باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

حين تصنع الدولة وكلاءها ثم تعجز عن كبحهم

اخر تحديث: 18 أكتوبر, 2026 7:51 مساءً
شارك

حين تصنع الدولة وكلاءها ثم تعجز عن كبحهم: أربعة عقود من تسليح القبائل في السودان، من المراحيل وميليشيات الجنوب إلى مجازر الجنينة والفاشر

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول تاريخ الميليشيات والقوات شبه العسكرية في السودان تطور العلاقة بين الدولة والقوات المسلحة والمجتمعات المحلية والحركات المتمردة، وكيف تحولت تعبئة الجماعات المسلحة خارج الجيش النظامي إلى إحدى الأدوات المتكررة لإدارة الصراعات السياسية والإقليمية، ولا سيما في جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. لم يكن هذا التطور خطًا مستقيمًا أو نتيجة قرار واحد، بل نتاج تفاعل بين سياسات الحكومات المتعاقبة، وضعف مؤسسات الدولة، وتنافس النخب العسكرية والسياسية على السلطة والموارد، والانقسامات المحلية، والتفاوت التنموي، والصراعات حول الأرض والمراعي والمياه والهوية والتمثيل السياسي. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض القوات المحلية أدوات للحرب بالوكالة، فيما اكتسب بعضها الآخر مصالح اقتصادية وعسكرية خاصة، وأصبح قادرًا على التأثير في قرارات الدولة أو تحديها. وتكشف التجربة السودانية أن الاعتماد على القوات غير النظامية قد يمنح الحكومات قدرة قتالية سريعة، لكنه يضعف احتكار الدولة المشروع لاستخدام القوة، ويزيد مخاطر الإفلات من العقاب، ويعقّد التسويات السلمية، ويهيئ الظروف لتعدد مراكز القوة المسلحة، وصولًا إلى اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023.

بدأت جذور هذه الظاهرة قبل استقلال السودان، في ظل الإدارة الاستعمارية البريطانية المصرية التي اعتمدت على التفاوت الإقليمي والإدارة غير المباشرة وتوظيف السلطات المحلية في إدارة السكان والأرض والأمن. وقد أسهمت هذه البنية في ترسيخ الفوارق بين المركز والأقاليم، وفي إنتاج أنماط متفاوتة من العلاقة بين المجتمعات المحلية والسلطة المركزية. وبعد الاستقلال في الأول من يناير 1956، ورثت الدولة مؤسسات أمنية وعسكرية لم تكن قادرة وحدها على معالجة التباينات الاجتماعية والإقليمية والسياسية، كما لم تنجح الحكومات المدنية والعسكرية المتعاقبة في بناء نظام متوازن لتوزيع السلطة والثروة. ومع تصاعد التمرد في جنوب السودان، أصبح التعامل العسكري مع النزاع بديلًا متكررًا عن معالجة أسبابه السياسية، وظهرت تدريجيًا أنماط من الاعتماد على التجنيد المحلي والتعاون مع مجموعات مسلحة خارج البنية النظامية، وإن كانت طبيعة هذه الترتيبات وأسماؤها ودرجة تنظيمها تختلف من مرحلة إلى أخرى.

في عهد الفريق إبراهيم عبود، الذي حكم بين عامي 1958 و1964، اتجهت الحكومة العسكرية إلى تشديد السيطرة على جنوب السودان، واتبعت سياسات شملت أسلمة التعليم والإدارة، وتعزيز التعريب، والتضييق على بعض المؤسسات التبشيرية، إلى جانب استخدام الجيش والأجهزة الأمنية لقمع المعارضة. وأسهمت هذه السياسات، فضلًا عن المظالم السياسية والإقليمية المتراكمة، في توسيع المقاومة المسلحة الجنوبية وتعزيز النزعة الانفصالية لدى قطاعات من السكان. وتطورت حركة الأنانيا الأولى بوصفها حركة تمرد ضد الدولة، لا باعتبارها ميليشيا موالية للحكومة. ومن الضروري التمييز بين القمع الذي مارسته القوات النظامية وبين وجود ميليشيات جنوبية موالية للحكومة؛ فالمعلومات التاريخية المتاحة لا تكفي لإثبات وجود تشكيلات جنوبية موالية محددة الأسماء، ومسلحة رسميًا من حكومة عبود، على نحو يسمح بتقديمها باعتبارها منظومة ميليشيات حكومية مستقرة. لذلك فإن توصيف هذه المرحلة بدقة يقتضي عدم اختلاق أسماء جماعات أو الخلط بين القوات المحلية التي خدمت في مؤسسات الدولة وبين حركات التمرد المناهضة لها. وتمثل أهمية هذه المرحلة في ترسيخ الاعتماد على القوة العسكرية لمعالجة النزاع الجنوبي، وفي تعميق الشروط التي أدت إلى استمرار الحرب الأهلية.

بعد انقلاب مايو 1969 ووصول جعفر نميري إلى السلطة، استمر النزاع الجنوبي في البداية، قبل أن تفضي مفاوضات أديس أبابا إلى اتفاق السلام لعام 1972، الذي منح جنوب السودان حكمًا ذاتيًا وأوقف الحرب الأولى إلى حد بعيد. غير أن الاتفاق لم يعالج جميع جذور النزاع، كما ظلت العلاقة بين الحكومة المركزية والنخب الجنوبية محكومة بالتنافس على السلطة والموارد والترتيبات الأمنية. وبعد الاتفاق، بقيت مجموعات من المقاتلين الجنوبيين غير راضية عن التسوية أو عن طريقة تنفيذها، وظهرت انشقاقات وتمردات داخل وحدات عسكرية، من بينها أحداث أكوبو عام 1975، وواو عام 1976، وجوبا عام 1977. وأسهمت هذه الانشقاقات في نشوء الأنانيا الثانية، التي لم تكن امتدادًا مطابقًا للأنانيا الأولى، بل تشكلت من مجموعات وقادة متباينين، وكانت قواعدها تضم نسبة كبيرة من النوير، مع اختلاف تركيبتها وتحالفاتها بحسب المنطقة والمرحلة. وفي سياق الحرب الأهلية الثانية، التي تصاعدت بعد إلغاء نميري الحكم الذاتي الجنوبي وإعادة تنظيم الأقاليم وإعلان تطبيق قوانين سبتمبر عام 1983، دخلت بعض فصائل الأنانيا الثانية في ترتيبات تعاون مع الحكومة والجيش، بينما ظلت فصائل أخرى معارضة لهما. ولذلك لا يصح وصف الحركة بأكملها بأنها قوة حكومية أو اعتبار تحالفاتها ثابتة؛ فقد تغيرت علاقات قادتها بالدولة والحركات المتمردة وفق حسابات محلية وعسكرية وسياسية متبدلة.

أدى اندلاع الحرب الأهلية الثانية إلى زيادة اعتماد الحكومة على القوات المحلية والمجموعات المسلحة التي تمتلك معرفة بالأرض والمجتمعات ومسارات الحركة والإمداد. وفي بعض مناطق جنوب السودان، ولا سيما المناطق المحيطة ببنتيو وغرب أعالي النيل، تعاونت فصائل من الأنانيا الثانية مع الجيش السوداني، وحصلت بعض المجموعات على أسلحة وإمدادات ودعم حكومي، بينما شاركت في القتال ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان أو عملت في مناطق ذات أهمية عسكرية واقتصادية. ومن أبرز القادة الذين ارتبطت بهم هذه التحولات بولينو ماتيب، الذي أصبحت قواته لاحقًا جزءًا من تشكيلات عسكرية جنوبية موالية للحكومة، ومنها حركة وجيش وحدة جنوب السودان. كما برز قادة آخرون، من بينهم غابرييل تانغينيا وغوردون كونغ شول وسيمون غاتويش دوال، ضمن مشهد مسلح شديد التشظي، لم تتطابق فيه الولاءات الشخصية والقبلية والسياسية دائمًا مع الحدود الرسمية بين الجيش والتمرد. وكانت بعض هذه القوات تضم مقاتلين من النوير وغيرهم، وتغيرت تحالفاتها تبعًا للظروف. وتوضح هذه التجربة أن تسليح جماعات محلية لم يكن مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل أسهم في إنشاء شبكات من القادة والمقاتلين والموارد ظلت تؤثر في الأمن والسياسة في جنوب السودان حتى بعد استقلاله عام 2011.

وفي سياق الحرب الثانية، اتجهت الحكومة أيضًا إلى تسليح مجموعات من الرعاة المسلحين في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب. وبدأ تسليح مجموعات من البقارة، ولا سيما من المسيرية، في سياق الحرب منذ عام 1983، ثم أصبحت غارات المراحيل أكثر توثيقًا وتنظيمًا خلال منتصف الثمانينيات، وخصوصًا بين عامي 1985 و1989. ولم تكن المراحيل منذ البداية مؤسسة عسكرية موحدة ذات قيادة واحدة وقواعد ثابتة، بل كان الاسم يُستخدم لوصف مجموعات من الفرسان والمسلحين، ارتبط بعضها بحماية القوافل أو الحركة عبر المراعي والحدود، وشارك بعضها في الغارات والعمليات التي استهدفت مجتمعات جنوبية، ولا سيما الدينكا، في سياق الصراع على المراعي والموارد والأمن. وقد استفادت الحكومة من معرفة هذه المجموعات بالمنطقة وقدرتها على الحركة، واستخدمت بعضها في دعم العمليات العسكرية أو إضعاف قواعد الحركة الشعبية لتحرير السودان. وفي المقابل، لم تكن دوافع جميع المشاركين واحدة؛ فقد تداخلت المصالح الرعوية والمنافسات المحلية ومخاوف الأمن والتعبئة السياسية مع التسليح الحكومي. وأدت الغارات وعمليات النهب والخطف والتهجير والعنف ضد المدنيين إلى تعميق العداء بين المجتمعات، وإلى تحويل نزاعات محلية قابلة للتسوية إلى صراعات أكثر عسكرة. ثم أُدمجت مجموعات من المراحيل في قوات الدفاع الشعبي بعد تأسيسها عام 1989، بما وفر إطارًا رسميًا لبعض الشبكات المسلحة السابقة، من دون أن يعني ذلك توحيدها بالكامل أو إنهاء استقلال مصالحها المحلية.

لم تكن جميع الميليشيات الجنوبية والغربية نتاجًا مباشرًا لقرار مركزي بتشكيل قوة قبلية من أعلى إلى أسفل. ففي غرب بحر الغزال، ظهرت مجموعات مسلحة من الفرتيت في سياق التوترات المحلية وانعدام الأمن وتداعيات الحرب، ثم تطور تعاون بعض هذه المجموعات مع الحكومة خلال النصف الثاني من الثمانينيات. وبدأ دعم الحكومة لميليشيات الفرتيت عام 1986، بعد سقوط نميري، أي في فترة الحكومة الانتقالية ثم عهد الصادق المهدي، وليس في عهد نميري. ومع حلول عام 1987، أصبح لبعض هذه المجموعات تنسيق مع الجيش شمل الأسلحة والتدريب والمعلومات والتعاون في العمليات. كما ظهر تشكيل عُرف بجيش السلام، ارتبط بظروف الأمن المحلي في المنطقة، وبالعلاقة المتغيرة بين المجتمعات والجيش والحركات المتمردة. وفي أغسطس 1987، أقرت حكومة الصادق المهدي ترتيبات لتنظيم ما سُمي القوات الصديقة، شملت مجموعات مثل الأنانيا الثانية وميليشيات الفرتيت، وأتاحت صيغًا للتنسيق العسكري ومنح الرتب وتنظيم التحركات والقوافل وتبادل المعلومات. وتبرز هذه المرحلة التفاعل بين التعبئة المحلية والتدخل الحكومي؛ إذ لم تكن المجتمعات مجرد أدوات سلبية للدولة، كما لم تكن جميع التشكيلات مستقلة عنها، بل تشكلت علاقات متبادلة ساعدت فيها المخاوف المحلية والحسابات العسكرية والمصالح السياسية على توسيع انتشار السلاح.

بعد انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، الذي أوصل الجبهة الإسلامية القومية إلى السلطة بقيادة عمر البشير، توسع الاتجاه نحو إضفاء الطابع المؤسسي على القوات شبه العسكرية. وأُنشئت قوات الدفاع الشعبي بموجب قانون صدر في نوفمبر 1989، لتوفير إطار للتعبئة والاحتياط والدعم العسكري، ولإدماج أو تنسيق عمل مجموعات مسلحة كانت موجودة من قبل. وشمل ذلك استيعاب مجموعات من المراحيل في منطقة المجلد في ديسمبر 1989، وميليشيات جيش السلام المرتبطة بالفرتيت في واو خلال الشهر نفسه، وفرسان من الرزيقات في منطقة الضعين بجنوب دارفور في مارس 1990. ولم تكن قوات الدفاع الشعبي ميليشيا قبلية واحدة، بل مظلة شبه عسكرية أوسع ضمت تشكيلات واحتياطات وعناصر متفاوتة الصلة بالجيش والأجهزة الأمنية والحركة الإسلامية الحاكمة. وقد أتاح هذا التنظيم للدولة تعبئة أعداد إضافية من المقاتلين بتكلفة مؤسسية أقل من توسيع الجيش النظامي وحده، لكنه ساعد أيضًا على ترسيخ تعدد قنوات التجنيد والقيادة والتسليح، وأضعف وضوح المسؤولية عن الانتهاكات. كما أن الإدماج القانوني أو الإداري لم يضمن الانضباط الفعلي، ولم يمنع استمرار الهويات المحلية والقيادات المستقلة والمصالح الاقتصادية داخل هذه القوات.

خلال التسعينيات، توسع استخدام المجموعات المسلحة الموالية للحكومة في جنوب السودان، حيث تعاون الجيش مع قادة وفصائل منشقة عن الحركة الشعبية لتحرير السودان. ولم تكن هذه التشكيلات كتلة واحدة؛ فقد ضمت جماعات من النوير والشلك والمورلي والمنداري والتوبوسا والدينكا، فضلًا عن مجموعات أخرى، واختلفت علاقتها بالحكومة بحسب القائد والمنطقة والمرحلة. ومن أبرز هذه التشكيلات قوات بولينو ماتيب التي ارتبطت بحركة وجيش وحدة جنوب السودان، كما شهدت المنطقة تحالفات بين قادة محليين والحكومة المركزية مقابل الدعم العسكري والمالي والامتيازات السياسية. وفي عام 1997، وقّعت الحكومة اتفاقية الخرطوم للسلام مع فصائل جنوبية، في محاولة لتقويض الحركة الشعبية وإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في الجنوب. غير أن هذه الاتفاقيات لم تُنهِ النزاع، وظلت السيطرة على الأراضي والموارد والمواقع العسكرية مصدرًا للتنافس بين الفصائل. وفي عام 1998، ازدادت أهمية بعض القوات الموالية للحكومة في مناطق النفط بغرب أعالي النيل، حيث ارتبطت العمليات العسكرية بتأمين الحقول وخطوط الإمداد ومناطق الإنتاج، بينما تعرض المدنيون لعمليات نزوح واسعة وانتهاكات في سياق النزاع. وأدى هذا التداخل بين الأمن والموارد الاقتصادية إلى جعل بعض القادة المسلحين شركاء في ترتيبات الدولة ومنافسين لها في الوقت نفسه، وإلى إطالة عمر اقتصاد الحرب.

مثلت مناطق النفط في جنوب السودان مثالًا واضحًا على العلاقة بين الميليشيات والاقتصاد السياسي للصراع. فمع توسع إنتاج النفط في النصف الثاني من التسعينيات، أصبحت حماية الحقول والبنية التحتية وخطوط النقل هدفًا استراتيجيًا للحكومة. وترافقت العمليات العسكرية في مناطق الإنتاج مع استخدام قوات نظامية وأخرى محلية أو شبه عسكرية، وارتبطت في بعض الحالات بإخلاء السكان أو تهجيرهم من مناطق اعتُبرت ضرورية للعمليات أو السيطرة الأمنية. وقد أسهم هذا الاستخدام للقوة في إعادة تشكيل أنماط الاستيطان والحركة السكانية، وفي زيادة معاناة المجتمعات المحلية. كما أدى توفير الأسلحة والتمويل لبعض القادة إلى توسيع قدراتهم على التجنيد والحفاظ على شبكات الولاء. ولم تكن هذه القوات متجانسة من حيث التنظيم أو الدوافع أو درجة السيطرة الحكومية، لكن استمرارها أظهر أن تسليح المجموعات المحلية قد يتحول من أداة عسكرية مرتبطة بحرب محددة إلى بنية نفوذ مستمرة، يصعب تفكيكها حتى بعد توقيع الاتفاقيات السياسية.

في دارفور، تطورت ظاهرة الميليشيات ضمن سياق مختلف، رغم تشابه بعض آلياتها مع ما حدث في الجنوب. فقد تداخلت النزاعات على الأرض والمراعي والمياه ومسارات الرعي مع ضعف الإدارة المحلية، والتفاوت في الخدمات والتنمية، والتنافس على السلطة والتمثيل، وتدفق الأسلحة، وتأثير الجفاف والتغيرات البيئية والهجرة الداخلية والإقليمية. ولم تكن الانقسامات بين العرب وغير العرب تفسيرًا كافيًا وحده للصراع؛ فقد وجدت تنافسات داخل المجموعات نفسها، كما لم تكن جميع المجتمعات العربية متحالفة مع الحكومة أو مع جماعات الجنجويد. ومع تصاعد التمرد في دارفور عام 2003، استخدمت الحكومة الجيش والقوات الجوية والأجهزة الأمنية، واعتمدت أيضًا على مجموعات مسلحة محلية عُرفت على نطاق واسع باسم الجنجويد. ولم يكن الجنجويد تنظيمًا واحدًا موحدًا، بل تسمية جامعة استُخدمت لوصف تشكيلات متعددة، ارتبط بعضها بشبكات من الرعاة المسلحين وقادة محليين، وحصل بعضها على دعم حكومي أو تنسيق مع القوات النظامية. وقد وثقت تقارير حقوقية ودولية عمليات قتل للمدنيين والاغتصاب والنهب وحرق القرى والتهجير القسري، ولا سيما في المناطق التي استهدفت فيها جماعات بعينها على أساس هويتها أو ارتباطها المفترض بالتمرد. وأسهمت هذه الانتهاكات في تغيير التركيبة السكانية لمناطق واسعة، وفي تحويل النزاع من مواجهة بين الحكومة وحركات التمرد إلى أزمة إنسانية وأمنية عميقة ذات آثار طويلة الأمد.

توضح تجربة دارفور أن الميليشيات لم تعمل بمعزل عن الدولة، كما لم تكن مجرد امتداد إداري منضبط لها. فقد وفرت الحكومة لبعض المجموعات السلاح والدعم اللوجستي أو الغطاء العملياتي، بينما احتفظ قادة محليون بقدرة على اتخاذ قراراتهم وتوسيع مصالحهم. وأدى هذا التداخل إلى صعوبة تحديد المسؤوليات في بعض العمليات، وإلى نشوء بيئة ساعدت على الإفلات من العقاب. وفي الوقت نفسه، كانت لدى المجموعات المسلحة دوافع محلية تتعلق بالأرض والمراعي والثأر والأمن والسلطة، ما جعل وقف دعم الحكومة وحده غير كافٍ لحل جميع النزاعات. وواجهت جهود السلام صعوبات إضافية بسبب تعدد الحركات المسلحة، والانقسامات داخلها، وتنافس القيادات على التمثيل السياسي والموارد، وضعف آليات التنفيذ والمساءلة. كما أن التسويات التي ركزت على تقاسم المناصب بين النخب المسلحة، من دون معالجة حقوق النازحين والملكية والأرض والأمن المحلي، ظلت معرضة للتعثر أو لإعادة إنتاج النزاع بأشكال جديدة.

مع مرور الوقت، تطورت العلاقة بين بعض المجموعات المسلحة في دارفور والدولة إلى تشكيلات أكثر تنظيمًا، شملت حرس الحدود وقوات أخرى ارتبطت بأجهزة الأمن. لكن لا يصح التعامل مع الجنجويد وحرس الحدود وقوات الدعم السريع باعتبارها أسماء متطابقة لتنظيم واحد؛ فلكل منها سياقه المؤسسي والزمني، مع وجود تداخل في بعض القيادات والمقاتلين والشبكات. وفي عام 2013، جرى تشكيل قوات الدعم السريع بصيغتها المعروفة في سياق عمليات مكافحة التمرد، مع ارتباطها الأولي بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ثم أُضفي عليها إطار قانوني بموجب قانون عام 2017. وأدى ذلك إلى تحويل قوة ذات جذور في شبكات مسلحة سابقة إلى مؤسسة شبه عسكرية ذات قيادة وموارد ونفوذ سياسي واقتصادي متزايد. ومع اتساع نشاطها، تعززت قدرتها على التجنيد والحركة والسيطرة على الموارد، ولم تعد مجرد قوة محلية في دارفور. كما ينبغي عدم تعميم هوية قيادة الدعم السريع على جميع الرزيقات أو اعتبار القبيلة كتلة سياسية وعسكرية موحدة؛ فالانتماءات المحلية لا تعني تطابق المواقف أو المسؤولية الفردية والجماعية عن الأفعال.

أسهمت ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام البشير في أبريل 2019 في فتح مرحلة انتقالية كان يفترض أن تعيد بناء مؤسسات الدولة وتضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوات شبه العسكرية تحت سلطة مدنية. لكن الانتقال لم ينجح في حسم العلاقة بين المكونات العسكرية، ولم يؤسس قيادة أمنية موحدة خاضعة لمؤسسات مدنية منتخبة. وأدى الاتفاق السياسي بين المدنيين والعسكريين إلى مشاركة قيادات عسكرية في السلطة، بينما بقيت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تمتلكان قيادتين ومصالح اقتصادية وشبكات نفوذ منفصلة. كما ظلت قوات أخرى وحركات مسلحة تحتفظ بقدراتها وترتيباتها الخاصة. وأدى تأجيل إصلاح القطاع الأمني، والتنافس على دمج قوات الدعم السريع في الجيش وشروط ذلك وتوقيته، إلى زيادة التوتر بين القيادتين. ولم تكن الأزمة مجرد خلاف فني حول عدد سنوات الدمج أو التسلسل القيادي، بل تعبيرًا عن صراع على السلطة والموارد والقرار العسكري ومستقبل الانتقال المدني.

اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، بعد تصاعد التوترات داخل السلطة الانتقالية وتفاقم الخلافات بشأن إصلاح القطاع الأمني والدمج العسكري والسيطرة على الدولة. وسرعان ما اتسعت الحرب إلى الخرطوم وولايات أخرى، وامتدت آثارها إلى دارفور وكردفان ومناطق واسعة من البلاد. وأدت المواجهات إلى تدمير البنية التحتية، وانهيار خدمات أساسية، ونزوح ولجوء ملايين الأشخاص، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتراجع القدرة على تقديم الرعاية الصحية والتعليم والمياه. كما وثقت جهات حقوقية ودولية انتهاكات واسعة ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والعنف الجنسي والنهب والهجمات على الأحياء السكنية والمرافق المدنية، مع وقوع انتهاكات جسيمة ذات طابع إثني في بعض مناطق دارفور، ولا سيما غرب دارفور. وينبغي تحليل هذه الجرائم على أساس الأدلة والمسؤولية المحددة، لا باعتبار الحرب مجرد صراع إثني، لأن جذورها تشمل أيضًا انهيار الانتقال السياسي، وتعدد مراكز القوة المسلحة، والتنافس الاقتصادي، وفشل إصلاح المؤسسات الأمنية، والتدخلات الخارجية، واستخدام القوة المسلحة لحسم النزاعات على السلطة.

تكشف الحرب الراهنة عن المخاطر التي تراكمت نتيجة عقود من إنشاء القوات شبه العسكرية وتسليح المجموعات المحلية واستخدامها في الصراعات الداخلية. فقد أدت هذه السياسة إلى نشوء قوى مسلحة تمتلك قيادات وموارد وشبكات تجنيد ومصالح اقتصادية خاصة، وأصبح بعضها قادرًا على منافسة الجيش النظامي بدلًا من العمل تحت قيادته. كما ساهمت في إضعاف الثقة بين المجتمعات، وإطالة أمد النزاعات المحلية، وتعقيد إعادة بناء الدولة. ولا يعني ذلك أن جميع القوات غير النظامية متطابقة في تاريخها أو أهدافها أو مسؤوليتها عن الانتهاكات؛ فهناك فروق جوهرية بين حركات التمرد، والمجموعات المحلية التي نشأت للدفاع عن مجتمعاتها، والقوات التي سلحتها الحكومات، والتشكيلات التي تحولت لاحقًا إلى مؤسسات شبه عسكرية ذات قيادة مركزية. غير أن القاسم المشترك يتمثل في غياب نظام مستقر يضمن خضوع جميع حاملي السلاح للقانون والرقابة المدنية والمساءلة القضائية.

تتطلب معالجة هذه الإرث إعادة بناء قطاع أمني موحد يخضع لسلطة مدنية دستورية، مع إصلاح القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الاستخبارية، وإنهاء وجود الجيوش الاقتصادية المستقلة والشبكات المسلحة التي تعمل خارج الرقابة العامة. وينبغي أن يستند أي دمج أو تسريح أو إعادة إدماج للمقاتلين إلى تقييم فردي للرتب والمهارات والسجل الحقوقي، لا إلى المحاصصة القبلية أو السياسية أو منح القادة المسلحين امتيازات مقابل الولاء. كما يجب أن تشمل العملية تسريح المقاتلين غير المؤهلين للخدمة، وإعادة إدماجهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وتوفير بدائل معيشية للمجتمعات التي اعتمدت على النشاط المسلح، ومعالجة النزاعات على الأرض والمراعي والموارد، وإعادة النازحين واللاجئين طوعًا وبأمان وكرامة، واستعادة الممتلكات والتعويض عن الأضرار. ولا يمكن أن تنجح هذه الإجراءات من دون مساءلة مستقلة عن الجرائم والانتهاكات، وحماية الشهود والضحايا، وإصلاح القضاء، وإخضاع الإنفاق العسكري والعقود والموارد الاقتصادية للرقابة العامة.

ويقتضي السلام المستدام أيضًا معالجة التهميش الإقليمي، وتوسيع الخدمات الأساسية، وبناء نظام اتحادي ديمقراطي يضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة، ويتيح للمجتمعات المحلية إدارة شؤونها ضمن إطار دستوري موحد. كما يتطلب إعادة تنظيم الإدارة الأهلية بحيث تؤدي أدوار الوساطة وتسوية النزاعات المحلية من دون أن تتحول إلى أدوات للتجنيد العسكري أو احتكار التمثيل السياسي. ويجب ألا تُختزل المصالحة في اتفاقات بين قادة القوات المسلحة والحركات والميليشيات؛ بل ينبغي أن تشمل الضحايا والنازحين والنساء والشباب ولجان المقاومة وغرف الطوارئ والمجتمعات المتضررة. ويظل حظر إنشاء الميليشيات الحزبية أو القبلية، ومنع تسليح الجماعات خارج المؤسسات القانونية، وضمان السيطرة المدنية على الموارد الاقتصادية والأمنية، شروطًا أساسية لمنع تكرار التجربة.

والخلاصة أن تاريخ الميليشيات في السودان ليس سلسلة منفصلة من الظواهر المحلية، بل مسار متصل من ضعف بناء الدولة، واستخدام القوة المسلحة لتعويض العجز السياسي، وتوظيف الانقسامات الإقليمية والاجتماعية في الصراع على السلطة. فمنذ سياسات القمع في الجنوب في عهد عبود، مرورًا بالتحالفات المتغيرة مع بعض فصائل الأنانيا الثانية وتسليح مجموعات من المراحيل خلال الحرب الثانية، ثم تنظيم قوات الدفاع الشعبي في عهد البشير، وصولًا إلى الجنجويد وحرس الحدود وقوات الدعم السريع، تكررت آلية منح جماعات مسلحة موارد وقدرات خارج إطار جيش موحد خاضع لرقابة مدنية فعالة. ومع ذلك، يجب الحفاظ على الفروق التاريخية بين المراحل والجماعات، وعدم اختلاق تشكيلات لا تثبتها الأدلة، أو تعميم المسؤولية على مجتمعات بأكملها، أو اختزال النزاعات في الهوية الإثنية وحدها. إن الدرس المركزي هو أن السلام لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو توزيع المناصب بين القادة المسلحين، بل ببناء دولة مدنية ديمقراطية تحتكر الاستخدام المشروع للقوة، وتخضع جميع مؤسساتها الأمنية للمساءلة، وتعالج أسباب التهميش والنزاع، وتضمن العدالة للضحايا، وتمنع تحويل السلاح إلى وسيلة دائمة للمنافسة السياسية والاقتصادية.

النص الكامل للمقال

المقدمة التحليلية

لا يمكن فهم نشأة المليشيات في السودان وتطورها من دون التمييز بين ثلاث عمليات تاريخية متداخلة، لكنها ليست متطابقة: استخدام الجيش والقوات الحكومية وحدات محلية مساعدة في الحروب؛ وتسليح جماعات أهلية أو قبلية وربطها بأجهزة الدولة لمواجهة تمرد أو خصوم محليين؛ ثم إنشاء تشكيلات شبه عسكرية ذات قيادة وموارد ومصالح مستقلة، تستطيع مع مرور الزمن منافسة المؤسسات النظامية نفسها. وقد ظهرت هذه العمليات في مراحل مختلفة من تاريخ السودان الحديث، منذ الحرب الأهلية الأولى التي بدأت بتمرد توريت في أغسطس 1955، مروراً بالحكم العسكري الأول بقيادة إبراهيم عبود بين عامي 1958 و1964، ثم عهد جعفر نميري واتفاق أديس أبابا لعام 1972، وانهيار التسوية الجنوبية واندلاع الحرب الأهلية الثانية عام 1983، وصولاً إلى نظام عمر البشير الذي استولى على السلطة في يونيو 1989، وحرب دارفور منذ 2003، وتأسيس قوات الدعم السريع عام 2013، ثم الحرب بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع التي بدأت في 15 أبريل 2023.

ويقتضي التدقيق التاريخي تصحيح نقطة جوهرية: لا يجوز وضع عهد عبود وعهد نميري في الفئة نفسها، ولا الجزم بأن عبود أنشأ مليشيات جنوب سودانية موالية للحكومة من دون تسمية موثقة ومصدر تاريخي واضح. فقد اتسم عهد عبود، وفق الأدبيات التاريخية المتاحة، بالاعتماد المباشر على الجيش والأجهزة الحكومية في قمع التمرد الجنوبي، وبسياسات مركزية وتعريب وأسلمة قوبلت بمقاومة متصاعدة، بينما توثق المصادر بوضوح أكبر في عهد نميري استخدام الحكومة جماعات مسلحة جنوبية، ولا سيما بعض فصائل الأنيانيا الثانية، بالتوازي مع تسليح مجموعات من المسيرية والبقارة في مناطق التماس والحقول النفطية. ولذلك ينبغي التمييز بين وجود جنود جنوبيين خدموا في الجيش النظامي خلال عهد عبود، وبين إثبات إنشاء مليشيا جنوبية مستقلة أو دعمها من الجيش في ذلك العهد. فالمصادر التي أمكن التحقق منها لا توفر دليلاً كافياً على وجود تشكيل جنوبي موالٍ للحكومة في عهد عبود يمكن تسميته بثقة مماثلة لما نعرفه عن الأنيانيا الثانية وجيش السلام في عهد نميري والحكومات اللاحقة (Poggo, 2002؛ Ryle et al., 2011؛ Human Rights Watch, 2003).

ولا يعني ذلك أن عهد عبود لم يشهد مشاركة جنوبيين في أجهزة الدولة أو أن الجيش لم يستفد من معلومات محلية أو من أفراد جنوبيين ظلوا في الخدمة؛ بل يعني أن هذه الوقائع لا تكفي، وحدها، لإثبات وجود مليشيا جنوبية منظمة أنشأتها الحكومة أو سلحتها. ويجب كذلك عدم الخلط بين قوات الجيش النظامي، والقوات المحلية المساعدة، والتمردات الجنوبية التي حملت اسم الأنيانيا، والفصائل التي انشقت عنها لاحقاً. فالأنيانيا الأولى كانت حركة تمرد ضد الدولة، وليست مليشيا موالية لها؛ أما الأنيانيا الثانية فظهرت في سياق مختلف بعد انشقاقات وتمردات داخل الجيش الجنوبي السابق، ثم دخلت بعض فصائلها في تحالفات مع الخرطوم في عهد نميري، بينما اتخذت فصائل أخرى مسارات مختلفة.

وفي عهد نميري، لم يكن تسليح الجماعات المسلحة مجرد نتيجة تلقائية للصراعات بين المجتمعات، بل ارتبط باستراتيجية حكومية لمواجهة الحركة الشعبية وجيشها، وتأمين المناطق الحدودية وممرات الحركة والحقول النفطية، وتقليل الاعتماد على التجنيد النظامي. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش أن الحكومة تفاوضت مع مجموعات من الأنيانيا الثانية، وأن بعض هذه المجموعات حصل على السلاح والتجهيزات من الجيش وعمل بالتنسيق معه، كما استخدمت الحكومة مليشيات من المسيرية في مناطق غرب أعالي النيل الغنية بالنفط خلال عام 1984 (Human Rights Watch, 1999).

ويستمر هذا التاريخ عبر مراحل متعاقبة، لكنه لا يمثل سلسلة تنظيمية واحدة متصلة. فالمراحيل ليست قوات الدفاع الشعبي، وقوات الدفاع الشعبي ليست الجنجويد، والجنجويد ليسوا جميعاً الدعم السريع. كما أن المليشيات الجنوبية التي دعمتها الخرطوم لم تكن جميعها من أصل واحد، ولم تتبع قيادة موحدة، ولم تحافظ على ولاء ثابت. وتكشف هذه الحالات عن نمط متكرر أكثر تعقيداً: تسليح جماعات محلية أو استيعابها في تشكيلات شبه عسكرية؛ توظيف مظالمها ومخاوفها في الحرب؛ منحها موارد وامتيازات؛ ثم مواجهة صعوبة إخضاعها لقيادة موحدة أو منع تحول القوة العسكرية إلى وسيلة للسيطرة على السكان والموارد.

يعتمد هذا المقال على ترتيب تاريخي وتحليلي يبدأ بجذور الحرب الأهلية الأولى وسياسات عبود، ثم ينتقل إلى عهد نميري والمليشيات الجنوبية والمراحيل، وبعد ذلك إلى المليشيات المحلية في الثمانينيات وقوات الدفاع الشعبي، ثم دارفور والجنجويد وحرس الحدود والدعم السريع، وصولاً إلى الانتقال السياسي وحرب 2023، وينتهي بمقارنة الأنماط واستخلاص سياسات عملية لإعادة بناء الدولة. ويجمع المنهج بين التتبع التاريخي، والمقارنة المؤسسية، وتحليل العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة، مع التمييز بين الوقائع الموثقة والتفسيرات التي ما زالت محل نقاش. ولا يفترض المقال أن جميع الحروب أو المليشيات نتاج سبب واحد، ولا يحمّل المجتمعات القبلية مسؤولية جماعية، بل يركز على القرارات الحكومية والقيادات والتنظيمات والأفعال التي يمكن توثيقها.

الفصل الأول: جذور الحرب الأهلية الأولى وبناء الدولة المركزية

بدأت الأزمة المسلحة في جنوب السودان قبل استيلاء إبراهيم عبود على السلطة. ففي أغسطس 1955، قبل استقلال السودان الرسمي في يناير 1956، تمرد جنود جنوبيون في حامية توريت التابعة لفيلق الاستوائية، في سياق مخاوف من استمرار الهيمنة الشمالية على مؤسسات الدولة، ومن عدم تنفيذ وعود الفيدرالية أو توفير ضمانات كافية للتمثيل السياسي الجنوبي. لم يكن تمرد توريت منذ بدايته حركة عسكرية موحدة ذات قيادة وطنية متكاملة؛ فقد تفرقت مجموعات من الجنود، ولجأ بعضهم إلى الغابات أو المناطق الحدودية، وظهرت أشكال مختلفة من المقاومة المسلحة. ومع مرور السنوات، تبلورت حركة الأنيانيا الأولى بوصفها حركة تمرد جنوبية أوسع، تجمع بين ضباط وجنود سابقين وناشطين سياسيين ومقاتلين محليين، ثم تطورت قيادتها وتنظيماتها تدريجياً (Ryle et al., 2011؛ Poggo, 2002).

تولى عبود السلطة في 17 نوفمبر 1958 إثر انقلاب عسكري أطاح بالحكومة البرلمانية. وركز النظام على توحيد السلطة في المركز، وحظر الأحزاب والنشاط السياسي، وواجه المطالب الجنوبية أساساً باعتبارها قضية أمنية وعسكرية. وترافق ذلك مع سياسات لتعزيز اللغة العربية والإسلام في الجنوب، وتقييد نشاط البعثات التبشيرية، وانتهى الأمر بطرد عدد كبير من المبشرين الأجانب، ولا سيما في عامي 1962 و1964. وقد أدت هذه السياسات إلى زيادة مشاعر التهميش، وإضعاف فرص التسوية السياسية، وتوسيع قاعدة التعاطف مع المقاومة المسلحة (Poggo, 2002).

في هذه المرحلة، كان الشكل الأساسي للقوة الحكومية في الجنوب هو الجيش النظامي والأجهزة الرسمية، وليس شبكة المليشيات الموالية التي ظهرت بوضوح أكبر في الحرب الأهلية الثانية. وشهد عهد عبود حملات عسكرية ضد التمرد، واعتقالات وإعدامات خارج القانون في بعض المناطق، وتدمير قرى وملاحقة شخصيات سياسية واجتماعية جنوبية. وقد تسببت هذه العمليات في نزوح مدنيين إلى المناطق الريفية أو إلى الدول المجاورة، وأسهمت في اتساع الفجوة بين الدولة والسكان. كما أن فشل الحكومة في معالجة المطالب السياسية، والاعتماد على القمع، ساعدا على توسيع المقاومة من نطاقات محلية متفرقة إلى حركة أوسع في عدد من مناطق الجنوب.

ويجب هنا الإجابة بدقة عن مسألة المليشيات الجنوبية التي استخدمها الجيش السوداني في عهد عبود. فالمصادر التاريخية التي أمكن التحقق منها توثق الأنيانيا بوصفها قوة تمرد، وتوثق اعتماد حكومة عبود على الجيش وأجهزة الدولة في مواجهة التمرد، لكنها لا تقدم توثيقاً كافياً لتشكيلات جنوبية موالية للحكومة يمكن تحديد أسمائها وقياداتها وتاريخ تأسيسها بوصفها مليشيات مستقلة مدعومة من الجيش. وقد خدم جنوبيون في مؤسسات الدولة والقوات النظامية، وبقيت وحدات وجنود جنوبيون في الخدمة رغم التمردات والانقسامات، لكن ذلك يختلف عن وجود مليشيا محلية مستقلة. كما أن «فيلق الاستوائية» كان وحدة عسكرية نظامية ارتبط بها تمرد توريت، وليس اسماً لمليشيا موالية لحكومة عبود. أما الأنيانيا الأولى، فهي الطرف المتمرد الذي واجه الحكومة، ولا يجوز إدراجها ضمن المليشيات الحكومية.

وتبرز أهمية هذا التمييز لأن نسبة كل تشكيل جنوبي مسلح إلى حكومة معينة من دون دليل يمكن أن تؤدي إلى إعادة كتابة التاريخ بدلاً من تصحيحه. فإذا ظهرت وثائق إضافية تثبت اسم تشكيل جنوبي موالٍ لعبود، أو وجود قوة محلية مساعدة محددة القيادة والتاريخ، فينبغي إضافتها مع مصدرها. أما في ضوء الأدلة المتاحة، فالأدق أن يُقال إن عهد عبود شهد عسكرة التعامل مع الجنوب، وإنشاء بيئة ساهمت في توسع التمرد، لا أن يُنسب إليه تأسيس مليشيات جنوبية موالية بأسماء غير مثبتة.

توسع نشاط الأنيانيا المنظمة في أوائل الستينيات، وامتدت عملياتها من مناطق الاستوائية إلى بحر الغزال وأعالي النيل. ولم تكن الحركة موحدة تماماً في بدايتها، إذ عملت مجموعات متعددة بقدر من الاستقلال، واختلفت قدراتها وتسليحها وصلاتها بالقيادات السياسية في المنفى. وظهرت أسماء وتشكيلات محلية مرتبطة بالمقاومة، لكن لا ينبغي اعتبار كل مجموعة محلية تنظيماً مستقلاً طويل الأمد أو دمج جميعها في قيادة واحدة منذ البداية. وقد أدى تزايد القمع إلى انتقال أعداد من السكان إلى الدول المجاورة، كما أصبحت الحدود ملاذاً لبعض المقاتلين ومجالاً للحصول على الدعم الخارجي في مراحل لاحقة.

سقط نظام عبود في أكتوبر 1964 بعد احتجاجات واسعة وإضراب سياسي عام، وكانت الأزمة الجنوبية أحد أسباب تراجع شرعيته. غير أن سقوط الحكم العسكري لم ينهِ الحرب؛ فقد أخفقت الحكومات المدنية اللاحقة في التوصل إلى تسوية نهائية، واستمرت النزاعات حول الفيدرالية والتمثيل والهوية السياسية للدولة. ومن ثم فإن إرث عهد عبود يتمثل أساساً في تعميق عسكرة المسألة الجنوبية وتفاقم انعدام الثقة، وليس في وجود شبكة مليشيات جنوبية موالية يمكن توثيقها بوضوح على غرار التشكيلات التي ظهرت في عهد نميري.

الفصل الثاني: عهد نميري واتفاق أديس أبابا وانهيار التسوية الجنوبية

وصل جعفر نميري إلى السلطة بانقلاب 25 مايو 1969، في وقت كانت فيه الحرب الأهلية الأولى مستمرة، وكانت الحكومات السابقة قد أخفقت في معالجة المطالب الجنوبية بصورة مستقرة. اتجه نميري في البداية إلى تسوية النزاع، وانتهى المسار التفاوضي إلى اتفاق أديس أبابا في 27 فبراير 1972، الذي أوقف الحرب ومنح الجنوب حكماً ذاتياً إقليمياً ضمن السودان الموحد. وسمح الاتفاق بعودة عدد من المقاتلين إلى الحياة المدنية، ودمج عناصر من الأنيانيا في القوات المسلحة وأجهزة الدولة، وفتح مرحلة من الاستقرار النسبي مقارنة بسنوات الحرب. لكنه لم يحل جميع المشكلات المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة، ولم يضع ضمانات كافية تمنع الحكومة المركزية من إعادة تشكيل الحكم الذاتي بقرارات أحادية.

كان الاتفاق تسوية سياسية وعسكرية مهمة، لكنه اعتمد على توازنات القيادة في الخرطوم وعلى قدرة المؤسسات الإقليمية على إدارة شؤون الجنوب. ومع مرور الوقت، ظهرت خلافات حول الحدود الإدارية للإقليم، وتقسيم الجنوب إلى وحدات أصغر، وتوزيع الموارد والوظائف، والسيطرة على المناطق النفطية، وموقع اللغة والدين في الدولة. وأدى قرار نميري تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم عام 1983، إلى جانب إضعاف ترتيبات الحكم الذاتي وتطبيق قوانين سبتمبر 1983، إلى زيادة التوتر. وفي مايو 1983 وقع تمرد في بور، ثم اتسعت المواجهة وتأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها بقيادة جون قرنق. وهكذا بدأت الحرب الأهلية الثانية، التي لم تكن مجرد عودة للحرب الأولى، بل صراعاً جديداً على بنية الدولة ووحدتها ومواردها وعلاقتها بالأقاليم.

شهد عهد نميري تطوراً مهماً في استخدام الجماعات المسلحة المحلية. فبينما اعتمدت الحكومة في الحرب الأولى أساساً على الجيش النظامي وأجهزة الدولة، اتجهت خلال الحرب الثانية إلى دعم مجموعات مسلحة محلية، بعضها جنوبي وبعضها من رعاة البقارة في شمال مناطق التماس. وتختلف هذه السياسة عن ممارسات عهد عبود من حيث وضوح اعتمادها على جماعات محلية مسلحة وعلى التحالف مع فصائل من الأنيانيا الثانية. ولم تكن هذه الفصائل كلها موالية للحكومة منذ نشأتها، بل نشأت الأنيانيا الثانية من انشقاقات وتمردات داخل الجيش الجنوبي السابق، ثم دخل بعضها في صراع مع الحركة الشعبية، بينما أقامت فصائل أخرى علاقات مع الخرطوم.

ظهرت الأنيانيا الثانية في أواخر السبعينيات، بعد أن شعر بعض الجنود الجنوبيين السابقين بأن ترتيبات دمج القوات بعد اتفاق أديس أبابا لم تحقق توقعاتهم، وبعد وقوع تمردات في أكوبو عام 1975، وواو عام 1976، وجوبا عام 1977. وفرّت مجموعات من المتمردين إلى مناطق الغابات أو إلى إثيوبيا، ثم حملت بعض هذه الفصائل اسم الأنيانيا الثانية لإظهار الاستمرارية الرمزية مع حركة الحرب الأولى. وكانت الأنيانيا الثانية في معظمها حركة مسلحة يغلب عليها النوير، لكنها لم تكن تنظيماً موحداً تماماً، كما اختلفت قياداتها ومناطقها وأهدافها. وبعد تأسيس الحركة الشعبية عام 1983، تنافست معها على التجنيد والسلطة المحلية، وأصبحت بعض فصائل الأنيانيا الثانية خصماً لها، بينما انضمت فصائل أخرى إلى الحركة الشعبية أو واصلت القتال بصورة مستقلة (Human Rights Watch, 1999؛ Human Rights Watch, 2003).

استخدمت حكومة نميري هذا الانقسام لتقوية موقفها العسكري في مناطق محددة. فقد تفاوضت مع مجموعات من الأنيانيا الثانية، ولا سيما في غرب أعالي النيل، حيث كانت حقول النفط حول بانتيو ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية. وبعد هجوم للحركة الشعبية على منشآت نفطية في فبراير 1984، توقفت أعمال شركة شيفرون في المنطقة، وازدادت أهمية تأمين الحقول والطرق المؤدية إليها. وتوثق هيومن رايتس ووتش أن الحكومة توصلت إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار مع بعض مجموعات الأنيانيا الثانية، من بينها مجموعة بولينو ماتيب، ثم سلحتها وجهزتها، وعملت هذه الفصائل بتنسيق وثيق مع الجيش السوداني. كما تشير المصادر إلى استخدام مجموعات مسيرية مسلحة في مناطق بانتيو وغرب أعالي النيل خلال عام 1984 (Human Rights Watch, 1999).

لا يصح اختزال هذه السياسة في فكرة أن جميع الأنيانيا الثانية كانت «مليشيا حكومية». فقد ظلت فصائل منها متمردة على الحكومة أو مستقلة عنها، كما أن بعض الجماعات التي تعاونت مع الخرطوم احتفظت بقياداتها وشبكاتها المحلية. لكن دعم الحكومة لبعض الفصائل موثق، وهو ما جعل هذه المجموعات جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على إضعاف الحركة الشعبية من الداخل، وتعطيل خطوط إمدادها، وتقليل قدرتها على الوصول إلى المناطق النفطية. ووفرت العلاقة بالحكومة السلاح والذخيرة والتجهيزات، لكنها جعلت بعض المجتمعات المحلية ساحة لحرب بالوكالة، وزادت خطر استهداف المدنيين وتدمير سبل العيش.

الفصل الثالث: الأنيانيا الثانية وفصائل الجنوب الموالية للخرطوم في عهد نميري

تُعد الأنيانيا الثانية أبرز مثال على التحول من تمرد جنوبي إلى تحالف عسكري جزئي مع الحكومة السودانية في عهد نميري. فقد نشأت الحركة في سياق انشقاقات داخل الجيش السابق، ثم تحولت إلى مظلة لفصائل مسلحة مختلفة، غلب على كثير منها النوير. وكان قادتها ومقاتلوها ينظرون إلى الحركة الشعبية بوصفها منافساً عسكرياً وسياسياً، خصوصاً في مناطق أعالي النيل، كما كانت لبعضهم خلافات بشأن القيادة والتمثيل وتصور مستقبل الجنوب. ولم تكن هذه الخلافات مجرد صراعات قبلية ثابتة؛ فقد تداخلت فيها تجارب التهميش داخل الجيش، والمنافسة على السلطة المحلية، ومخاوف بعض المجتمعات من سيطرة الحركة الشعبية، والمصالح المرتبطة بالموارد والمواقع العسكرية.

تولى صمويل غاي توت دوراً قيادياً في الأنيانيا الثانية، وبرزت مجموعات في مناطق النوير حول أعالي النيل وبانتيو. وكان بولينو ماتيب من الشخصيات التي تطورت علاقاتها مع الحكومة لاحقاً، لكنه لم يكن ممثلاً لجميع فصائل الأنيانيا الثانية. ففي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، لم تكن قيادة الحركة موحدة، ولم تكن كل مجموعاتها متفقة على التحالف مع الخرطوم. ومع تصاعد الحرب بعد عام 1983، تباينت خيارات هذه الفصائل؛ فبعضها قاتل الحركة الشعبية، وبعضها انضم إليها، وبعضها أعاد تنظيم نفسه في تشكيلات لاحقة، بينما تحولت مجموعات أخرى إلى قوى مسلحة موالية للحكومة في التسعينيات (Human Rights Watch, 2003).

ارتبطت أهمية الأنيانيا الثانية في حسابات نميري بموقعها الجغرافي، وبقدرتها على تعطيل حركة الحركة الشعبية في مناطق النوير، وبالقرب من مناطق النفط. وقد جعلت هذه العوامل من التعاون معها خياراً عسكرياً للحكومة، لكنه ساهم في إطالة أمد الصراع المحلي. فحين تسلح الحكومة فصيلاً من جماعة ما لمواجهة فصيل آخر، فإنها لا تكتفي بإضافة مقاتلين إلى قواتها، بل تغير موازين القوة بين المجتمعات، وتخلق حوافز لمزيد من التجنيد والتسلح. وفي مناطق الرعي والقرى المتناثرة، قد تتحول السيطرة على الطريق أو الممر أو الضفة النهرية إلى مصدر نفوذ اقتصادي وعسكري، خصوصاً عندما تتراجع قدرة الشرطة والإدارة المدنية على حماية السكان.

كانت منطقة بانتيو وغرب أعالي النيل مثالاً واضحاً على التقاء الحرب بالاقتصاد. فحقول النفط لم تكن مجرد مواقع صناعية، بل ارتبطت بالطرق ومناطق الاستقرار والقرى والمراعي، وأصبحت حمايتها جزءاً من الاستراتيجية العسكرية. وقد أدت الهجمات على الحقول إلى توقف عمليات إنتاج أو استكشاف، وردت الحكومة باستخدام الجيش والجماعات المحلية المسلحة لتأمين المنطقة. وتذكر تقارير حقوقية أن مجموعات مسيرية مسلحة هاجمت مناطق يسكنها النوير في أواخر 1984، وأن هذه الهجمات ترافقت مع تدمير سبل العيش ونهب الماشية والنزوح، بينما ساهمت الغارات والقصف والأوبئة والمجاعة لاحقاً في تفاقم الأزمة الإنسانية (Human Rights Watch, 1999).

ولا ينبغي وصف كل العمليات في هذه المناطق بأنها نتيجة أوامر حكومية مباشرة ما لم تتوافر أدلة على الأوامر أو التنسيق في كل واقعة. لكن الدعم بالسلاح والتجهيزات، واتفاقات وقف إطلاق النار، والعمل المشترك مع الجيش، توضح أن بعض الفصائل لم تكن مجرد مجموعات محلية مستقلة. وقد ساهم هذا النمط في تمييع الحدود بين الجيش والمليشيا، وفي تعقيد تحديد المسؤولية عن العمليات. كما جعل المدنيين عرضة للهجمات من أكثر من طرف، سواء بسبب انتمائهم الاجتماعي أو موقع قراهم أو الاشتباه في دعمهم لفصيل منافس.

تؤكد تجربة الأنيانيا الثانية أن «الولاء» في الحروب الأهلية ليس ثابتاً. فقد يتعاون فصيل مع الحكومة في مرحلة، ثم ينشق عنها، أو ينضم إلى خصومها، أو يعيد تشكيل نفسه ضمن تحالف جديد. وهذا ما حدث لاحقاً مع بعض الجماعات التي دخلت في اتفاقات مع الخرطوم في التسعينيات، ثم اتحدت في تشكيلات أوسع مثل حركة وجيش وحدة جنوب السودان وقوات الدفاع عن جنوب السودان. لذلك يجب تتبع كل جماعة وفق تاريخها وقيادتها وعلاقاتها في كل مرحلة، بدلاً من استخدام اسم واحد لتفسير جميع التحولات.

الفصل الرابع: المراحيل في عهد نميري بين الحرب الأهلية الثانية وصراع الأرض والنفط

ظهرت المراحيل في سياق الحرب الأهلية الثانية، وليس في عهد البشير أو بعد اندلاع حرب دارفور. فقد بدأت حكومة نميري تسليح رعاة من البقارة في جنوب كردفان ودارفور عام 1983، وازداد استخدامهم بصورة أوضح منذ عام 1985. وارتبطت المراحيل بمجموعات من المسيرية في كردفان والرزيقات في دارفور، وبقيادات محلية شاركت في التجنيد والتنظيم، وبالدعم الذي وفرته الحكومة والجيش. ولم تكن المراحيل جيشاً نظامياً موحداً، بل شبكة من المجموعات المسلحة التي تفاوتت في قيادتها وحجمها وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية (Human Rights Watch, 1996؛ Human Rights Watch, 1999).

تداخلت عدة عوامل في نشأة المراحيل. فقد استؤنفت الحرب في الجنوب، واحتاجت الحكومة إلى قوات إضافية لمواجهة الحركة الشعبية وتأمين خطوط الإمداد والمناطق الحدودية. وفي الوقت نفسه، واجه الرعاة ضغوطاً مرتبطة بالجفاف وتراجع الماشية وتقلص المراعي وتوسع الزراعة الآلية والمنافسة على المياه. لكن هذه العوامل لا تجعل تسليح الرعاة نتيجة حتمية للبيئة أو لنمط الحياة الرعوي؛ إذ كان قرار الحكومة بتوفير السلاح واستخدام المجموعات المحلية في العمليات العسكرية عاملاً حاسماً في تحويل النزاعات إلى مواجهات أكثر دموية.

لم يكن استخدام المراحيل محصوراً في منطقة واحدة. ففي جنوب كردفان وشمال بحر الغزال وغرب أعالي النيل، تداخلت حركة الرعي مع مناطق التماس العسكري، وأصبحت الماشية والطرق والقرى أهدافاً للغارات. وتوثق هيومن رايتس ووتش غارات للمراحيل على مناطق الدينكا بين عامي 1985 و1989، شملت قتل مدنيين ونهب الماشية وحرق القرى والاختطاف. كما ساهمت الغارات المتكررة في النزوح وفقدان سبل العيش، وأضعفت قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف والمجاعة (Mawson, 1991؛ Human Rights Watch, 1999).

وفي مناطق غرب أعالي النيل، ارتبطت غارات بعض المجموعات المسيرية أيضاً بالسياق العسكري حول حقول النفط. وتذكر المصادر أن الحكومة سعت إلى تأمين الحقول التي توقفت أعمالها بعد هجمات الحركة الشعبية، وأن بعض مجموعات المسيرية المسلحة عملت بالتنسيق مع الجيش ضد جماعات من النوير في مناطق النفط. وتوضح هذه الوقائع أن التسليح المحلي كان جزءاً من استراتيجية عسكرية واقتصادية، لا مجرد استجابة لنزاعات رعي مستقلة. ومع ذلك، لا يجوز تعميم المسؤولية على جميع المسيرية أو جميع الرعاة، كما لا يجوز افتراض أن كل غارة كانت نتيجة أمر حكومي مباشر من دون إثبات ذلك في الواقعة المعنية.

بعد سقوط نميري في أبريل 1985، لم تختفِ المراحيل. فقد استمر استخدام المليشيات المحلية في عهد المجلس العسكري الانتقالي ثم حكومة الصادق المهدي، التي تولت السلطة بعد انتخابات 1986. وأصبحت المراحيل جزءاً من تنافس سياسي وعسكري أوسع، إذ سعت أحزاب وقيادات إلى الحفاظ على قواعدها المحلية أو تعبئة مؤيديها. وقد ساهم استمرار السلاح والدعم في تحويل جماعات مسلحة نشأت في سياق الحرب إلى قوى قادرة على ممارسة العنف ضد المجتمعات المجاورة، من دون أن تتوافر آليات موثوقة للمحاسبة.

الفصل الخامس: المليشيات الجنوبية في الثمانينيات: جيش السلام والفرتيت وفصائل الأنيانيا الثانية

شهدت الحرب الأهلية الثانية ظهور جماعات مسلحة جنوبية محلية تعاونت مع الحكومة في مراحل مختلفة. ومن أهم هذه الجماعات مليشيا الفرتيت المعروفة باسم «جيش السلام»، التي برزت في منتصف الثمانينيات في منطقة بحر الغزال الغربية، ولا سيما حول واو. نشأت هذه المليشيا في سياق مخاوف لدى بعض قيادات ومجتمعات الفرتيت من الهجمات والهيمنة المحلية، وفي ظل نزاعات على الإدارة والتمثيل والأمن. وتؤكد دراسة دانيال بلوك أن نشأة مليشيا الفرتيت لا يمكن تفسيرها بوصفها قراراً حكومياً من أعلى فقط؛ فقد تفاعلت المبادرات المحلية والتوترات المجتمعية مع تدخلات الدولة والدعم العسكري، مما يجعل الحالة مثالاً على التفاعل بين العوامل المحلية والاستراتيجية الحكومية (Blocq, 2014).

بدأت الحكومة تسليح مليشيا الفرتيت عام 1986، وكان رافائيل كيتانغ من قادتها الأوائل، ثم اتسع التنسيق مع الجيش في 1987. وفي أغسطس 1987 أقر البرلمان ميثاقاً سرياً لتنظيم العلاقة بين الجيش و«القوات الصديقة»، ومنها مليشيا الفرتيت وبعض فصائل الأنيانيا الثانية. وقد نص الترتيب على التعاون في العمليات والقوافل وتبادل المعلومات، ومنح المليشيات رتباً موازية، كما تلقت هذه الجماعات التدريب والأسلحة والذخيرة والزي والإمدادات من الاستخبارات العسكرية (Human Rights Watch, 1999).

لكن العلاقة لم تكن مستقرة، ولم يؤدِ الدعم الحكومي إلى إخضاع المليشيا بصورة كاملة. فقد تصاعد العنف في واو بين عناصر من جيش السلام وقوات أخرى، بينها عناصر من الشرطة وقوات محلية، وتداخلت الصدامات مع التنافس على الوظائف والمواقع الأمنية والسيطرة على الأحياء والأسواق. وأدى استخدام الدبابات والأسلحة الثقيلة في بعض المواجهات إلى زيادة خطر سقوط المدنيين. وفي بعض الحالات، ارتكبت جماعات مختلفة أعمال قتل ونهب وانتقام، ما يوضح أن تسليح مجموعة محلية لحماية مجتمعها قد يحولها إلى طرف في صراع أوسع، خصوصاً عندما تُمنح موارد عسكرية من دون رقابة مستقلة.

تراجعت أجزاء من جيش السلام عن القتال أو جرى تسريحها عام 1988 بعد مفاوضات محلية، لكن فصيلاً ظل يقاتل إلى جانب القوات الحكومية، ثم أُدمج في قوات الدفاع الشعبي في ديسمبر 1989. واستمرت أجزاء من المليشيا تحت أسماء أو ترتيبات مختلفة لاحقاً، بما في ذلك التحولات التي ربطت بعض العناصر بقوات الدفاع عن جنوب السودان في التسعينيات. ولذلك لا ينبغي التعامل مع جيش السلام كتنظيم ثابت طوال الفترة، ولا افتراض أن جميع الفرتيت شاركوا فيه أو أيدوه.

أما الأنيانيا الثانية، فقد ظلت أكثر تنوعاً من جيش السلام. فبعض فصائلها دخلت في ترتيبات تعاون مع الحكومة، بينما واصلت فصائل أخرى القتال ضدها أو انضمت إلى الحركة الشعبية. وكان من أبرز قادة الجماعات النويرية التي تحالفت مع الخرطوم في مراحل لاحقة بولينو ماتيب وغابرييل تانغينيا وغوردون كونغ شول وسيمون قاتويش دوال، لكن هذه الأسماء ارتبطت بتشكيلات ومناطق وفترات مختلفة، ولا يجوز جمعها في تنظيم واحد منذ البداية. كما شملت التحالفات الحكومية جماعات من المورلي والمنداري والتوبوسا والدينكا ومجتمعات أخرى، بدرجات متفاوتة من الدعم والارتباط المؤسسي (Human Rights Watch, 2003).

وتوضح هذه التجربة أن المليشيات الجنوبية لم تكن ظاهرة هامشية أو استثناءً محصوراً في عهد البشير؛ بل كانت جزءاً من تطور الحرب الأهلية الثانية، وارتبطت بسياسات حكومية بدأت في عهد نميري واستمرت في ظل حكومات لاحقة. كما توضح أن الدعم الحكومي لم يكن العامل الوحيد في نشأة كل جماعة، لكنه ساهم في توسيع قدرتها العسكرية وفي إدخالها ضمن استراتيجية لمواجهة الحركة الشعبية وتغيير موازين القوة المحلية.

الفصل السادس: من حكومة الصادق المهدي إلى انقلاب 1989 وتقنين المليشيات

لم يؤدِ سقوط نميري إلى إنهاء سياسة استخدام الجماعات المسلحة المحلية. فقد استمرت المراحيل في عهد المجلس العسكري الانتقالي، ثم في حكومة الصادق المهدي التي تولت السلطة بعد انتخابات 1986. وارتبط استمرارها بعوامل سياسية وعسكرية متداخلة، منها ضعف قدرة الدولة على حماية مناطق التماس، واحتياج الحكومة إلى قوى إضافية لمواجهة الحركة الشعبية، والتنافس الحزبي على قواعد الدعم المحلي، والخلافات المتعلقة بتجنيد البقارة وتسليحهم. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش أن بعض أنصار حزب الأمة من البقارة جرى تسليحهم بعد عودة الحكم المدني، في سياق منافسة الحزب للجبهة الإسلامية القومية على النفوذ في قواعده التقليدية، وأن الغارات على الجنوبيين استمرت مع وجود إفلات واسع من العقاب (Human Rights Watch, 1999).

وفي فبراير 1989، تصاعد الخلاف بين الحكومة وقيادة الجيش بشأن إدارة الحرب واحتياجات القوات المسلحة. وقد أظهر هذا الخلاف أن الاعتماد على المليشيات لم يكن محل إجماع داخل مؤسسات الدولة، وأن بعض القيادات العسكرية رأت أن إدارة الحرب تحتاج إلى موارد أكبر وتنظيم أوضح. لكن الأزمة السياسية لم تنتهِ بإصلاح شامل للقطاع الأمني؛ إذ وقع انقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة عمر البشير وبدعم الجبهة الإسلامية القومية، لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة تنظيم الدولة والأجهزة الأمنية والحرب.

في نوفمبر 1989 صدر قانون قوات الدفاع الشعبي، الذي أضفى وضعاً رسمياً على تشكيلات شبه عسكرية واستوعب جماعات مسلحة كانت موجودة بالفعل. ولم تكن قوات الدفاع الشعبي مجرد مليشيا قبلية واحدة، بل إطاراً أوسع للتعبئة والتدريب والاحتياط، ارتبط بالجيش وبالمشروع السياسي للنظام الجديد. وشملت الجماعات التي أُدرجت في الإطار الأولي المراحيل من المسيرية في كردفان، وجيش السلام المرتبط بالفرتيت في واو، وفرسان الرزيقات في جنوب دارفور. وبدأت عملية الإدماج بمنح هذه الجماعات السلاح والصفة الرسمية، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إخضاعها الفعلي للانضباط أو منعها من مواصلة ممارساتها السابقة (Human Rights Watch, 1996).

كانت الفكرة المعلنة أن يؤدي وضع المليشيات تحت سلطة الجيش إلى ضبطها وتوجيهها نحو الدفاع، لكن التجربة كشفت أن الاعتراف القانوني لا يساوي بالضرورة السيطرة الفعلية. فقد احتفظت بعض الجماعات بقياداتها وروابطها المحلية، واستمرت انتهاكات شملت النهب وحرق القرى والقتل والاختطاف. ووقعت في أواخر ديسمبر 1989 مجزرة في منطقة الجبلين قُتل فيها عدد كبير من الشلك، بينهم نساء وأطفال، ونقلت تقارير حقوقية أن تقديرات الضحايا بلغت نحو ألف شخص، مع اختلاف الروايات بشأن العدد الدقيق والمسؤولية التفصيلية عن جميع الوقائع (Human Rights Watch, 1990). وتوضح هذه الأحداث أن إدماج المليشيات في إطار رسمي لا يزيل المسؤولية عن الجرائم ولا يحول القوة المسلحة تلقائياً إلى مؤسسة منضبطة.

وسعت حكومة الإنقاذ إلى توسيع قوات الدفاع الشعبي، وربطت التعبئة العسكرية بخطاب ديني وسياسي، واستخدمت القوات شبه العسكرية في جبهات متعددة. وقد ضمت هذه القوات متطوعين وطلاباً ومدنيين وعناصر من جماعات مسلحة سابقة، واختلفت دوافع الأفراد بين الالتزام السياسي، والتجنيد، والحوافز الاقتصادية، والانتماء المحلي، والخوف من الخصوم. لذلك يجب التمييز بين المؤسسة الأوسع وبين المليشيات المحلية التي استوعبتها أو تعاونت معها؛ فالقوات شبه العسكرية لم تكن كلها قبلية، كما أن الجماعات القبلية لم تكن جميعها متطابقة في التنظيم أو الولاء.

الفصل السابع: المليشيات الجنوبية في التسعينيات وقوات الدفاع عن جنوب السودان

شهدت التسعينيات توسعاً في سياسة الحكومة السودانية الرامية إلى توحيد جماعات جنوبية مناهضة للحركة الشعبية تحت أطر سياسية وعسكرية أوسع. وقد تزامن ذلك مع انقسام الحركة الشعبية عام 1991، وما رافقه من قتال داخلي ووقوع هجمات على المدنيين، خاصة في مناطق النوير والدينكا. واستغلت حكومة الخرطوم الانقسامات لتقديم السلاح والدعم إلى فصائل معارضة للحركة الشعبية، كما استغلت بعض القيادات الجنوبية هذا الدعم لتعزيز مواقعها المحلية أو التفاوض على ترتيبات سياسية وعسكرية جديدة. ولا يعني ذلك أن جميع الجماعات التي تلقت الدعم الحكومي كانت مجرد أدوات بلا مصالح خاصة؛ فقد كانت لها حسابات تتعلق بالقيادة والتمثيل والأمن المحلي والموارد.

من أبرز هذه التشكيلات حركة وجيش وحدة جنوب السودان، التي تأسست في أوائل عام 1998 بقيادة بولينو ماتيب، وضمت عناصر من قواته السابقة ومن فصائل مرتبطة بالأنيانيا الثانية وقوات دفاع محلية من النوير. وتمركزت القوة في منطقة مايوم بغرب أعالي النيل، وحصلت على دعم من الحكومة السودانية. كما برزت مجموعات بقيادة غابرييل تانغينيا في مناطق النوير اللاك، وغوردون كونغ شول في مناطق الجيكانج الشرقية، وسيمون قاتويش دوال في مناطق النوير اللو، فضلاً عن قوات مرتبطة برياك مشار ولام أكول. وقد تغيرت أسماء هذه التشكيلات وتحالفاتها أكثر من مرة، ولم تكن جميعها تعمل تحت قيادة واحدة في جميع المراحل (Human Rights Watch, 2003).

وفي عام 1997 أبرمت حكومة الخرطوم اتفاقات مع مجموعات جنوبية معارضة للحركة الشعبية، ضمن ما عُرف باتفاق الخرطوم للسلام وترتيباته. وأسهمت هذه الاتفاقات في منح بعض الفصائل وضعاً رسمياً، وفي توسيع إطار القوات الموالية للحكومة. وتطورت هذه العملية لاحقاً إلى محاولات لتوحيد الجماعات المسلحة الجنوبية تحت مظلة قوات الدفاع عن جنوب السودان، التي ضمت تشكيلات متفاوتة في تاريخها وقيادتها ومناطق انتشارها. ولم يكن التوحيد كاملاً من الناحية العملية؛ فقد بقيت الولاءات متغيرة، واستمرت بعض الفصائل في الاحتفاظ بقياداتها وشبكاتها المحلية، كما انتقل بعض المقاتلين بين القوات الحكومية والحركة الشعبية تبعاً لتغير الظروف العسكرية والسياسية (Young, 2006؛ Human Rights Watch, 2003).

وضمت شبكة المليشيات المدعومة حكومياً مجموعات من النوير والمورلي والمنداري والتوبوسا والدينكا والفرتيت وغيرها. غير أن الانتماء الاجتماعي لا يفسر وحده الموقف العسكري؛ فقد كانت هناك انقسامات داخل الجماعات نفسها، كما اختلفت دوافع قادتها. وبعض المليشيات نشأ في سياق مخاوف محلية من الهجمات أو من سلوك وحدات مسلحة منافسة، ثم دخل في تحالفات مع الخرطوم، بينما ارتبط بعضها الآخر بقرارات مباشرة لتسليح فصائل مناهضة للحركة الشعبية. ومن المهم كذلك ألا تُختزل هذه المجموعات في «قبائل موالية للحكومة»، لأن التحالفات كانت في كثير من الأحيان مرتبطة بقيادات محددة وفترات معينة، لا بإجماع اجتماعي دائم.

وكانت علاقة الحكومة بهذه القوات مفيدة عسكرياً في المدى القصير، لأنها سمحت بفتح جبهات إضافية وتعطيل خطوط إمداد الحركة الشعبية وتأمين بعض المناطق والطرق. لكنها زادت أيضاً تعقيد الحرب، ووسعت عدد الجهات المسلحة التي يمكن أن تستهدف المدنيين، وخلقت صعوبة في تحديد المسؤولية عن الانتهاكات. كما جعلت السيطرة على الموارد والطرق والمناطق الحدودية جزءاً من التنافس بين القيادات المسلحة، وأضعفت فرص بناء مؤسسات أمنية موحدة. وقد كان الانتقال بين التحالفات أحد أبرز سمات هذه المرحلة؛ إذ لم يكن الانضمام إلى الحكومة أو الحركة الشعبية ضماناً لولاء دائم، بل كان قابلاً للتغير مع تبدل ميزان القوة ومصالح القيادة.

الفصل الثامن: دارفور والجنجويد بين تاريخ التسليح المحلي وحرب 2003

تطورت النزاعات في دارفور خلال الثمانينيات والتسعينيات في سياق تفاعل بين التغيرات البيئية والاقتصادية، والتنافس على الأرض والمياه ومسارات الرعي، وضعف مؤسسات الوساطة، وتدخل الدولة في التحالفات المحلية. ولا يمكن تفسير هذه النزاعات باعتبارها صراعاً عرقياً خالصاً بين العرب والأفارقة؛ فهذه التصنيفات لا تعكس وحدها تنوع المجتمعات أو طبيعة علاقاتها. وقد تفاعلت الضغوط البيئية مع توسع الزراعة الآلية وتراجع بعض الموارد، لكن تحويل هذه الضغوط إلى عنف واسع ارتبط أيضاً بانتشار السلاح، والتدخلات الحكومية، والتنافس السياسي، وضعف المساءلة.

في عام 2003، تصاعدت الحرب في دارفور بعد تمرد حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة ضد الحكومة. وردت الحكومة بحملة عسكرية اعتمدت على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والطيران، إلى جانب مجموعات مسلحة محلية عُرفت باسم الجنجويد. ولم يكن الجنجويد تنظيماً واحداً ذا عضوية متجانسة أو قيادة موحدة في جميع المراحل، بل تسمية واسعة لتشكيلات متعددة، جُنّد كثير من أفرادها من مجتمعات عربية محلية، وربطتها بالحكومة علاقات متفاوتة من التسليح والإمداد والتنسيق والغطاء السياسي. ولا يجوز مساواة الجنجويد بكل العرب في دارفور أو اعتبار الانتماء إلى قبيلة معينة دليلاً على المشاركة في الجرائم.

وثقت منظمات حقوق الإنسان هجمات مشتركة أو منسقة بين القوات الحكومية ومليشيات الجنجويد استهدفت مدنيين وقرى في دارفور، وشملت القتل خارج نطاق القضاء، والاغتصاب والعنف الجنسي، والتعذيب، والنهب، وحرق الممتلكات، والتهجير القسري. وأكدت تقارير حقوقية أن العمليات تجاوزت في حالات موثقة استهداف المقاتلين إلى مهاجمة المدنيين على أساس هويتهم أو الاشتباه في تعاطفهم مع الحركات المسلحة (Human Rights Watch, 2004؛ United Nations International Commission of Inquiry on Darfur, 2005).

أدت هذه العمليات إلى نزوح واسع وتدمير القرى وتفكيك أنماط الحياة الريفية، وفقدان الأراضي والمواشي، وانهيار شبكات التجارة والأسواق، وتعطيل التعليم والرعاية الصحية. كما أصبح الرجوع إلى القرى مرتبطاً بالأمن واستعادة الممتلكات وضمانات عدم تكرار التهجير. وقد ساهم الإفلات من العقاب في تعميق مخاوف النازحين من العودة، وفي إضعاف الثقة في الدولة والعدالة. ولا يمكن اختزال الجرائم في نزاعات ملكية أو خلافات رعي؛ فالقتل المتعمد للمدنيين والعنف الجنسي والتهجير القسري جرائم تتحمل مسؤوليتها الجهات التي ارتكبتها أو أمرت بها أو ساهمت فيها.

لم يكن الجنجويد امتداداً تنظيمياً مباشراً لكل المراحيل، رغم وجود أوجه تشابه في استخدام الدولة لجماعات محلية مسلحة، كما لم يكن كل من شارك في الجنجويد قد انتقل لاحقاً إلى الدعم السريع. فقد اختلفت القيادة والمهام ومصادر التمويل وشبكات التجنيد، وتطورت بعض العناصر عبر حرس الحدود وتشكيلات أخرى قبل إنشاء الدعم السريع. ولذلك فإن المقارنة الصحيحة تكشف أوجه التشابه في أسلوب إدارة الحرب، من دون محو الفروق التاريخية والتنظيمية بين الجماعات.

الفصل التاسع: قوات حرس الحدود وتأسيس الدعم السريع وتحول المليشيا إلى قوة موازية

تطورت قوات الدعم السريع عبر عملية إعادة تنظيم لعدد من الشبكات المسلحة التي نشأت أو توسعت خلال حرب دارفور، وارتبط بعضها بحرس الحدود وبمجموعات الجنجويد، لكن الدعم السريع لم يكن مجرد تغيير للاسم أو إعادة تسمية مباشرة لكل هذه التشكيلات. ففي عام 2013 أنشأت الحكومة قوات الدعم السريع في إطار سعيها إلى تنظيم قوة مسلحة تستخدم في مكافحة التمرد، وارتبطت القوة في بدايتها بجهاز الأمن والمخابرات الوطني. وكان محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، من أبرز قادتها، بعد أن صعد في شبكات التجنيد والعمليات المرتبطة بدارفور. ثم توسعت القوة تدريجياً في المهام والمجال الجغرافي والموارد، واكتسبت وضعاً قانونياً رسمياً عام 2017 (Human Rights Watch, 2015؛ Tubiana, 2017).

كان حرس الحدود من التشكيلات التي سبقت الدعم السريع وأسهمت في البيئة العسكرية التي نشأ منها. وقد ضمت هذه التشكيلات عناصر ذات خلفيات متنوعة، وكانت علاقاتها بالجيش والأجهزة الأمنية متفاوتة. ولا يجوز افتراض أن كل أفراد حرس الحدود انتقلوا إلى الدعم السريع، أو أن جميع عناصر الجنجويد أصبحوا جزءاً منه؛ بل كانت عملية التكوين متعددة المراحل، شملت إعادة تنظيم بعض المجموعات، وتغيير القيادة، وتوسيع التجنيد، وإقامة علاقات مع مؤسسات الدولة وشبكات اقتصادية. ومن ثم فإن فهم نشأة الدعم السريع يتطلب تتبع هذه التحولات بدلاً من اختزالها في مسار واحد مباشر.

أرادت الحكومة من الدعم السريع أن يعزز القدرة على مكافحة التمرد وأن يوفر قوة إضافية يمكن نشرها في مناطق متعددة. لكن منح القوة قيادة خاصة ومجالاً واسعاً للتجنيد والإمداد أتاح لها تطوير مصالح مستقلة. وقد اكتسبت خبرة عملياتية من الحملات العسكرية في دارفور، ثم شاركت في عمليات في مناطق أخرى. ووثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور خلال عامي 2014 و2015، شملت هجمات على القرى والمدنيين والنهب والحرق والعنف الجنسي (Human Rights Watch, 2015).

أصبح استقلال الدعم السريع أكثر وضوحاً مع نمو موارده الاقتصادية وشبكاته التجارية وقدرته على التجنيد والتحرك. فالقوة المسلحة لا تصبح مستقلة لمجرد امتلاكها أسلحة، بل تزداد استقلاليتها عندما تتمكن من تمويل عملياتها، وتطوير علاقات تجارية، وبناء شبكة مصالح سياسية واقتصادية، وتوسيع نفوذ قيادتها خارج سلسلة القيادة العسكرية التقليدية. وقد ارتبطت موارد الدعم السريع بشبكات الذهب والتجارة والعمليات الخارجية، لكن تحديد حجم كل مصدر ودوره يتطلب تدقيقاً في الشركات والملكية الفعلية والتدفقات المالية، ولا ينبغي إطلاق أرقام غير موثقة أو افتراض أن جميع الموارد كانت تحت سيطرة جهة واحدة في كل فترة (Tubiana, 2017).

وفي عام 2017 صدر قانون لقوات الدعم السريع، فأضفى عليها وضعاً رسمياً ضمن بنية الدولة. غير أن الرسمية القانونية لا تعني بالضرورة الخضوع الفعلي لسلسلة قيادة موحدة أو لرقابة مدنية. فقد استمرت الأسئلة حول العلاقة بين الدعم السريع والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وحول الاختصاصات والموارد الاقتصادية والتعيينات القيادية. وكلما احتفظت القوة بميزانية أو مصادر تمويل أو قيادة منفصلة، ازدادت صعوبة إخضاعها للمساءلة الموحدة، وأصبح احتمال تحول التنافس المؤسسي إلى صراع على السيادة أكبر.

ولا يصح اختزال الدعم السريع في قبيلة الرزيقات أو في فرع واحد منها، رغم أن حميدتي ينتمي إلى فرع المحاميد من الرزيقات وفق توصيفات شائعة في المصادر. فقد جندت القوة أفراداً من خلفيات متعددة، وإن كان للتجنيد العائلي والمحلي دور في بعض مراحل توسعها. ولا يثبت الانتماء إلى الرزيقات أو أي جماعة أخرى تأييد الدعم السريع أو المشاركة في جرائمه. فالتفسير الإثني وحده لا يشرح تطور القوة، ولا يوضح دور القيادة والموارد والمؤسسات والعلاقات السياسية والاقتصادية في بنائها.

الفصل العاشر: ثورة ديسمبر والانتقال المتعثر وانقلاب أكتوبر 2021

أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بنظام عمر البشير في أبريل 2019، وفتحت فرصة لإعادة بناء الدولة على أساس مدني وديمقراطي، لكنها لم تُنهِ البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية التي تراكمت خلال ثلاثة عقود. فقد بقيت القوات المسلحة والدعم السريع والأجهزة الأمنية وشبكات المصالح المرتبطة بها مؤسسات ذات نفوذ كبير، بينما واجهت القوى المدنية صعوبات في بناء قيادة موحدة وفي إخضاع الأجهزة المسلحة لرقابة مدنية فعالة. وأدى ذلك إلى مرحلة انتقالية اتسمت بالتنافس على تشكيل الحكومة، وتحديد اختصاصات المؤسسات السيادية، والتحكم في الموارد الاقتصادية، وتوقيت إصلاح القطاع الأمني.

شارك الجيش والدعم السريع في السلطة الانتقالية بعد سقوط البشير، وأصبح عبد الفتاح البرهان رئيساً لمجلس السيادة، بينما شغل حميدتي منصب نائب الرئيس. ولم تعنِ هذه الشراكة أن المؤسستين اندمجتا في قيادة واحدة أو اتفقتا على مستقبل الدولة. فقد احتفظت كل منهما بهيكل قيادي ومصالح اقتصادية وشبكات نفوذ، واختلفتا بشأن ترتيبات الانتقال وتوزيع السلطة ومستقبل القوات المسلحة. كما لم تكن القوى المدنية كتلة واحدة؛ فقد اختلفت حول العلاقة بالمؤسسة العسكرية، وموازين المشاركة السياسية، وموقع الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، وطبيعة الإصلاح الاقتصادي والأمني.

كان فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم في 3 يونيو 2019 من أخطر أحداث المرحلة الانتقالية. وقد وثقت تقارير حقوقية تورط قوات الدعم السريع وعناصر من أجهزة أمنية وقوات أخرى في عمليات قمع واعتداءات على المتظاهرين، مع ضرورة تحديد المسؤولية المباشرة وغير المباشرة بحسب الأدلة المتاحة. وأدى غياب المساءلة الكافية إلى تعميق أزمة الثقة، وأظهر أن تغيير رأس النظام لا يكفي لتغيير سلوك المؤسسات المسلحة إذا لم تُصلح منظومات القيادة والتحقيق والعدالة.

كان إصلاح القطاع الأمني أحد أكثر الملفات تعقيداً. فالقوات المسلحة كانت ترى نفسها المؤسسة العسكرية الوطنية الأساسية، بينما تمسكت قوات الدعم السريع بقيادتها وخصوصيتها المؤسسية ومصالحها، في حين أرادت القوى المدنية بناء سلطة انتقالية تستطيع مراقبة الجيش والأمن وتحديد ميزانياتهما وأدوارهما. ولم يكن الخلاف حول إدماج الدعم السريع في الجيش مسألة فنية تتعلق بعدد السنوات أو الرتب فحسب، بل كان مرتبطاً بمن يملك قرار الحرب، ومن يسيطر على الموارد الاقتصادية، ومن يعيّن القادة، وكيف تُحاسب القوات، وهل تصبح القوة الموازية جزءاً من جيش موحد أم تظل مؤسسة مستقلة داخل الدولة.

زاد انقلاب 25 أكتوبر 2021 من تقويض الانتقال المدني، حين أطاح البرهان وحلفاؤه بالترتيبات المدنية وأعاد البلاد إلى حكم عسكري فعلي، مع استمرار التوتر بين الجيش والدعم السريع. ولم يحل الانقلاب التنافس بين المؤسستين، بل عمّق أزمة الشرعية وأضعف آليات التسوية السياسية. وقد كشفت المرحلة أن تأجيل إصلاح الأجهزة المسلحة لا يحقق الاستقرار، بل قد يمنح القوى الموازية وقتاً إضافياً لتوسيع مواردها وشبكاتها. كما أن معالجة المسألة العسكرية بمعزل عن الإصلاح الاقتصادي والعدالة الانتقالية والرقابة المدنية لا تكفي؛ إذ يصعب دمج قوة تمتلك شركات ومصادر تمويل خاصة وشبكات تجنيد مستقلة إذا لم تُحسم ملكية الأصول، وتُوحّد الميزانيات، وتُحدد مسؤوليات القيادة، وتُنشأ آليات شفافة للتحقيق والمحاسبة.

الفصل الحادي عشر: حرب 15 أبريل 2023 وعودة التعبئة المسلحة المحلية

اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 بعد تصاعد التنافس على السلطة والقيادة وترتيبات دمج الدعم السريع في الجيش، وفشل المفاوضات السياسية والأمنية في التوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ. ولم تكن الحرب نتيجة الخلاف حول جدول زمني فحسب، بل حصيلة تراكم طويل لتعدد المؤسسات المسلحة، وتضارب المصالح الاقتصادية، وغياب الرقابة المدنية الفعالة، وتراجع الثقة بين القيادتين، وفشل الانتقال في وضع قواعد ملزمة لتوحيد القوة العسكرية. وقد حول القتال الخرطوم ومناطق أخرى إلى ساحات حرب واسعة، ودمر أجزاء كبيرة من البنية التحتية، وأدى إلى انهيار خدمات أساسية ونزوح جماعي وتفاقم انعدام الأمن الغذائي والصحي.

استند الطرفان إلى شبكات تعبئة وتحالفات مختلفة. فقد حشدت القوات المسلحة وحدات نظامية وقوات مساندة وتشكيلات محلية، واستفادت من علاقات مع حركات مسلحة وقوى سياسية واجتماعية، كما ظهرت تعبئة تحت مسميات مختلفة، منها المقاومة الشعبية وبعض التشكيلات ذات الصلات الإسلامية. أما الدعم السريع فاستفاد من شبكات تجنيد محلية وعلاقات عسكرية واقتصادية سابقة، ومن امتلاكه قيادة مستقلة وموارد وقدرات ميدانية متراكمة. ولم تتوزع هذه التحالفات على أساس إثني ثابت؛ فقد اختلفت مواقف المجتمعات والقيادات المحلية بين التعاون والحياد والرفض والمقاومة، كما تغيرت التحالفات بحسب التطورات الميدانية والمصالح والتهديدات.

تفاقم العنف في دارفور على نحو خاص، حيث تداخلت الحرب بين الجيش والدعم السريع مع استهدافات إثنية وعمليات انتقام وصراعات على الأرض والسلطة المحلية. ووثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في مايو 2024 أن قوات الدعم السريع ومجموعات متحالفة معها ارتكبت في الجنينة، عاصمة غرب دارفور، عمليات قتل وتهجير قسري وعنف جنسي وجرائم أخرى استهدفت مجتمعات المساليت، ووصفت الوقائع بأنها تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية (Human Rights Watch, 2024). كما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بما في ذلك الهجمات على المناطق المأهولة والقتل والاعتقال التعسفي والعنف الجنسي والنهب، مع ضرورة فحص كل واقعة وتحديد مسؤولية الأطراف والقيادات وفق الأدلة.

وأدى اتساع الحرب إلى عودة التعبئة المسلحة المحلية في مناطق عديدة، سواء عبر مجموعات مساندة لأحد الطرفين أو عبر جماعات تشكلت للدفاع عن السكان والقرى. وقد تكون بعض هذه المجموعات نشأت استجابة لخطر مباشر، لكن خطر تحولها إلى قوى مستقلة يزداد عندما تتلقى السلاح من أطراف متحاربة أو ترتبط باقتصاد الحرب أو تستخدم خطاباً انتقامياً ضد جماعات أخرى. وفي المقابل، فإن مطالبة المدنيين بنزع سلاحهم دون توفير حماية موثوقة قد تتركهم عرضة للاعتداء. ولذلك ينبغي ربط أي ترتيبات لنزع السلاح بوقف إطلاق النار، ومراقبة فعالة، وضمان الوصول الإنساني، وتوفير حماية مدنية موثوقة.

اتسع اقتصاد الحرب، فأصبحت السيطرة على الطرق والأسواق والذهب والمخازن والأصول التجارية ومناطق الإنتاج عاملاً مؤثراً في القدرة على الاستمرار. وأدى تدمير البنية الاقتصادية إلى إفقار الأسر، وتعطيل الزراعة والتجارة، وتراجع الخدمات، وزيادة الاعتماد على المساعدات والتحويلات. كما ساهمت الحرب في تفكك شبكات التعليم والرعاية الصحية، وعرقلة عودة النازحين واللاجئين، وخلق مخاطر طويلة الأمد تتعلق بمخلفات الحرب والانهيار المؤسسي. وبذلك لم تعد الحرب مواجهة بين قوتين فقط، بل أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والسيطرة المحلية والنزوح والتنافس على الموارد.

وتبرز أهمية الدرس التاريخي في أن الدولة التي تنشئ قوى مسلحة موازية أو تسمح لها بتكوين موارد مستقلة قد تجد نفسها أمام مؤسسات قادرة على منافستها. فالدعم السريع لم يتحول إلى قوة كبرى بسبب الهوية القبلية وحدها، ولا بسبب قرار واحد، بل نتيجة تراكم من التسليح والتقنين والتوسع في المهام والموارد والعلاقات السياسية والاقتصادية. كما أن الحرب الحالية ليست نزاعاً قبلياً بسيطاً؛ إنها حرب على السلطة والسيادة ومؤسسات الدولة، مع أبعاد محلية وإثنية خطيرة في بعض المناطق. ويقتضي ذلك رفض التفسير الذي يختزل الحرب في صراع إثني، ورفض التفسير الذي يتجاهل الاستهدافات الإثنية والجرائم الموثقة بحجة أن الحرب سياسية فقط.

الفصل الثاني عشر: المقارنة التاريخية وإصلاح الدولة وإنهاء دورة المليشيات

تكشف المقارنة بين الأنيانيا الثانية، والمراحيل، وجيش السلام، وبعض المليشيات الجنوبية في التسعينيات، وقوات الدفاع الشعبي، والجنجويد، وحرس الحدود، والدعم السريع، عن عناصر مشتركة وفروق مهمة. يتمثل العنصر المشترك في استخدام الدولة أو أطراف سياسية وعسكرية لجماعات مسلحة خارج البنية التقليدية للجيش من أجل مواجهة خصوم أو السيطرة على مناطق أو تقليل كلفة العمليات. ويتمثل العنصر الثاني في أن الجماعات المحلية لا تتحرك دائماً بدافع واحد؛ فقد تتداخل حماية المجتمع مع الانتقام، ومصالح القيادات مع المصالح الاقتصادية، والتحالف العسكري مع التنافس المحلي. أما العنصر الثالث فهو أن العلاقة بين الدولة والجماعة المسلحة تتغير مع الزمن؛ فقد تبدأ بالدعم ثم تنتهي بالانشقاق أو المواجهة، وقد تنتقل الجماعة من استقلال محلي إلى وضع شبه رسمي أو إلى قوة مركزية واسعة النفوذ.

لكن هذه الجماعات ليست تنظيماً واحداً متصلاً. فالأنيانيا الأولى كانت حركة تمرد ضد الدولة في الحرب الأهلية الأولى، ولا يجوز تصنيفها كمليشيا حكومية. أما الأنيانيا الثانية فظهرت في سياق مختلف بعد انشقاقات وتمردات داخل الجيش الجنوبي السابق، ثم دخلت بعض فصائلها في تحالفات مع الخرطوم في عهد نميري. والمراحيل ارتبطوا أساساً بالحرب الأهلية الثانية وبمناطق التماس بين شمال السودان وجنوبه، بينما كانت قوات الدفاع الشعبي إطاراً شبه عسكري أوسع استوعب جماعات سابقة وضم عناصر تعبئة وتدريب واحتياط. أما جيش السلام فنشأ في بيئة جنوبية محلية مختلفة حول واو، ثم تغيرت علاقته بالحكومة والحركة الشعبية عبر مراحل متعددة.

كذلك لا يصح اعتبار الجنجويد والدعم السريع اسماً واحداً. فقد كانت الجنجويد تسمية واسعة لمجموعات مسلحة متعددة في حرب دارفور، بينما تأسست قوات الدعم السريع عام 2013 في إطار إعادة تنظيم تشكيلات مسلحة وشبكات تجنيد مرتبطة بالحرب، ثم اكتسبت بنية مؤسسية وقيادة مركزية وقدرات اقتصادية وعسكرية متنامية. ويمثل هذا التحول انتقالاً من نمط المليشيات المحلية أو شبه المحلية إلى قوة ذات نطاق عملياتي أوسع وقدرة على منافسة مؤسسات الدولة. غير أن هذا المسار ليس حتمياً؛ فليس كل تشكيل مسلح محلي يتحول إلى قوة موازية، وليس كل قوة مساعدة تتطور إلى منافس للدولة. ويعتمد المسار على حجم الموارد، واستقلال القيادة، ودرجة التسليح، ومدة الحرب، ونوعية الرقابة، وشبكات التمويل، ومقدار المساءلة، ووجود تسوية سياسية قادرة على إعادة دمج المقاتلين أو تسريحهم.

ويقتضي إنهاء دورة المليشيات في السودان الانتقال من معالجة السلاح باعتباره مسألة أمنية منفصلة إلى فهمه بوصفه جزءاً من بنية سياسية واقتصادية واجتماعية. فالتسليح لا يستمر فقط لأن الأسلحة متوافرة، بل لأن هناك جهات تستفيد من وجودها، وشبكات تجنيد قادرة على توفير المقاتلين، ومصادر تمويل تسمح باستمرار العمليات، وقيادات تستطيع تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي أو اقتصادي، ومؤسسات لا تملك القدرة أو الإرادة لفرض قواعد موحدة. ولذلك فإن نزع السلاح من دون معالجة مصادر التمويل والسلطة والمظالم المحلية قد ينتج جماعات تعيد التسلح، بينما يؤدي تفكيك القوة دون ترتيبات أمنية واقتصادية بديلة إلى خلق فراغ تستغله جماعات أخرى.

أول المتطلبات هو وقف الحرب وحماية المدنيين، لأن الحديث عن نزع السلاح في ظل الهجمات والتهجير لا يوفر ضمانات للناس الذين يخشون على حياتهم وممتلكاتهم. ويتطلب ذلك وقفاً قابلاً للمراقبة لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المرافق الصحية والأسواق ومصادر المياه، ومنع تجنيد الأطفال، ووقف العنف الجنسي والهجمات الانتقامية، وفتح ممرات آمنة للمدنيين. وينبغي أن تكون حماية السكان أولوية مستقلة عن المكاسب العسكرية لأي طرف، وألا تُستخدم المساعدات أو ممرات الإجلاء أو عودة النازحين أداة للضغط السياسي أو العسكري.

وثاني المتطلبات إعادة بناء قطاع أمني موحد تحت سلطة مدنية دستورية. ويشمل ذلك إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلسلة قيادة قانونية واحدة، ومنع وجود جيوش مستقلة أو موازنات أمنية خارج الرقابة العامة، وتوحيد معايير التجنيد والتدريب والترقية، وإخضاع عمليات التسليح والمشتريات والانتشار للمراجعة القانونية والمالية. ولا يعني ذلك دمج جميع أفراد المليشيات بصورة آلية في الجيش؛ إذ يجب أن يعتمد مصير كل تشكيل على طبيعته وسجله ودرجة تورطه في الانتهاكات ومدى ملاءمة أفراده للخدمة. فإدماج قوة كاملة دون تدقيق قد ينقل شبكات القيادة والولاء والاقتصاد الحربي إلى المؤسسة النظامية، بينما يؤدي التسريح الجماعي دون دعم اقتصادي إلى زيادة البطالة والتجنيد غير النظامي.

وثالث المتطلبات تنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بصورة تدريجية وشفافة، مع التمييز بين المقاتلين الذين لم يثبت تورطهم في جرائم، ومن يشتبه في ارتكابهم جرائم خطيرة، ومن تثبت مسؤوليتهم القيادية أو الجنائية. ويجب ألا تتحول إعادة الإدماج إلى عفو شامل أو إلى وسيلة لتوزيع الرتب والمناصب على أساس القوة العسكرية. بل ينبغي أن تتضمن التحقق من الهوية والسجل، والتدريب المهني، والدعم النفسي والاجتماعي، والتأهيل التعليمي، وفرص العمل، وإعادة الروابط الأسرية، وضمان عدم عودة الأطفال المجندين إلى الجماعات المسلحة.

ورابع المتطلبات تفكيك اقتصاد الحرب. ويشمل ذلك إخضاع شركات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة للمراجعة والتدقيق، وإعلان الملكية الفعلية للشركات والأصول المرتبطة بها، ومراجعة عقود التعدين والتجارة والنقل، ومنع استخدام عائدات الموارد لتمويل قوات خارج الموازنة العامة. وينبغي أن تتم هذه العملية وفق القانون وبأدلة موثقة، لا عبر مصادرة انتقائية أو اتهامات جماعية. كما يتطلب الأمر التعاون مع الدول والمؤسسات المالية لمنع غسل الأموال والتحايل على العقوبات وتمويل الجماعات المسلحة، مع حماية الأنشطة التجارية المدنية المشروعة التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية.

وخامس المتطلبات العدالة والمحاسبة. فالإفلات من العقاب كان عاملاً متكرراً في تاريخ المليشيات، من هجمات المراحيل إلى انتهاكات المليشيات الجنوبية وجرائم دارفور، وصولاً إلى الحرب الحالية. ولا يمكن بناء سلام مستدام إذا جرى التعامل مع الجرائم بوصفها تكلفة مقبولة للحرب أو إذا مُنحت القيادات المسلحة حصانة مقابل وقف القتال. ويجب حفظ الأدلة، وتوثيق مواقع المقابر والانتهاكات، وحماية الشهود والناجين، وإجراء تحقيقات مستقلة، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم وفق المعايير القانونية. كما ينبغي أن تشمل العدالة التعويض ورد الممتلكات، ودعم الناجين من العنف الجنسي، وإعادة الاعتبار للضحايا، وعدم التمييز بين الجناة على أساس انتمائهم إلى طرف أو قبيلة أو مؤسسة.

وسادس المتطلبات تسوية النزاعات على الأرض والمراعي والمياه والحواكير بصورة عادلة. فلا يمكن فصل السلام الأمني عن الأمن المعيشي؛ إذ يحتاج الرعاة إلى ممرات آمنة للوصول إلى المياه والمراعي، ويحتاج المزارعون إلى حماية الأراضي المزروعة والملكية، ويحتاج النازحون إلى ضمانات لاستعادة ممتلكاتهم والعودة الطوعية الآمنة. ويمكن دعم لجان محلية لحل النزاعات، شريطة ألا تحتكرها القيادات المسلحة أو أن تُستخدم لتكريس التهجير أو التمييز. وينبغي إشراك النساء والشباب والنازحين واللاجئين وممثلي المجتمعات المتضررة في ترتيبات التسوية، مع توفير آليات للاستئناف والرقابة القضائية.

وسابع المتطلبات إصلاح الإدارة الأهلية وإبعادها عن الاستخدام العسكري والحزبي. فالإدارة الأهلية يمكن أن تسهم في الوساطة وتخفيف النزاعات، لكنها تفقد شرعيتها عندما تصبح أداة للتجنيد أو توزيع السلاح أو فرض الولاء السياسي. ويجب أن تُصان استقلالية القيادات المحلية، وأن تُحدد وظائفها المدنية، وأن تُمنع من ممارسة سلطات عقابية خارج القانون، وأن تخضع إجراءات الاعتراف بالزعماء أو عزلهم لقواعد واضحة. كما ينبغي ألا يُفترض أن زعيماً واحداً يمثل جميع أفراد جماعته، بل يجب أن تتوافر آليات للمشاركة والمساءلة داخل المجتمعات نفسها.

وثامن المتطلبات إصلاح الخطاب العام ومواجهة التحريض على أساس الهوية. فالتعميمات التي تحمل قبيلة كاملة مسؤولية الجرائم تعاقب الأبرياء، وتوسع دائرة الانتقام، وتوفر للمسلحين خطاباً جديداً للتعبئة. وفي المقابل، فإن إنكار الاستهدافات الإثنية أو التقليل من شأنها يترك الضحايا بلا اعتراف أو حماية. وينبغي اعتماد خطاب يميز بين المجتمعات والقيادات والجماعات المسلحة، ويعترف بالجرائم الموثقة دون تعميم، ويدعم الإعلام المهني والمناهج التعليمية التي تشرح تاريخ السودان بصورة غير اختزالية، وتواجه الشائعات والمعلومات المضللة والتحريض على العنف.

وأخيراً، ينبغي أن يكون إصلاح القطاع الأمني جزءاً من تسوية سياسية شاملة تضمن انتقالاً مدنياً، وتمنع احتكار أي مؤسسة مسلحة للسلطة، وتعيد بناء الاقتصاد والخدمات العامة، وتفتح المجال أمام مشاركة الأقاليم المهمشة في الحكم. فلا يكفي أن تتوقف الحرب بين الجيش والدعم السريع إذا بقيت مصادر السلاح والتمويل والسلطة خارج الرقابة العامة، أو إذا استمر التهميش الذي يجعل التجنيد المسلح أحد الخيارات المتاحة أمام الشباب. والمطلوب هو بناء جيش وطني مهني، وأجهزة أمنية محددة الاختصاص، وشرطة مدنية خاضعة للقانون، وقضاء مستقل، ومؤسسات منتخبة تستطيع مراجعة الميزانيات والقرارات الأمنية. وبهذا فقط يمكن تحويل تاريخ المراحيل والمليشيات الجنوبية والجنجويد والدعم السريع من سجل متكرر للفشل إلى أساس لإصلاح يمنع إعادة إنتاج الحرب.

الخاتمة النقدية

يكشف تاريخ المليشيات في السودان عن مشكلة تتجاوز انتشار السلاح إلى طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمعات المحلية وبالمؤسسات العسكرية. ففي عهد عبود، اتخذت مواجهة الجنوب أساساً شكل القمع العسكري المباشر وسياسات المركزية والتعريب والأسلمة، ولا تثبت المصادر التي أمكن التحقق منها وجود مليشيات جنوبية موالية للحكومة ذات أسماء وقيادات محددة يمكن توثيقها بثقة. أما في عهد نميري، فقد أصبحت الاستعانة ببعض الجماعات المسلحة المحلية أكثر وضوحاً، خصوصاً عبر التعاون مع فصائل من الأنيانيا الثانية وتسليح مجموعات مسيرية في مناطق التماس والحقول النفطية، إلى جانب نشأة المراحيل عام 1983. ثم توسعت الظاهرة في عهد الحكومات اللاحقة، من جيش السلام وبعض الفصائل الجنوبية إلى قوات الدفاع الشعبي، فالجنجويد وحرس الحدود والدعم السريع.

ولا يمثل هذا التاريخ سلسلة تنظيمية واحدة؛ بل يكشف عن تكرار خيارات سياسية وعسكرية متشابهة في ظروف مختلفة. فالأنيانيا الأولى كانت حركة تمرد، والأنيانيا الثانية ضمت فصائل متباينة اتخذ بعضها مواقف معادية للحكومة ثم تحالف معها، بينما نشأ جيش السلام في سياق محلي مختلف، وارتبطت المراحيل بالحرب الأهلية الثانية ومناطق التماس، وتطورت قوات الدعم السريع لاحقاً إلى مؤسسة مسلحة ذات موارد وقدرات مستقلة نسبياً. ولا يصح، لذلك، دمج هذه التشكيلات في فئة واحدة دون تحليل تاريخ تأسيس كل منها وقيادتها ومصادر تمويلها وعلاقاتها بالدولة.

ويجب كذلك عدم تحميل القبائل مسؤولية جماعية عن أعمال المليشيات. فالمسيرية والرزيقات والفرتيت والنوير والدينكا والمورلي والمنداري والتوبوسا وغيرها من المجتمعات ليست وحدات سياسية أو عسكرية متجانسة. وقد انقسمت المجتمعات نفسها بين من تعاون مع الحكومة أو الحركة الشعبية، ومن رفض التسليح، ومن اضطر إلى النزوح، ومن تعرض للانتهاكات. ولذلك ينبغي أن تقوم المسؤولية على الأدلة المتعلقة بالأفعال والأوامر والقيادة والمشاركة، لا على الهوية أو النسب.

والدرس المؤسسي الأهم أن تسليح جماعة محلية قد يمنح الحكومة مكسباً عسكرياً قصير الأجل، لكنه قد يخلق قوة لها مصالح وقيادة وشبكات مستقلة، ويصعب إخضاعها لاحقاً للسلطة القانونية. كما أن إدماج المليشيات في إطار رسمي لا يضمن وحده انضباطها، مثلما أن إصدار قانون لقوة مسلحة لا يكفي إذا بقيت مواردها وسلسلة قيادتها خارج الرقابة الفعلية. وقد أظهرت تجربة الدعم السريع أن القوة الموازية يمكن أن تصبح منافساً للدولة عندما تتراكم لديها القدرات العسكرية والموارد الاقتصادية وشبكات التجنيد والعلاقات السياسية.

ولا يكتمل تفسير هذا التاريخ إذا عُزيت الانتهاكات إلى المليشيات وحدها، أو إذا أُعفيت القوات النظامية من مسؤوليتها. فالمعيار القانوني يجب أن يطبق على جميع الأطراف، مع التمييز بين الوقائع والأدوار والأدلة، وعدم افتراض أن طبيعة الانتهاكات أو حجمها متطابق في جميع الحالات. كما أن الاعتراف بالمظالم المحلية لا يبرر الجرائم، مثلما أن محاسبة الأفراد المسؤولين لا تبرر العقاب الجماعي للمجتمعات التي ينتمون إليها.

إن إنهاء دورة المليشيات يتطلب أكثر من نزع السلاح أو تغيير أسماء التشكيلات. فهو يحتاج إلى وقف الحرب وحماية المدنيين، وإعادة بناء قطاع أمني موحد تحت سلطة مدنية دستورية، ومراجعة موارد المؤسسات المسلحة، وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتسوية نزاعات الأرض والمراعي، وإصلاح الإدارة الأهلية، ومواجهة التحريض الإثني، وتوفير فرص اقتصادية بديلة للشباب والمقاتلين السابقين. ولا يمكن تحقيق سلام مستدام إذا بقي السلاح مصدراً مستقلاً للثروة والسلطة والشرعية، أو إذا استمر تهميش الأقاليم والمجتمعات الذي يسهل استغلاله في التجنيد.

ويظل تصحيح تاريخ عهد عبود وعهد نميري جزءاً من هذا الإصلاح المعرفي والسياسي. فمن الضروري توثيق كل تشكيل مسلح باسمه وتاريخ تأسيسه وقيادته ومصدر دعمه، وعدم اختلاق مليشيات غير مثبتة أو إسقاط وقائع مرحلة على أخرى. فالدقة التاريخية ليست مسألة شكلية؛ إنها شرط لفهم المسؤولية، وتحديد جذور الحرب، وبناء سياسات تمنع تكرارها. ولا يمكن تجاوز إرث المليشيات في السودان بإنكار الوقائع أو تبسيطها، بل بتوثيقها ومحاسبة المسؤولين عنها، وفهم أسبابها المتعددة، وبناء دولة مدنية تستطيع فرض القانون على جميع القوات المسلحة من دون تمييز.

المراجع

1. Blocq D. The grassroots nature of counterinsurgent tribal militia formation: the case of the Fertit in Southern Sudan, 1985–1989. Journal of Eastern African Studies. 2014;8(4):539–557.

2. Human Rights Watch. World Report 1990: Sudan. New York: Human Rights Watch; 1991.

3. Human Rights Watch. Behind the Red Line: Political Repression in Sudan. New York: Human Rights Watch; 1996.

4. Human Rights Watch. Famine in Sudan, 1998: The Human Rights Causes. New York: Human Rights Watch; 1999.

5. Human Rights Watch. Sudan, Oil, and Human Rights. New York: Human Rights Watch; 2003.

6. Human Rights Watch. Darfur Destroyed: Ethnic Cleansing by Government and Militia Forces in Western Sudan. New York: Human Rights Watch; 2004.

7. Human Rights Watch. Men With No Mercy: Rapid Support Forces Attacks against Civilians in Darfur, Sudan. New York: Human Rights Watch; 2015.

8. Human Rights Watch. “The Massalit Will Not Come Home”: Ethnic Cleansing and Crimes Against Humanity in El Geneina, West Darfur, Sudan. New York: Human Rights Watch; 2024.

9. Mawson AN. Murahaleen raids on the Dinka, 1985–89. Disasters. 1991;15(2):137–149.

10. Poggo SS. General Ibrahim Abboud’s military administration in the Sudan, 1958–1964: implementation of the programs of Islamization and Arabization in the Southern Sudan. Northeast African Studies. 2002;9(1):67–101.

11. Ryle J, Willis J, Baldo S, Jok JM, editors. The Sudan Handbook: History, Culture, Politics. London: Rift Valley Institute; 2011.

12. Tubiana J. Remote-control Breakdown: Sudanese Paramilitary Forces and Pro-government Militias. Geneva: Small Arms Survey; 2017. HSBA Issue Brief No. 27.

13. United Nations. Report of the International Commission of Inquiry on Darfur to the United Nations Secretary-General. Geneva: United Nations; 2005.

14. Young J. The South Sudan Defence Forces in the Wake of the Juba Declaration. Geneva: Small Arms Survey; 2006.

15. University of Mannheim. Documentation for Popular Defence Forces (PDF). Pro-Government Militias Database. Mannheim: University of Mannheim. تاريخ الاطلاع: 15 أكتوبر 2026.

16. University of Mannheim. Documentation for Fertit Militiamen (Peace Army). Pro-Government Militias Database. Mannheim: University of Mannheim. تاريخ الاطلاع: 15 أكتوبر 2026.

17. University of Mannheim. Documentation for Anyanya II. Pro-Government Militias Database. Mannheim: University of Mannheim. تاريخ الاطلاع: 15 أكتوبر 2026.

18. University of Mannheim. Pro-Government Militias: Murahaleen (Sudan). Mannheim: University of Mannheim. تاريخ الاطلاع: 15 أكتوبر 2026.

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الرقابة الادارية .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق
الأخبار
السودان.. هبوط مروحية عسكرية اضطراريا ونجاة ركابها شرقي البلاد
منبر الرأي
سنار أمنا وأبونا ! .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي
من طرف المسيد: سبعة صنائع والبخت ضائع
منبر الرأي
الشفيع خضر: المساومة التاريخية وغياب مفهوم القطيعة.. بقلم: طاهر عمر

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لينا يعقوب (أيقونة) الحريات الصحفية!

كمال الهِدَي
منبر الرأي

أهمية وإستراتيجية العلاقات السودانية الأمريكية في المرحلة القادمة .. بقلم: نضال عبدالوهاب

طارق الجزولي
منبر الرأي

عمر البشير وإعطاء الكرسي حقه .. بقلم: سعيد ابو كمبال

طارق الجزولي
منبر الرأي

سياحة تاريخية مع فنان الشعب: سيد خليفة … توثيق فني : بقلم صلاح الباشا

صلاح الباشا
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss