخصية واقتصادية وأكاديمية وعملية، وأحيانا لدوافع عاطفية ،فكثير من الطلاب (خاصة أبناء هذا الجيل )يختارون جامعاتهم بناءً على رغباتهم وتقديراتهم الخاصة، وهذا حق مشروع لا ينبغي أن يكون موضعاً للانتقاد أو التشكيك.
ثانياً :-إن اختيار جامعة بعينها ..قد يرتبط بالرغبة في دراسة تخصص بعينه، لا يتوفر في جامعة أخرى، أو يتوفر فيها بصورة مختلفة. فدراسة الصحافة،على سبيل المثال،ارتبطت في فترات سابقة بجامعة أم درمان الإسلامية،وارتبطت دراسة الدراما والمسرح والموسيقى بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، والفنون الجميلة بالمعهد الفني. وتخصص الأشعة والتربية الرياضية وهي أمثلة تؤكد أن التخصص والرغبة فيه قد يكونان العامل الحاسم في اختيار المؤسسة التعليمية.
(٢)
هل قيمة التعليم في اسم الجامعة التي يتخرج فيها الطالب،أم في المعرفة والمهارات والخبرات التي يكتسبها،والأثر الذي يتركه بعد التخرج؟
لا أحد ينكر مكانة جامعة الخرطوم وتاريخها العريق وإسهامات خريجيها،لكن الاعتراف بهذه المكانة لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من الجامعات السودانية الأخرى، أو إلى ترسيخ اعتقاد بأن التفوق والنجاح حكرٌ على خريجي جامعة بعينها.
فالجامعات ،مؤسسات تعليمية تتفاوت في إمكاناتها وبرامجها وبيئاتها الأكاديمية ويظل الحكم عليها مرتبطاً بمعايير علمية وموضوعية،ليس بالانتماء إليها.
(٣)
لقد عرفنا في مجتمعاتنا أشكالاً متعددة من العصبيات، سواء كانت قبلية أو جهوية أو إثنية، ويبدو أننا أمام شكل جديد يمكن أن نطلق عليه العصبية (الأكاديمية)أو العصبية (الجامعية)حيث يتحول الانتماء إلى جامعة بعينها إلى معيار للحكم على الآخرين، وكأن اسم الجامعة وحده يمنح صاحبه صك التفوق والتميز.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا:
ما الذي يعيب الجامعات السودانية الأخرى ،ما دامت تعمل ضمن منظومة التعليم العالي،وتخضع لمعايير الاعتماد الاكاديمي والضوابط المعمول بها؟
وهل يُختزل مستقبل الطالب في اسم المؤسسة التي يدرس فيها، أم فيما يقدمه من علم وعمل وإبداع بعد التخرج؟
إن الطالبة الأولى في الشهادة السودانية تستحق التهنئة على تفوقها، كما تستحق الاحترام على اختيارها، أياً كانت الجامعة التي قررت الالتحاق بها..
