تأمُلات
كمال الهِدَي
يُكثر بعض إعلاميينا من توظيف هذه الوسيلة المهمة، التي يفترض بها أن تكون سلطةً رابعةً تُعبر عمّا يجيش في نفوس الشعوب وتطلعاتها، لتتحول إلى مجرد أداة علاقاتٍ عامة لا تخدم إلا القائمين عليها وبعض العاملين فيها.
وأسوأ ما في الأمر، أن البعض يقعون في تناقضٍ صارخٍ، دون أن يدركوا ذلك. ففي الوقت الذي يقدمون فيه صحفهم أو مواقعهم على أنها منابر للرأي الحر وجسور للتواصل مع جمهور القراء، تجدهم يدعمون من يقفون ضد مصالح هذه الجماهير، ويروجون لهم بوصفهم رموزاً وقاماتٍ جديرةً بالاحترام.
وربما يكون إعلامنا وفئات من شعبنا من أكثر الناس استخداماً للعبارات الرنانة من شاكلة ” الرجل القامة” و ” الرمز الرفيع”.
والأمثلة في هذا المجال لا حصر لها، لكنني سأكتفي في هذه المساحة بمثالٍ واحد. فقد طالعت بالأمس مادة صحفية سُكب فيها كل مداد التطبيل.
إذ قرأت أن تكريماً كبيراً قد أُقيم بالمملكة العربية السعودية للاحتفاء ب ” القامة الوطنية التي صنعت حضورها بالإنسانية” كرار التهامي.
ولمن لا يعرفون الرجل، فهو أحد الذين أفسحت لهم بعض الصحف الهلالية المجال للوصول إلى مجلس إدارة نادي هلال (الحركة الوطنية) في مرحلة من المراحل.
وقد ضحكت حين قرأت عبارة ” القامة الوطنية التي صنعت حضورها بالإنسانية” ضمن عبارات الثناء التي كُتبت عنه في تلك المادة. وسبب ضحكي هو أن التهامي هو القائل أن جهاز تنظيم شؤون العاملين بالخارج ليس منظمة خيرية، وقد كان وقتها أميناً عاماً للجهاز.
ولك أن تتخيل، عزيزي القارئ، كم الصلف الكامن في مثل هذه العبارة. والمفارقة أنه إذا جاز الحديث عن المنظمات الخيرية ضمن هذا السياق، فالمغترب هو الجمعية الخيرية الفعلية التي تدور عجلتها من أجل رفاهية مسؤولي الحكومة والجهاز وأمينه العام كرار، أو من أعقبوه في المنصب.
فقد ظل المغتربون ضحية صلف وفساد حكوماتنا المتعاقبة، إذ دفعوا علي مدى عقود طويلة الكثير من المال علي شكل ضرائب وزكاة ورسوم لخدمات لم يهنأوا به لا هم ولا أهلهم في السودان.
كما أن كرار التهامي هو الشخص ذاته الذي رأيناه يخرج محتفلاً وسط جنود الدعم السريع بعد فض اعتصام القيادة، وتلك المشاهد المروعة التي شاهدتموها جميعاً. ولا تنسوا أيضاً أنه كان واحداً من أشد المتحمسين لقائد الدعم السريع، حميدتي، الذي تحارب قواته حالياً الجيش وكتائبه.
فكيف، بالله عليكم، لصحافة محترمة أن تصف مثله بأنه ” قامة إنسانية”، لو كانت حقاً لسان حال جموع المواطنين العاديين؟
ما لم نحترم المهنية والقراء، ونتعلم متى نمدح، ومتى ننتقد من يخطئون في حق البلد وشعبها، فلن ننهض من عثراتنا، بل ستظل هذه الصحافة معول هدمٍ، بممارسه مثل هذا النفاق وتضليل القراء، وتغبيش وعيهم، في الوقت الذي نعاني فيه أصلاً من انخفاض مستويات الوعي، حتى وسط المتعلمين وبعض الإعلاميين أنفسهم.
الوطن بأكمله يفلت من بين أيدينا، بينما لا يزال هم البعض منصباً على الترويج لصحيفته، موقعه الإلكتروني أو زاويته الصحفية. فكم هو محزن حالنا حقاً.
والأكثر إيلاماً أنك كلما أكثرت من التطبيل الفارغ والمحتوى قليل الفائدة، زاد عدد متابعيك، وكلما كتبت عن ” القامات المُتوهّمة” وجدت من يثنون على ذلك. فبيننا فئات واسعة لا تمانع في المجاملة على حساب قضايا الوطن الكبرى، كما أن البعض لا يميزون بين الصديق والعدو، ولهذا نُضيع وطناً بحجم السودان ومكانته.
kamalalhidai@hotmail.com
