بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
قبل بضعة أشهر قررت فجأة، ومن غير أسباب أو مبررات واضحة، أن أخوض تجربة الصيام المتقطع، مع تقليل الملح والامتناع تماماً عن تناول السكر الأبيض؛ ذلك المسحوق السحري المحبب إلى نفسي منذ أيام الفطام والرضاعة، في زمن كانت فيه الرضاعة ذلك الابتكار الحديث البديل الذي ظهر في أيامنا زمان، زمن الزمن السمح، لتغذية الأطفال، زمن أولاد العز ورضاعة البز، قبل أن تقل استعمالات البزازة لاحقاً لما عُرف عنها من بعض الأضرار، أقلها تأثيرها على الأسنان في طفولتنا.
وأنا طفل، كانت من أجمل اللحظات المحببة إلى نفسي تلك اللحظة التي تُحلب فيها الوالدة نصف ليمونة في كوز موية باردة من الزير، ثم تضيف إليها ملاعق السكر، وتُصب المزيج في الرضاعة… طعم لا يزال عالقاً في الذاكرة.
وبينما أمارس برنامجي الجديد بكل استمتاع بعد صلاة الفجر وقبل الشروق، رنّ الهاتف. كان على الطرف الآخر أحد الأصدقاء، وبعد السلام أخبرني أنه في طريقه إلى العمل، وأنه أعدّ دعوة غداء لعدد من الأصدقاء المشتركين، وسوف يمر عليّ بعد صلاة العصر، بعد نهاية الدوام، ليأخذني معه إلى منزله لتناول الغداء.
وغالباً ما يكون غداء الأصدقاء بعد صلاة المغرب مباشرة، وبعدها تأتي الدعوة الأخرى: حضور افتتاح فرع لمحل حلويات سودانية قريب منهم… يعني أن التحلية ستكون باسطة سودانية بمناسبة الافتتاح.
قلت لصديقي: والله مع برنامج الصيام المتقطع، دعوة غداء “السرماطية” بتاعت المغارب مقبولة منك، وسأكون جاهزاً في الموعد… لكن عليك الله شوف الدنيا كيف اتبدلت واتغيرت، وكيف تباعدت بنا الأيام عن زمن الزمن السمح.
زمان كانت وجبة الغداء عند الثالثة والنصف مرتبطة ببرنامج الرياضة، وبعد الغداء وشرب الشاي الأحمر بالسكر والنعناع نمشي نتفرج في كورة العصر، ثم نعود إلى البيوت مشياً على الأقدام. وباقي نار الغداء في المنقد، كانت نساء البيت بهمة ونشاط يسخّن اللبن ويعجنّ العجين للقيمات شاي المغرب.
وبعد الصلاة يأتي الشاي مع اللقيمات… وهاك يا زمن.
وهات يا زمن، كما تغني الفنان الكبير أحمد الجبري في الأغنية الخالدة:
هات يا زمن جيب كل أحزانك
تعال جيب المحن
طوّل يا أسى وكتر ينابيع الشجن
جرّعني كأس من لوعة ومن ألم
ما المحبوب خلاص خلاني ليك الليلة
راح خلف في قلبي الحسرة والشوق والجراح
لكن يا صديقي، أجمل من باسطة زمان لا أظن أن هناك باسطة. يا حليل الباسطة “المفسحة” في أيام الزيارة، التي كانت تُباع أمام باب المستشفى في عربة يجرها صاحبها بيديه، وكانت من أمتع اللحظات تلك الوقفة مع أمهاتنا أمام بائع الباسطة، وهو يشعل المسرجة لتنير المكان وتكشف لنا ذلك الطعم الجميل.
على كل حال… دعوة الغداء مقبولة، وسنكتفي في لحظات افتتاح محلات الباسطة السودانية بالمشاركة بالنظر، بعد أن حرمنا على أنفسنا السكر الطاعم واللذيذ…مع أن للذكريات طعماً لا يحتاج إلى سكر.
aminoo.1961@gmail.com
