باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 6 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
هشام عثمان
هشام عثمان عرض كل المقالات

حين تتغير موازين السلطة: الانتخابات الأمريكية والدروس الغائبة في التجربة السودانية

اخر تحديث: 6 نوفمبر, 2026 12:00 صباحًا
شارك

د. هشام عثمان

لا تكمن الأهمية السياسية للانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 في فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مجلسي الكونغرس فحسب، ولا في حجم الخسارة التي مني بها الجمهوريون في معاقل انتخابية ظلت زمناً طويلاً محسوبة عليهم، وإنما في الدلالات الأعمق التي تكشفها هذه الانتخابات عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وعن قدرة النظام السياسي على استيعاب التحولات الاجتماعية وإعادة إنتاج توازناته دون أن ينهار الإطار المؤسسي للدولة. لقد خسر الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب أغلبيته في المجلسين، في انتخابات تأثرت بعوامل اقتصادية وسياسية، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب مع إيران، والرسوم الجمركية، ومخاوف الناخبين من الفساد واتساع سلطة الرئاسة. لكن اختزال النتيجة في عقاب انتخابي للرئيس لا يكفي لفهم ما جرى؛ فثمة تحولات اجتماعية وسياسية أوسع ظهرت في حركة التصويت، وفي تبدل مواقف قطاعات من الشباب واللاتينيين والسود والناخبين ذوي الدخول المنخفضة والمعتدلين. وهذه التحولات تجعل الانتخابات أكثر من مجرد منافسة بين حزبين؛ إنها لحظة يعيد فيها المجتمع التعبير عن نفسه وعن مصالحه ومخاوفه وتوقعاته من السلطة.

تنبع إحدى أهم دلالات التجربة الأمريكية من أن المجتمع ليس كتلة سياسية ثابتة، وأن التحالفات الانتخابية ليست هويات أبدية. فالناخب الذي منح صوته لترامب في انتخابات 2024 ليس ملزماً بأن يظل في المعسكر السياسي نفسه في 2026. والقطاعات الاجتماعية التي تتحرك بين الأحزاب لا تفعل ذلك بالضرورة نتيجة تحول أيديولوجي كامل، وإنما قد تستجيب لتغير أوضاعها الاقتصادية، أو لتقييمها أداء الحكومة، أو لشعورها بأن السلطة لم تعد تستجيب لأولوياتها. وقد أظهرت استطلاعات الناخبين أن الشباب اتجهوا بقوة نحو المرشحين الديمقراطيين، وأن قطاعات واسعة من الناخبين اللاتينيين والسود والناخبين ذوي الدخول المنخفضة ابتعدت عن الجمهوريين مقارنة بانتخابات 2024. كما برزت مسألة التوازن والرقابة على السلطة التنفيذية ضمن دوافع التصويت لدى قطاعات من المعتدلين. وهذا يعني أن الخريطة السياسية الأمريكية ليست صورة جامدة، وأن ما يبدو في لحظة معينة تحالفاً اجتماعياً مستقراً يمكن أن يعاد تشكيله بفعل التحولات الاقتصادية والثقافية والسياسية.

هذه النقطة مهمة لأنها تصحح فهماً شائعاً عن الولايات المتحدة، مفاده أن مؤسساتها ونظامها السياسي وسياساتها ثابتة لا تتغير، وأن ما يجري في الانتخابات لا يتجاوز تبادل المواقع بين الحزبين. الصحيح أن هناك قدراً من الاستمرارية في المصالح الاستراتيجية الكبرى وفي بنية الدولة ومؤسساتها، لكن هذه الاستمرارية لا تعني الجمود. فالمجتمع الأمريكي يتغير، والتحالفات الاجتماعية تتبدل، وموازين القوى داخل المؤسسات تتأثر بهذه التحولات. وقد تتغير السياسات العامة وأولويات الإنفاق والرقابة والتمثيل، حتى عندما تظل بعض الثوابت الاستراتيجية قائمة. إن الدولة ليست شيئاً خارج التاريخ، والمؤسسات ليست قوالب صماء؛ إنها ساحات تتفاعل داخلها القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتعيد تشكيل علاقاتها باستمرار.

ولعل الدرس الأعمق هنا هو أن الديمقراطية لا تصحح نفسها بصورة آلية أو سحرية، وإنما تتيح للمجتمع أدوات تصحيح مسار السلطة. فالانتخابات لا تمنع وقوع الأخطاء، ولا تحول دون صعود حكومات تتخذ قرارات ضارة أو تتبنى سياسات مثيرة للانقسام. لكنها تمنح المواطنين فرصة لمراجعة خياراتهم ومحاسبة من يحكمهم. وتكتمل هذه القدرة بوجود مؤسسات تشريعية ورقابية وقضائية مستقلة، وصحافة حرة، ومجتمع مدني قادر على التنظيم والتأثير. لذلك فإن فوز الديمقراطيين بالكونغرس لا يعني أن الرئيس فقد منصبه أو أن كل سياساته أصبحت قابلة للإلغاء، لكنه يعني أن سلطته ستواجه توازناً مؤسسياً جديداً، وأن إدارته لن تتمتع بالمساحة السياسية نفسها التي كانت متاحة لها عندما كان حزبه يسيطر على المجلسين.

وهنا ينبغي تصحيح مفهوم آخر: الانتخابات النصفية ليست انتخابات لاختيار رئيس جديد، ولا تعني أن الرئيس أصبح معزولاً سياسياً أو دستورياً بمجرد خسارة حزبه للأغلبية. فترامب يظل رئيساً حتى نهاية ولايته، ويحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة، وبحق النقض على التشريعات. لكن الكونغرس الجديد يستطيع ممارسة الرقابة والتحقيق، واستدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، والتأثير في التعيينات والإنفاق والتشريعات. كما يمكن أن تتحول مسألة المساءلة إلى إجراءات عزل إذا ظهرت أسباب دستورية وأدلة تستدعي ذلك، غير أن توجيه الاتهام من مجلس النواب لا يعني العزل الفعلي؛ إذ يتطلب الأمر إدانة في مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين. وبذلك فإن قدرة النظام على محاسبة الرئيس لا تختزل في إبعاده من المنصب، بل تشمل أيضاً الحد من سلطته ومراقبة ممارساته وإخضاع قراراته للمؤسسات.

هذه هي الفلسفة السياسية التي يصعب إدراكها عندما ننظر إلى الديمقراطية باعتبارها مجرد صندوق اقتراع. فالديمقراطية ليست لحظة انتخابية تنتهي بإعلان الفائز، وإنما علاقة مستمرة بين المجتمع والسلطة. وهي لا تقوم على افتراض أن من يفوز يملك الدولة، أو أن من يخسر يفقد حقه في المعارضة. بل تقوم على أن السلطة مؤقتة، وأن شرعية الفوز لا تعني امتلاك الحقيقة أو احتكار الإرادة العامة، وأن المعارضة ليست عدواً للوطن، وإنما جزء أصيل من النظام السياسي. يستطيع الحزب أن يخسر الانتخابات دون أن يخسر حقه في الوجود والتنظيم والمنافسة، ويستطيع الحاكم أن يفقد أغلبيته دون أن تنهار الدولة أو تتفكك مؤسساتها. هذه القدرة على الفصل بين مصير الحكومة ومصير الدولة هي من أهم شروط الاستقرار الديمقراطي.

وعندما ننقل هذه الدلالات إلى السودان، نكتشف أن المشكلة تتجاوز غياب الانتخابات المنتظمة أو تعثر الانتقال الديمقراطي. إنها تتعلق بطبيعة تصورنا للدولة والسلطة والسياسة. فقد جرى في التجربة السودانية، عبر مراحل مختلفة، التعامل مع الدولة باعتبارها امتداداً للسلطة الحاكمة، ومع مؤسساتها باعتبارها أدوات في يد الحزب أو الجماعة أو القيادة العسكرية التي تسيطر عليها. وكلما تغيرت السلطة لم يكن التغيير انتقالاً طبيعياً بين حكومات تتنافس داخل مؤسسات مستقرة، وإنما كثيراً ما كان انقلاباً على النظام السابق، أو إعادة توزيع لمواقع النفوذ داخل بنية الدولة نفسها. ولذلك لم تتراكم لدينا تقاليد مؤسسية راسخة تجعل خسارة السلطة أمراً طبيعياً، وتجعل المعارضة حقاً سياسياً لا تهديداً وجودياً.

لقد عانت السياسة السودانية من مفارقة عميقة: القوى التي تتحدث عن الديمقراطية كثيراً ما تتعامل معها بوصفها طريقاً للوصول إلى السلطة، لا منظومة من القواعد والحقوق والضمانات التي ينبغي أن تحكم ممارسة السلطة بعد الوصول إليها. وتتحول الانتخابات في هذا التصور إلى تفويض مفتوح، وتصبح الأغلبية ذريعة لاحتكار القرار، بينما يجري النظر إلى المعارضة باعتبارها عائقاً أمام الاستقرار. وفي المقابل، حين تخسر بعض القوى السياسية موقعها أو تتراجع قدرتها على التأثير، قد تلجأ إلى البحث عن سند خارج المؤسسات، أو إلى الاستقواء بالمؤسسة العسكرية، أو إلى التشكيك في قواعد المنافسة نفسها. وهكذا تصبح الديمقراطية مقبولة ما دامت نتائجها مضمونة سلفاً، ومرفوضة عندما تنتج موازين قوى لا تلائم طموحات الفاعلين السياسيين.

وتتجلى هذه المفارقة بأوضح صورها في علاقة السياسة السودانية بالمؤسسة العسكرية. فالمشكلة ليست فقط في وقوع الانقلابات، وإنما في التصور الذي يجعل الجيش شريكاً طبيعياً في تأسيس السلطة السياسية وإدارتها، بدلاً من أن يكون مؤسسة عامة خاضعة لسلطة مدنية دستورية. لقد أظهرت التجربة أن إدخال الجيش في معادلة الحكم لا يحل أزمة السياسة، وإنما ينقل الصراع إلى داخل مؤسسات الدولة ويجعل التنافس على السلطة صراعاً على امتلاك أدوات القوة المسلحة. وعندما تصبح المؤسسة العسكرية طرفاً في التنافس السياسي، تفقد الدولة أحد أهم شروط حيادها، وتصبح إمكانية التداول السلمي للسلطة أكثر صعوبة.

ومن هنا فإن أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الأمريكية ليس أن نقلد نظامها الدستوري أو الحزبي، وإنما أن نفهم ضرورة الفصل بين الدولة والحكومة، وبين المؤسسة العامة والحزب، وبين الجيش والسلطة السياسية. فالولايات المتحدة نفسها ليست نموذجاً خالياً من التناقضات أو الأزمات، وقد شهدت استقطاباً حاداً وتحديات لمؤسساتها الديمقراطية. لكن وجود آليات لتوزيع السلطة والرقابة والمساءلة يجعل الصراع السياسي قابلاً لأن يدور داخل المؤسسات، بدلاً من أن يتحول بالضرورة إلى صراع على وجود الدولة ذاتها. ولا ينبغي أن نخلط بين قدرة المؤسسات على احتواء الأزمة وبين اختفاء الأزمة؛ فالمؤسسات الديمقراطية لا تلغي التناقضات الاجتماعية، وإنما توفر إطاراً سلمياً لإدارتها والتفاوض حولها.

والأهم أن الانتخابات الأمريكية تكشف أن التغيير السياسي لا يأتي دائماً من داخل النخب الحزبية وحدها، بل يتأثر بالحراك الاجتماعي وبقدرة قطاعات المجتمع على التعبير عن مصالحها. فالتحولات في تصويت الشباب والطبقات الأقل دخلاً والمجموعات الاجتماعية المختلفة ليست مجرد أرقام انتخابية، وإنما إشارات إلى تغيرات في الوعي والمطالب والتوقعات. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً أمام السودان: أين توجد القوى الاجتماعية التي يمكن أن تحمل مشروعاً ديمقراطياً يتجاوز التنافس على المناصب؟ وكيف يمكن تحويل التعدد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في السودان إلى قاعدة لمشروع وطني جامع، بدلاً من أن تظل هذه التعددية مادة للتعبئة المناطقية والجهوية والإثنية والاستقطاب السياسي؟

إن المجتمع السوداني ليس أقل حركة أو تنوعاً من المجتمع الأمريكي، لكنه عاش تاريخاً طويلاً من اختلال توزيع السلطة والثروة والفرص، ومن تهميش قطاعات واسعة من السكان، ومن احتكار المركز السياسي والاقتصادي لمفاتيح الدولة. لذلك لا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة عبر اتفاق بين النخب وحدها، ولا عبر تقاسم المواقع بين القوى التي تمتلك السلاح أو النفوذ. فالديمقراطية التي لا تمس علاقات القوة الاجتماعية والاقتصادية قد تتحول إلى واجهة انتخابية تعيد إنتاج الهيمنة القديمة. ولا يكفي أن نمنح المواطنين حق التصويت إذا ظلت قدرتهم الفعلية على التأثير في القرار العام محدودة، وإذا بقيت مؤسسات الدولة والموارد الاقتصادية وأدوات القوة خارج نطاق المساءلة الشعبية.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل الحرب الراهنة. فالحرب السودانية ليست مجرد مواجهة بين قيادتين عسكريتين، ولا يمكن فهمها بوصفها خلافاً شخصياً أو تنافساً على السلطة بمعزل عن تاريخ الدولة وبنية مؤسساتها وعلاقات القوة داخل المجتمع. إن محاولة استعادة الدولة عبر إعادة إنتاج الهيكل السياسي والعسكري الذي ساهم في إنتاج أزمتها لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، بل قد تعني استعادة شروط الأزمة نفسها. فالدولة لا تستعاد بانتصار طرف مسلح على آخر، وإنما بإعادة تأسيسها باعتبارها مؤسسة عامة لا غنيمة لقوة عسكرية أو حزب أو جماعة اجتماعية. ومن دون هذا التحول ستظل الحرب قابلة للتجدد، حتى إذا توقفت جولة القتال الحالية.

وفي هذا السياق، تكتسب التحولات الأمريكية أهمية إضافية، لكن من الخطأ الاعتقاد بأن تغير الأغلبية في الكونغرس سيؤدي تلقائياً إلى تغيير جذري في السياسة الخارجية تجاه السودان. فالسياسة الأمريكية محكومة بمصالح استراتيجية تتعلق بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي وأمن الملاحة والتنافس الدولي والاستقرار الإقليمي. وقد يدفع فوز الديمقراطيين إلى توسيع الرقابة على الإدارة، ورفع مستوى الاهتمام بالملف السوداني، وتعزيز الضغط على الأطراف الخارجية التي تسهم في استمرار الحرب. لكن ذلك لا يعني أن واشنطن ستضع إنهاء الحرب السودانية في مقدمة أولوياتها، أو أنها ستتبنى بالضرورة مشروعاً وطنياً سودانياً للتحول الديمقراطي.

ومع ذلك، توجد مؤشرات على أن ملف السودان يمكن أن يجد مساحة للعمل داخل المؤسسات الأمريكية، تتجاوز الانتماء الحزبي. فقد طرح أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في يونيو 2026 مشروع قانون PEACE in Sudan Act، بهدف توفير أدوات لمحاسبة الأطراف المتحاربة والجهات التي تدعمها، وتوسيع العقوبات، وتعزيز دور المبعوث الأمريكي، وتطوير آليات الضغط الدبلوماسي. كما أن التشريع الأمريكي القائم يتضمن بالفعل سياسة معلنة لدعم انتقال مدني، واستقلال القضاء، وتقوية المجتمع المدني والإعلام المستقل، والمساءلة عن الجرائم، والوصول الإنساني. لكن الفارق يظل قائماً بين النصوص والسياسات المعلنة وبين إرادة تنفيذها، وبين وجود أدوات الضغط واستخدامها بصورة فعالة ومتسقة.

ولا ينبغي أن نقرأ هذا الملف من زاوية انتظار المنقذ الخارجي، أو من زاوية الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تتآمر بالضرورة لإطالة الحرب. فليس لدينا ما يكفي للجزم بوجود استراتيجية أمريكية متعمدة لإبقاء الحرب منخفضة الوتيرة وعالية الكلفة، لكن يمكن القول إن محدودية الضغط الدولي، واستمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي، وغياب آلية فعالة لإلزام الأطراف بوقف الحرب، قد تنتج عملياً وضعاً تستمر فيه الحرب دون حسم، بينما تتكيف القوى الدولية والإقليمية مع مخاطرها. وهذه نتيجة سياسية ينبغي مساءلة السياسات التي تفضي إليها، دون تحويلها إلى افتراض غير مثبت عن نوايا واشنطن.

المسؤولية السودانية هنا لا تسقط، كما لا ينبغي أن تستخدم ذريعة لإعفاء القوى الخارجية التي تسلح وتمول وتوفر الغطاء السياسي والعسكري للأطراف المتحاربة. فوقف الحرب يتطلب ضغطاً على مصادر استمرارها خارج الحدود، لكنه يتطلب أيضاً وجود قوة مدنية سودانية قادرة على تقديم مشروع سياسي مستقل عن المعسكرين العسكريين، وعلى ربط وقف إطلاق النار بمسار يعالج جذور الأزمة ولا يحول الهدنة إلى ترتيب جديد لتقاسم السلطة بين المسلحين. إن الرهان على الخارج لا يعوض غياب المشروع الوطني، كما أن الحديث عن المسؤولية السودانية لا يبرر تجاهل مسؤولية الداعمين الخارجيين.

في نهاية المطاف، لا تقدم الانتخابات الأمريكية درساً عن فضيلة حزب بعينه، ولا تثبت أن الديمقراطية الأمريكية قد تجاوزت أزماتها. إنها تكشف شيئاً أكثر أهمية: أن المجتمع قادر على تغيير موازين السلطة، وأن شرعية الحكم ليست ملكية دائمة، وأن المؤسسات يمكن أن تكون مجالاً للصراع والمراجعة والمحاسبة، وأن الدولة تستطيع الاستمرار رغم تغير الحكومات والأغلبيات. وهذه هي المسألة التي ينبغي أن تشغل التفكير السياسي السوداني: كيف نبني دولة لا يكون مصيرها مرتبطاً بمصير الحاكم؟ وكيف نجعل خسارة السلطة أمراً عادياً لا يستدعي انقلاباً أو حرباً؟ وكيف نحول التعدد الاجتماعي إلى قوة سياسية منتجة، لا إلى خطوط انقسام تتغذى عليها النخب المتنافسة؟

إن جوهر الديمقراطية ليس أن ينتصر طرف على آخر إلى الأبد، بل أن يكون لكل طرف حق المنافسة، وأن تكون السلطة قابلة للتغيير، وأن تظل الدولة أكبر من الذين يحكمونها. وفي السودان، لا يبدأ الخروج من الأزمة بمجرد الاتفاق على حكومة جديدة أو إجراء انتخابات، وإنما بإعادة تأسيس العلاقة بين المجتمع والدولة، وتحرير المؤسسات العامة من الاحتكار، وإخضاع القوة المسلحة للسلطة المدنية، وفتح المجال أمام قوى المجتمع كي تشارك في صياغة مستقبلها.

الدولة الديمقراطية ليست الدولة التي لا تختلف فيها القوى السياسية، وإنما الدولة التي لا يتحول فيها الاختلاف إلى حرب، ولا تتحول فيها السلطة إلى ملكية خاصة، ولا يصبح فيها بقاء الحاكم شرطاً لبقاء الوطن.

Author
هشام عثمان

هشام عثمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الفصل السادس من كتاب “ما وراء السودان الحديث”: من الحرب إلى السلام (1/2) .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
الرياضة
بعثة الهلال تصل طرابلس بطائرة خاصة وسط استقبال حافل استعدادًا لمواجهة نادي الأهلي ودياً
منبر الرأي
شرك المثقفين .. بقلم: عبدالله الشقليني
منبر الرأي
8 مارس: أي صوت زار اليوم خيالي .. بقلم: د. عمرو محمد عباس محجوب
الأخبار
تصريح من نقابة الصحفيين السودانيين بمناسبة اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

اشتراطات جديدة .. السودان و (العصا) الامريكية .. بقلم: اسمهان فاروق/الخرطوم

طارق الجزولي
منبر الرأي

في رحاب جامعة الاحفاد … بقلم: طلحة جبريل

طلحة جبريل
منبر الرأي

بيان الحركة الاسلامية يهدد بنسف الامن والاستقرار في البلاد .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا

محمد فضل علي
منبر الرأي

ملتقى الخرطوم والحراك المجتمعي المطلوب .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss