بقلم: د. أسامة محي الدين خليل
يخبرنا التاريخ أن سقوط الدول لم يكن دائمًا بسبب الغزو الخارجي أو ضعف الجيوش، بل كثيرًا ما بدأ من الداخل، عندما أثقلت الحكومات كاهل شعوبها بالضرائب والجبايات حتى أصبحت الحياة اليومية معركة من أجل البقاء. فكلما ضاقت سبل العيش، ضعفت الثقة بين المواطن والدولة، وبدأت عوامل الانهيار في التشكل بصمت.
وفي السودان، يلحظ المواطن واقعًا اقتصاديًا يثير كثيرًا من التساؤلات. فالأسعار ترتفع بصورة متسارعة، وأصبحت سلع عديدة تُباع داخل السودان بأسعار تفوق ما تُباع به في دول مجاورة، بل إن بعض المنتجات السودانية نفسها تُعرض في الخارج بأقل من سعرها في السوق المحلي، رغم أن سياسة تحرير الأسعار تشمل الجميع. وهذا يدعو إلى مراجعة جادة للأسباب الحقيقية التي أوصلت الأسواق إلى هذه المفارقة.
إن المشكلة لا تكمن في الضرائب وحدها، بل في تراكمها واتساع مظلتها، ثم إضافة رسوم متعددة في مستويات مختلفة، إلى جانب تكاليف خدمات لا يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. وكل رسم جديد لا يبقى عند التاجر، بل يُحمَّل في النهاية على سعر السلعة، فيصبح المواطن هو من يدفع الفاتورة كاملة، بينما يظل دخله محدودًا، أو كما يصفه البعض ساخرًا: “مهدود”.
إن الاقتصاد لا يزدهر بكثرة الجبايات، وإنما بازدهار الإنتاج، واتساع النشاط التجاري، وزيادة القوة الشرائية للمواطن. وعندما يشعر المستثمر أو التاجر بأن الأعباء تتزايد باستمرار، فإنه ينقلها إلى المستهلك، أو يقلل من نشاطه، أو يغادر السوق، فتدخل الدورة الاقتصادية في حالة من الركود لا يستفيد منها أحد.
والأخطر من الضائقة الاقتصادية هو أثرها النفسي والاجتماعي. فالوطن الذي يعجز عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة قد يفقد شيئًا فشيئًا مكانته في نفوس أبنائه. وعندما يبدأ المواطن في مقارنة واقعه بغيره، ويتمنى الهجرة أو يرى مستقبله خارج وطنه، فإن ذلك يمثل جرس إنذار ينبغي ألا يُستهان به. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار حين تفرغ خزائنها فقط، بل حين تفرغ قلوب مواطنيها من الأمل.
ومن أبلغ الدروس التي حفظها التاريخ موقف الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. فقد كتب إليه والي مصر يقترح الإبقاء على الجزية المفروضة على من أسلم حديثًا حفاظًا على موارد بيت المال، فجاءه الرد الخالد: “إن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا.” إنها عبارة تختصر فلسفة الحكم الرشيد؛ فغاية الدولة خدمة الإنسان، لا إثقاله بالجباية، وبناء الاقتصاد بالإنتاج، لا باستنزاف ما في جيوب الناس.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مراجعة شاملة للسياسات المالية، تقوم على تخفيف الأعباء عن المواطن، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، وتبسيط النظام الضريبي، وربط أي رسوم بخدمة حقيقية يلمسها المواطن. فكل إصلاح اقتصادي لا يضع الإنسان في مركز اهتمامه سيظل إصلاحًا ناقصًا.
إن قوة الدولة لا تُقاس بما تجمعه من ضرائب، وإنما بما تبنيه من ثقة بين مؤسساتها ومواطنيها. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا، فعلينا أن نجعل الجباية وسيلة لخدمة التنمية، لا سببًا في إضعافها، وأن نستحضر دائمًا حكمة التاريخ قبل أن نكرر أخطاءه
osamamohyeldeen@gmail.com
