حين تُعيّن السلطة خصمها حكماً
قراءة في مقال الدكتور أحمد عثمان من مدخل الذكاء التاريخي للدولة والدستورية البنيوية
بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
لا تتجلى أهمية مقال الدكتور أحمد عثمان في كشف أوجه البطلان الدستوري لقرار تعيين أعضاء المحكمة الدستورية فحسب، وإنما في أنه يثير سؤالًا تأسيسيًا يتجاوز حدود النزاع القانوني إلى جوهر الدولة الحديثة: هل يجوز لسلطةٍ محل نزاع حول مشروعيتها أن تُنشئ المؤسسة التي تحتكر الفصل في مشروعية السلطة ذاتها؟
هذا السؤال لا ينتمي إلى فقه الدستور التقليدي وحده، بل يمتد إلى حقل الذكاء التاريخي للدولة؛ حيث تُقاس شرعية المؤسسات بقدرتها على حماية الدولة من تغوّل السلطة، لا بقدرة السلطة على إنتاج مؤسسات تمنحها غطاءً قانونيًا. فالدستور ليس نصًا يُستدعى لتبرير القوة، وإنما منظومة تقيدها، وتمنع تحولها إلى مصدر وحيد للشرعية.
ومن هذه الزاوية، يغادر مقال الدكتور أحمد عثمان حدود الطعن في قرار إداري، ليكشف عن أزمة أعمق تتمثل في تآكل الرأسمال الدستوري للدولة؛ أي المخزون التاريخي من الثقة الذي يمنح المؤسسات مشروعيتها ويجعل الاحتكام إليها ممكنًا في أوقات الانقسام السياسي.
من بطلان القرار إلى بطلان البنية
يعرض المقال دفوعًا قانونية متماسكة بشأن عدم دستورية القرار، سواء من حيث بطلان التعديلات الدستورية التي استند إليها، أو من حيث افتقاد الجهة المصدرة له للمشروعية الدستورية.
غير أن القراءة البنيوية تكشف أن الأزمة لا تكمن في القرار ذاته، بل في البنية السياسية التي أنتجته. فحين تُعاد هندسة المؤسسات وفق ميزان القوة، لا وفق منطق الدستور، تصبح المؤسسات الدستورية أدوات لإعادة إنتاج السلطة بدلاً من أن تكون أدوات لتقييدها.
وهنا لا تعود المحكمة الدستورية ضامنًا للشرعية، بل تصبح جزءًا من أزمة الشرعية نفسها.
الشرعية لا تُنشئها القوة
يقوم الفكر الدستوري المعاصر على مبدأ جوهري هو أن السلطة تستمد شرعيتها من الدستور، بينما يستمد الدستور شرعيته من الإرادة الدستورية للأمة، لا من إرادة الحاكم.
وعندما تجمع السلطة بين احتكار القوة والتشريع والتعيين، ثم تنفرد بتشكيل المحكمة التي تراقب دستورية أعمالها، فإنها تُفرغ مبدأ الفصل بين السلطات من مضمونه، وتُنشئ دائرة مغلقة يصبح فيها الخصم هو الحكم، والحاكم هو المفسر النهائي لحدود سلطاته.
وهذه ليست مجرد مخالفة دستورية، بل اختلال في البنية التأسيسية للدولة.
المحكمة الدستورية بوصفها ذاكرة الدولة القانونية
ليست المحكمة الدستورية مجرد هيئة للفصل في الخصومات، وإنما المؤسسة التي تحفظ الذاكرة الدستورية للدولة، وتحمي العقد السياسي من تغوّل السلطة وتقلبات السياسة.
ولهذا فإن استقلالها يبدأ من شرعية تأسيسها قبل استقلال قضاتها. فالمؤسسة التي تولد في ظل نزاع حول شرعية من أنشأها تحمل منذ نشأتها أزمة تأسيسية تقوض قدرتها على إنتاج الثقة العامة.
وهنا يمكن الحديث عن العجز التأسيسي للمؤسسة الدستورية؛ أي فقدان المؤسسة لشروط استقلالها البنيوية قبل أن تمارس اختصاصاتها.
من دولة القانون إلى الدولة الأداتية
تكشف الواقعة أيضًا عن تحول أخطر يتمثل في انتقال الدولة من نموذجها القانوني إلى نموذجها الأداتي؛ حيث تصبح المؤسسات وسائل لإدارة الصراع السياسي، لا لضبطه.
وعندما تتحول المحكمة الدستورية إلى إحدى أدوات إعادة تشكيل موازين القوة، فإنها تفقد وظيفتها الأصلية بوصفها الحارس الأعلى للدستور، وتصبح جزءًا من البنية السلطوية التي يفترض بها مراقبتها.
وهذا أحد أبرز مؤشرات تآكل الدولة الحديثة؛ لأن انهيار استقلال القضاء ليس نتيجة للأزمة، بل غالبًا ما يكون مقدمةً لها.
الذكاء التاريخي للدولة وعتبة الانغلاق المؤسسي
لا يكتفي الذكاء التاريخي للدولة بالحكم على دستورية القرار، وإنما يقيس أثره في الذاكرة المؤسسية للدولة.
فالتاريخ يعلمنا أن أخطر ما تفعله السلطات الاستثنائية ليس إصدار قرارات استثنائية، وإنما تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والمرحلة المؤقتة إلى بنية دائمة. وعندئذٍ تبلغ الدولة ما يمكن تسميته عتبة الانغلاق المؤسسي؛ حيث تتوقف المؤسسات عن تصحيح انحراف السلطة، وتتحول إلى آليات لإعادة إنتاجه وتحصينه.
خاتمة
إن القيمة الحقيقية لمقال الدكتور أحمد عثمان لا تكمن في تعداد أوجه البطلان الدستوري فحسب، وإنما في أنه يفتح بابًا لنقاش أكبر يتعلق بمستقبل الدولة السودانية.
فالخطر الحقيقي ليس في قرار تعيين قضاة المحكمة الدستورية، وإنما في تكريس نموذج تصبح فيه الشرعية نتاجًا للقوة، لا قيدًا عليها.
ومن منظور الذكاء التاريخي للدولة، فإن المحكمة الدستورية ليست مجرد هيئة للفصل في الخصومات الدستورية، بل هي المؤسسة التي تحفظ الذاكرة القانونية للدولة، وتمنع السلطة من إعادة كتابة قواعد اللعبة كلما تغير ميزان القوة.
وحين تفقد المحكمة هذا الموقع، لا يخسر القضاء استقلاله وحده، بل تخسر الدولة قدرتها على إنتاج الشرعية من داخل مؤسساتها. وعندئذٍ يصبح الصراع على السلطة بديلاً عن الاحتكام إلى الدستور، وتدخل الدولة في دورة إعادة إنتاج الأزمة بدلًا من بناء نظام دستوري قادر على احتوائها.
habobsalah@gmail.com
