بقلم: السر جميل
تنساب الأيام من بين أصابعنا كما يتسرب الماء الناعم من بين الصخور، نركض في مضمار الحياة، نلاحق أطياف السعادة ورضا الخلق، ونغرق في زحام المظاهر، ظانين أن العالم يتسع لخططنا الأبدية، وأن غدا أفسح من اليوم لنتدارك ما فات. غير أن الحقيقة القاسية التي تنكشف دائما متأخرة هي أن هناك لحظة فاصلة، ينكشف فيها الغطاء، ويرتفع الستار عن واقع مرير، يوم ينظر الإنسان خلفه فلا يجد إلا الركام، ويصرخ في جوف الفراغ بنجيب يعصر الفؤاد، ولكن في وقت تكون فيه أرقام الزمن قد نفدت، وصار الصوت صدى، والدمع جمرا، حين لا ينفع الندم.
تتبدى بذور هذه الفاجعة الإنسانية حين يقرر العبد، بملء إرادته أو بضعف خفي، أن يفارق الصراط المستقيم، يترجل عن طريق الله الذي هو النور والنقاء، ليلهث وراء إرضاء نداءات النفس الأمارة بالسوء، أو يستجد أطياف الرضا من بشر لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. ننساق خلف المخاوف الزائفة، نخشى أن يغضب فلان، ونحذر أن يتكدر خاطر فلان، فنقدم هواهم على أمر الخالق، ونشتري ودهم المؤقت بزوال بركة الله في أعمارنا وأرزاقنا. نبتعد خطوة تلو الأخرى عن طريق الحق، ونضرب صفحا عما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، لا سيما في أدق تفاصيل معاملاتنا اليومية وتفاصيل البيوت التي هي ملاذنا وأرواحنا.
داخل أسوار الأسر، حيث ينبغي أن يكون الدين حبل النجاة والسكن، يتسلل الجفاف الروحي حين يحل هوى النفس والأنا والإنكار محل الشرع والتراحم. نبتعد عن العدل، نغفل عن الكلمة الطيبة، ونستبدل أداء الحقوق بالاستعلاء والكبر. والأدهى من ذلك، حين يصل طغيان الهوى بالإنسان إلى أن يتضايق ويضيق صدره كلما ذكره مذكر بالطريق المستقيم أو تلا عليه أحدهم قال الله وقال الرسول. يصبح صوت الحق في أذنيه كصوت النكير، لأن النفس الغارقة في اللذة الزائفة والشيطان المتسلط والأنا المتورمة، لا تريد لأحد أن يعكر صفو تلك اللحظات السكرة التي تتوارى فيها الحقيقة.
في تلك الأوقات، يخيل للمرء أنه يملك زمام أمره، وأن الطريق الخالي من القيود الشرعية هو الأرحب والأيسر، وأن مواكبة أهواء الناس وشياطين الإنس هي الذكاء والمرونة. يغلف الشيطان المعصية بأغلفة الحداثة والتفهم، ويسكت الضمير بتسويف التوبة، ويجعل القلوب تقسو كالحجارة أو أشد قسوة. تعيش الأسرة في ظلال زرقاء باردة، يغيب عنها السكن الموعود، وتتلاشى منها الطمأنينة، لكن الجهل بالمال يجعل الجميع يواصلون الرقص على حافة الهاوية.
ولكن، هيهات للهوى أن يبني بيتا، وهيهات للبعد عن الله أن يورث إلا الشقاء. فالليالي الدامية لا تطول حتى تسفر عن فجر الحقيقة العارية. وسرعان ما تظهر سوءة هذا الطريق المظلم، وتبدأ ثمار البعد عن الحق في التساقط مرارة وعلقما. ينقلب ذلك الجمع الذي ظننت أنك ترضيه على عقبيه، وتتحول المحبة الزائفة إلى جفاء، والمداهنة إلى استهانة. تتفكك عرى الأسرة، ويتسلل الشتات والفرقة إلى بين الجدران التي شيدت على غير تقوى من الله.
يتطلع المرء فجأة في مرآة أيامه، فيرى الأبناء قد ابتعدوا، والقلوب قد قست، والديار التي كانت تسكنها الطمأنينة قد أصبحت مأتما للأنس والسكينة. ينظر إلى أشباح الماضي، فيكتشف أن الطريق الذي ظنه صوابا وأمانا لم يكن إلا سرابا بقيعة يحسبه الظمأن ماء. يسقط القناع الزائف عن كل الرغبات التي استهلكت العمر والجهد، ويبدو للهائم في ضلاله أنه ضحى بالباقية من أجل الفانية، وخسر القريب والبعيد، وأغضب رب السموات والأرض لإرضاء نفوس متقلبة لا تثبت على حال.
عندها تنفجر الفاجعة في الأعماق، دموع حارقة تتساقط على أعتاب الخسران، وحشرجة تثقل الصدر لا تجد لها مخرجا، وشحيب يقطع شغاف القلب حرقة وأسفا. يدرك الإنسان أنه ضيع الجوهر والصدق، وأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. يتمنى لو يعود به الزمان ولو لساعة واحدة ليخر ساجدا، ليتنفس بآيات الله، ليعيد ترتيب بيته على تقوى وهدى، وليقول كلمة حق ترضي ربه ولو أغضبت أهل الأرض جميعا.
ولكن، تتوقف ساعة الزمن عند حدها المكتوب، وتغلق الأبواب، وتصمت الأصوات، ولا يبقى في الأفق سوى صدى الخيبة واللوعة. إنها اللحظة التي تنكشف فيها العورة الروحية للإنسان، حين يدرك أن كل خطوة خطاطها بعيدا عن منهج الله كانت خطوة نحو حتفه النفسي، وأن كل رضا اشتراه بمعصية كان جمرة تشتعل في أحشائه. هناك، في العتمة القاسية للوعي المتأخر، يتجرع المرء مرارة الحقيقة الواضحة التي طالما هرب منها أن لا أمان، ولا عز، ولا بقاء، إلا في رحاب الله، وأن من تولى عن ذكره، فإن له معيشة ضنكا، يوم يصحو القلب ولا ينفع الندم.
من سلسة مقالات للأسرة
