لم يعد السؤال الذي يطارد الحرب السودانية اليوم متعلقاً فقط بعدد الضحايا، أو المدن التي سقطت، أو الملايين الذين أُجبروا على النزوح واللجوء.
السؤال أصبح أكثر خطورة:
هل دخل السلاح الكيميائي إلى هذه الحرب؟
هذا السؤال لم يعد مجرد حديث متداول في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا اتهاماً سياسياً يطلقه طرف ضد آخر. فقد دعا مسؤولان سابقان بارزان في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى فتح تحقيق دولي مستقل في مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في السودان، وقالا إن مراجعة شهادات ومواد مفتوحة المصدر وصور ومقاطع مصورة أظهرت، وفق تقييمهما، قرائن ظرفية قوية جداً على وقوع هجوم كيميائي واحد على الأقل.
وهنا يجب أن نتوقف.
ليس لأن الاتهام قد ثبت نهائياً، وإنما لأن القرائن التي تستدعي التحقيق لا يجوز دفنها، كما أن الاتهام الذي لم يُثبت لا يجوز تحويله إلى حقيقة مكتملة.
الجيلي.. الواقعة التي أعادت السؤال إلى الواجهة
بحسب ما عرضه الخبير السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مارك ألبون، فإن أقوى المؤشرات التي جرى تقييمها ترتبط بحادثة وقعت في سبتمبر 2024 بالقرب من مصفاة الجيلي شمال الخرطوم.
ويقول ألبون إن فريقه لم يتمكن من الوصول إلى الموقع أو الحصول على عينات ميدانية تسمح بتحديد المادة الكيميائية المستخدمة بصورة قاطعة، لكنه اعتبر أن المواد المتاحة تشكل قضية ظرفية قوية تستوجب التحقيق.
وهذه النقطة بالذات هي جوهر القضية.
ففي قضايا بهذا الحجم، لا تكفي الصور وحدها، ولا شهادات الضحايا وحدها، ولا مقاطع الفيديو وحدها.
المطلوب هو تحقيق علمي وجنائي مستقل يستطيع الإجابة عن أسئلة محددة:
ما المادة التي استُخدمت؟
هل كانت مادة سامة أم مادة أخرى؟
كيف وصلت إلى موقع الحادث؟
هل استُخدمت بصورة متعمدة كسلاح؟
من أصدر الأمر؟
ومن قام بالتنفيذ؟
وهل كانت هناك حوادث أخرى لم تصل إليها التحقيقات؟
هذه الأسئلة هي التي تفصل بين الاتهام السياسي والحقيقة التي يمكن إثباتها.
لماذا يمثل الأمر تحولاً خطيراً في مسار الحرب؟
الحرب السودانية منذ أبريل 2023 تجاوزت في كثير من مراحلها حدود الصراع التقليدي.
المدن دُمرت، والمستشفيات خرجت من الخدمة، والملايين نزحوا، وتعرض المدنيون لانتهاكات واسعة، بينما تحولت مناطق كاملة إلى مساحات للخوف والجوع وفقدان الأمان.
لكن استخدام أسلحة كيميائية ــ إذا ثبت ــ يمثل انتقالاً إلى مستوى آخر من الخطر.
فالأسلحة الكيميائية ليست مجرد وسيلة إضافية في الحرب؛ استخدامها يخضع لحظر دولي واضح، واستخدام مادة سامة كسلاح يمكن أن يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا أثبته تحقيق مختص ومستقل.
ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق:
الجيش يتهم الدعم السريع، والدعم السريع يتهم الجيش.
هذه حرب بين أطراف سودانية، لكن عندما تظهر ادعاءات تتعلق بأسلحة محظورة دولياً، فإن الأمر يصبح أكبر من قدرة البيانات العسكرية على حسمه.
لا نحتاج إلى رواية جديدة.. نحتاج إلى الحقيقة
السودان لا يحتمل رواية إضافية تُبنى على الشائعات.
ولا يحتمل في الوقت نفسه أن تُدفن وقائع خطيرة تحت ركام الحرب.
لذلك فإن الطريق الصحيح ليس إصدار الأحكام مسبقاً، وإنما السماح بتحقيق مستقل يستطيع الوصول إلى المكان، والاستماع إلى الشهود والناجين، وفحص السجلات الطبية، وتحليل الصور والمقاطع، وجمع العينات إن أمكن، ومقارنتها بالأدلة العلمية.
فالعدالة لا تُبنى بالصوت الأعلى، وإنما بالدليل.
وإذا أثبت التحقيق عدم استخدام أسلحة كيميائية، فهذه أيضاً حقيقة يجب احترامها.
أما إذا أثبت استخدامها، فإن السؤال يصبح أكبر بكثير من تحديد نوع المادة.
سيكون السؤال:
من أمر؟ ومن نفذ؟ ومن عرف؟ ومن تستر؟
أخطر ما في القضية هو الإفلات من العقاب
الحروب لا تتوسع فقط بسبب السلاح.
أحياناً تتوسع بسبب الاعتقاد بأن الجرائم يمكن أن تمر بلا حساب.
وهذا هو الجانب الأخطر في قضية الأسلحة الكيميائية.
فالخبير السابق مارك ألبون حذر من أن عدم التحرك قد يفتح الباب أمام تكرار استخدام الأسلحة الكيميائية في نزاعات أخرى، بينما قال الدبلوماسي البريطاني السابق بوب فيرويذر إن تجاهل الاتهامات يمكن أن يقوض نظام حظر الأسلحة الكيميائية ويشجع آخرين على الاعتقاد بأن استخدام هذه الأسلحة يمكن أن يمر دون عقاب.
وهنا لا يتعلق الأمر بالسودان وحده.
إن كان هناك استخدام مثبت لسلاح كيميائي في السودان، فإن طريقة التعامل معه ستكون رسالة إلى المنطقة والعالم بشأن حدود القانون الدولي في زمن الحروب.
لكن المسؤولية يجب ألا تُحدد عبر الإعلام
هناك خطأ آخر يجب تجنبه.
وهو أن تتحول التقارير الإعلامية والتحقيقات المفتوحة المصدر إلى محكمة تصدر الأحكام.
المواد المنشورة يمكن أن تكون بداية مهمة للتحقيق، لكنها ليست بديلاً عن التحقيق.
ومن حق الضحايا معرفة الحقيقة.
ومن حق المتهمين أيضاً أن يواجهوا اتهامات قائمة على أدلة يمكن فحصها.
وهذا تحديداً ما يجعل التحقيق الدولي المستقل ضرورة، لا ترفاً سياسياً.
السودان يحتاج إلى الحقيقة أكثر من أي وقت مضى
ربما يكون أخطر ما فعلته الحرب بالسودانيين أنها جعلت الحقيقة نفسها ساحة للصراع.
كل طرف يملك روايته.
كل طرف يملك شهوده.
كل طرف يتحدث عن جرائم الآخر.
وبين هذه الروايات يقف المواطن السوداني، الذي لا يريد أن يعرف فقط من انتصر في معركة، وإنما يريد أن يعرف:
**من قتل؟
من دمّر؟
من هجّر؟
ومن استخدم الأسلحة المحرمة إن ثبت استخدامها؟**
السودان لن يستطيع بناء مستقبله فوق جبل من الأسئلة بلا إجابات.
ولهذا يجب ألا يكون التحقيق في مزاعم استخدام السلاح الكيميائي أداة لتصفية الحسابات السياسية، ولا وسيلة لتبرئة طرف أو إدانة طرف قبل اكتمال الأدلة.
يجب أن يكون هدفه شيئاً واحداً:
الوصول إلى الحقيقة.
كلمة أخيرة
الحرب السودانية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها الصمت موقفاً آمناً.
كل ادعاء خطير يحتاج إلى تحقيق.
وكل جريمة مثبتة تحتاج إلى محاسبة.
وكل بريء يجب ألا يُدان بلا دليل.
أما الشعب السوداني، الذي دفع الثمن الأكبر، فمن حقه أن يعرف الحقيقة كاملة، لا أن تُدفن الحقائق مع الضحايا.
إذا كانت هناك قرائن قوية على استخدام سلاح كيميائي، فليكن التحقيق هو الفيصل.
وإذا ثبت الاستخدام، فلتكن المحاسبة بلا انتقائية.
وإذا لم يثبت، فلتُعلن الحقيقة بشفافية.
فالسلام الحقيقي في السودان لن يبدأ فقط بإيقاف الرصاص، بل بإعادة الاعتبار للحقيقة والعدالة وكرامة الإنسان.
والسودان الذي نريده غداً لا يمكن أن يبنى بالخوف، ولا بالانتقام، ولا بالإفلات من العقاب.
السودان يسع الجميع… لكن لا مكان فيه لجريمة بلا حساب، ولا لحقيقة تُدفن تحت أنقاض الحرب.
