زهير عثمان
ليست المشكلة في أن الاشتباكات عادت إلى غرب تيغراي، بل في أن القرن الإفريقي أصبح يعيش حالة من ترابط الأزمات؛ فلم تعد أي حرب محلية تبقى داخل حدود الدولة التي اندلعت فيها. وما يحدث اليوم في شمال إثيوبيا لا يمكن عزله عن الحرب السودانية، ولا عن التنافس في البحر الأحمر، ولا عن التوازنات الأمنية التي تعيد رسم الإقليم منذ سنوات
لهذا فإن الاشتباكات التي اندلعت في الأول من أغسطس 2026 قرب مدينة شرارو، المتاخمة للحدود السودانية، ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها حادثًا عسكريًا معزولًا، وإنما بوصفها مؤشرًا على احتمال انهيار التوازن الهش الذي فرضه اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. وإذا حدث ذلك، فإن السودان سيكون من أكثر الدول تأثرًا، ليس لأنه طرف في الصراع الإثيوبي، بل لأنه يتشارك مع إثيوبيا حدودًا طويلة ومصالح أمنية وإنسانية واقتصادية تجعل استقرار كل دولة مرتبطًا باستقرار الأخرى
لماذا عاد التوتر؟
اتفاق بريتوريا نجح في وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يحسم القضايا التي أشعلت الحرب أصلًا , فقد بقيت قضية غرب تيغراي دون تسوية نهائية، واستمر الخلاف حول مستقبل القوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيغراي، وتعثر تنفيذ برامج نزع السلاح وإعادة الدمج، كما تعمقت الانقسامات داخل النخبة التيغرانية نفسها
وفي المقابل، واجهت الحكومة الفيدرالية تحديات سياسية واقتصادية وأمنية في أكثر من إقليم، بينما بقيت العلاقة المعقدة مع إريتريا أحد العوامل المؤثرة في حسابات جميع الأطراف , و لذلك فإن الاشتباكات الأخيرة ليست بداية الأزمة، بل نتيجة تراكم ملفات مؤجلة لم تجد حلولًا سياسية مستقرة
لماذا يمثل غرب تيغراي نقطة الانفجار؟
تكمن أهمية غرب تيغراي في أنه ليس مجرد منطقة حدودية، بل عقدة جيوسياسية تربط إثيوبيا بالسودان، وتشكل محورًا للتنافس بين سلطات تيغراي وقوى في إقليم أمهرة
و كما أنه يمثل ممرًا لحركة السكان والتجارة، وكان خلال الحرب السابقة أحد أكثر ميادين القتال حساسية
ولهذا فإن أي مواجهة واسعة في هذه المنطقة تحمل منذ لحظتها الأولى بعدًا إقليميًا، لأن آثارها لا تتوقف عند الحدود الإثيوبية
السودان… أول المتأثرين
قد يبدو للوهلة الأولى أن السودان منشغل بحربه الداخلية، لكن الواقع يجعل هذا الانشغال سببًا إضافيًا لخطورة أي تصعيد إثيوبي
أولًا، ستتعرض الحدود الشرقية لضغوط أمنية متزايدة، سواء عبر النزوح أو تنشيط شبكات التهريب أو تحركات مجموعات مسلحة عابرة للحدود
ثانيًا، سيواجه السودان احتمال موجة لجوء جديدة في وقت يعاني فيه أصلًا من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، الأمر الذي يضاعف الضغط على ولايات الشرق التي تستضيف لاجئين منذ حرب تيغراي السابقة، إلى جانب آثار الحرب السودانية المستمرة
ثالثًا، سيؤدي انشغال الحكومة الإثيوبية بالجبهة الشمالية إلى إعادة توزيع أولوياتها السياسية والعسكرية، وهو ما قد ينعكس على ملفات إقليمية تشمل أمن البحر الأحمر، والعلاقات الحدودية، والتعاون الاقتصادي، وربما يؤثر بصورة غير مباشرة في البيئة السياسية المحيطة بالأزمة السودانية
هل يمكن أن يستفيد أي طرف سوداني؟
تذهب بعض التحليلات إلى أن انشغال إثيوبيا قد يمنح بعض الأطراف السودانية مساحة أوسع للمناورة، إلا أن هذا الاستنتاج يبدو متعجلًا
فالخبرة الإقليمية تشير إلى أن تعدد الحروب في القرن الإفريقي لا يخلق رابحًا بقدر ما ينتج بيئة أكثر هشاشة، تتوسع فيها شبكات تهريب السلاح، وتتزايد حركة المقاتلين عبر الحدود، وتتفاقم الأزمات الإنسانية، بينما تتراجع فرص الاستثمار والتعاون الإقليمي
أي مكاسب تكتيكية قد تحققها جهة ما سرعان ما تتحول إلى خسائر استراتيجية تطال الجميع
ما الذي ينبغي أن يفعله السودان؟
في ظل هذه التطورات، يحتاج السودان إلى النظر إلى حدوده الشرقية باعتبارها جزءًا من أمنه القومي، مع تعزيز التنسيق الحدودي، والاستعداد لأي موجات نزوح محتملة، والحفاظ على سياسة تمنع الانزلاق إلى الاصطفاف في الصراع الإثيوبي الداخلي
فاستقرار إثيوبيا ليس مصلحة إثيوبية فحسب، بل مصلحة سودانية وإقليمية أيضًا
تكشف تطورات تيغراي أن أزمات القرن الإفريقي لم تعد منفصلة، بل أصبحت حلقات في منظومة واحدة؛ فالحرب في السودان تؤثر في إثيوبيا، والتوتر في إثيوبيا ينعكس على السودان، والتحولات في البحر الأحمر تغير حسابات الجميع
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد- هل ستعود الحرب إلى تيغراي؟ بل أصبح – هل يمتلك الإقليم آليات تمنع تحول الأزمات المحلية إلى حرائق إقليمية؟
وحتى الآن، لا تبدو الإجابة مطمئنة.
zuhair.osman@aol.com
