دكتور محمد عبدالله
في رواية “دون كيشوت” لميغيل دي ثربانتس، يخرج الفارس الهائم باحثاً عن المجد والمغامرة، وقد اختلط خياله بالواقع. وفي أحد أشهر مشاهد الرواية، يرى طواحين الهواء عمالقة أشراراً، فيندفع لمهاجمتها، بينما يحاول تابعه سانشو بانثا إقناعه بحقيقتها. وحين يُهزم، يعزو ما حدث إلى ساحر حوّل العمالقة إلى طواحين. وبدلاً من مراجعة تصوره، يعيد تفسير الواقع بما يحفظ له الوهم.
تستحضر هذه الحكاية نمطاً من الخطاب السياسي لدى الإسلاميين السودانيين، حين تُقدَّم الحرب باعتبارها مؤامرة شاملة، ويُختزل تعقيد الصراع في وجود عدو واحد يُحمَّل مسؤولية الكوارث كلها.
ومن العبارات التي تتردد في هذا السياق أن “السودان يحارب 27 دولة” ، في إشارة إلى التدخلات الخارجية والدول الداعمة لأطراف الحرب. ولا شك أن الصراع السوداني شهد تدخلاً إقليمياً ودولياً، وأن تدفق السلاح والمال أسهم في تعقيد الحرب وإطالة أمدها. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى تفسير شامل و اوحد للحرب، أو إلى شعار يعفي القوى السودانية المتصارعة من مسؤولية قراراتها، يحوّل التدخل الخارجي إلى شماعة تُعلَّق عليها الإخفاقات.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 نشأت في سياق صراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعد شراكة انقلابية عطّلت الانتقال المدني. وكان الخلاف حول دمج الدعم السريع في الجيش، والسيطرة على المؤسسة العسكرية، ومستقبل الحكم، من أبرز العوامل التي سبقت القتال. ولا يمكن فهم هذه الحرب بعيداً عن إرث الحكم العسكري، وضعف مؤسسات الدولة، والتهميش، والتنافس على السلطة والثروة.
المشكلة ليست في إنكار وجود أعداء حقيقيين أو مصالح خارجية، بل في استخدام فكرة العدو الشامل و الأوحد لإغلاق باب النقد والمساءلة. فعندما تُصوَّر الحرب باعتبارها معركة وجودية بين الخير والشر، يصبح رفضها خيانة، والتفاوض تنازلاً، والاعتراف بالأخطاء خدمةً للخصم. وهكذا تتحول السياسة من مجال لإدارة الاختلاف إلى تعبئة دائمة للخوف والكراهية.
إن الخروج من الأزمة لا يبدأ بالبحث عن عدو جديد، بل بالاعتراف بالأسباب الداخلية والخارجية للحرب معاً. يحتاج السودان اليوم إلى وقف القتال وحماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وبناء دولة مدنية تقوم على المواطنة، وإخضاع المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية، ومعالجة جذور التهميش والنزاعات حول السلطة والثروة.
والتيارات الإسلامية، شأنها شأن سائر القوى السياسية، مطالبة بمراجعة تجربتها بصدق، والاعتراف بمسؤوليتها عن القرارات والممارسات التي أسهمت في إضعاف الدولة وإطالة أمد الصراع.
لم يكن دون كيشوت بحاجة إلى مزيد من الشجاعة لمهاجمة الطواحين، بل إلى شجاعة الاعتراف بحقيقتها. و القوى المتصارعة فى سودان اليوم بحاجة إلى الشجاعة نفسها: أن ترى واقعه كما هو، لا كما تصوّره الأوهام، وأن تواجه أسباب الانهيار بدلاً من صناعة عدو متخيَّل يُحمَّل كل شيء.
