تأملات
كمال الهِدَي
دار نقاش ساخن في مجموعة واتساب تضم عدداً مُقدراً من الصحفيين، ابتدره بعض الزملاء باستنكار موقف إحدى المشاركات في حملة السؤال الواحد (السخيف): “أين الكيماوي؟”.
وقد استماتت الزميلة المعنية في الدفاع عن موقفها، لكن كل ما قالته، من وجهة نظري المتواضعة، لم يكن أكثر من عبارات منمقة، ومبررات واهية، وأمنيات لا يسندها الموقف.
وما دعاني إلى تناول ذلك النقاش، الذي دار في مجموعة خاصة، هو أننا أصلاً مغتاظون إلى أبعد مدى من استصغار كثير من الإعلاميين لعقول القراء والمتابعين، فما بالكم عندما تستصغر إعلامية عقول زملائها أنفسهم؟
فقد أكدت الزميلة على وطنيتها، التي ترى أنها غير قابلة للمساس، وأن الديمقراطية تقوم على قبول التباين في الآراء. وهذا كلام مقبول نظرياً، لكن عن أي وطنية وأي ديمقراطية نتحدث حين يتلقى بعض الإعلاميين تعليمات بالحضور والانصراف، وتُصرف أموال طائلة على رحلاتهم وإقامتهم في الخرطوم لليالٍ معدودة، قبل أن يعودوا إلى مقرات إقامتهم في مختلف بلدان العالم، بعد إنجاز مهمة هدفها، في نهاية المطاف، تضليل السودانيين وإيهامهم بأن عاصمتهم عادت كما كانت أو تفنيد اتهامات باستخدام سلاح فتاك بمجرد سؤال سخيف؟
ذكرت الإعلامية أيضاً أن مشاركتها ضمن مجموعة لا تعني انتماءها إليها، وأنها تحافظ على وضعها كصحفية “مستقلة” تؤدي عملها. ولا أفهم، بصراحة، أي عمل صحفي أدته هي والمجموعة بطرح السؤال المذكور.
فالعمل الصحفي الاحترافي والاستقلالية هما ما عكسته، في المقابل، مجموعة من صحفيي “واشنطن ببوست” و”نيويورك تايمز”. ولو أن جوقة من طرحوا سؤال “أين الكيماوي؟” من داخل الخرطوم قدموا لنا مستندات تدحض ما نُشر، أو أجروا استطلاعات، ولو صورية، مع شهود عيان نفوا ما تم تداوله خلال معارك مصفاة الجيلي وغيرها، أو التقوا ببعض من طالتهم أصابع الاتهام ونقلوا لنا افاداتهم، لكان لمبررات الزميلة وكلامها معنى. أما من دون ذلك، فإن كل ما تفضلت به، في نظري، ذهب هباءً منثوراً ولم يخدم الحقيقة ولا الرئيس البرهان في شيء.
قالت أيضاً إن طرح سؤال “أين الكيماوي؟” كان بقصد التحقق من الاتهامات لإثباتها أو نفيها. ولك أن تتخيل، عزيزي القارئ، مستوى التسطيح، ولن أزيد، بعدما تركت هذه الجزئية لخيالك.
وأسألكم، أعزائي القراء، هل سمعتم صوت أي ممن شاركوا في تلك الحملة المهزلة، أو في اللقاء مع الفريق البرهان، قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي؟ هل طرح عليه أي منهم ولو سؤالاً واحداً حول ما تفضل به، أم اكتفوا جميعاً بالاستماع إلى رواياته وتعاملوا معها كمسلمات، ليتكرم بعضهم بالنشر لاحقاً؟
فكيف تريدنا الزميلة العزيزة أن نتعامل مع ما قاموا به باعتباره جهداً إعلامياً مستقلاً؟
تمنت الزميلة أن يعم وطننا السلام، وأن تتخلص النفوس من الحقد والحسد، وأن نعيش جميعاً في وئام، لأن السودان يسع الجميع. وهذه، في نظري، أمنيات لا يسندها الموقف. إذ كيف نحلم بالسلام والتعايش والوئام، بينما يصطف بعض الإعلاميين مع أحد طرفي الحرب، بدلاً من دعوتهما معاً إلى إيقافها؟
ما لا يريد هؤلاء أن يفهموه هو أن الأمر هنا لا يتعلق بالديمقراطية المُفترى عليها ولا بقبول تباين الآراء، بل هو موقف أخلاقي في المقام الأول.
الإعلامي موقف، يا سادة، ومهمته ليست أن يرتدي أجمل ما عنده، ثم يقف أمام المسؤول كتلميذ مدرسة معجب بالناظر، ويلتقط الصور، ثم يذهب في حال سبيله، لتستمر حملات التضليل وتجريف العقول.
فمثل هذه المواقف المخزية لن توقف حرباً، ولن تبني وطناً.
فكفاكم تجملاً وتلاعباً بالكلمات؛ فالبلد وصل إلى نقطة اللاعودة، ولم يعد هناك متسع للمزيد من التضليل والتدليس.
