عاطف عبدالله
قرأت بعناية مقال الصديق الفاتح محمد المعنون “حين يصبح الحوار جسراً في اتجاه واحد”، ووجدتني أمام مفارقة تستحق التوقف: جزء معتبر من نقده لا يرد على ما كتبته بالفعل، وإنما على استنتاجات حمّلها للمقال ثم ناقشني على أساسها.
يقول الفاتح إن دعوتي للحوار تبدو “جسراً في اتجاه واحد”، وإن المطلوب، بحسب قراءته، أن يراجع الحزب الشيوعي موقفه ويخرج من عزلته وينضم إلى مساحة حددها طرف آخر.
لكن أين قلت ذلك؟
لقد كتبت بالنص:
“فليس مطلوباً من الحزب الشيوعي أن ينضم إلى صمود، كما أنه ليس مطلوباً من صمود أن تتبنى برنامج الحزب الشيوعي”.
وكتبت أيضاً:
“ليس مطلوباً من الحزب الشيوعي أن ينضم إلى صمود… المطلوب أن يجلس الطرفان”.
ثم ذهبت أبعد من ذلك وقلت:
“وفي المقابل، فإن على صمود أن تستمع فعلاً إلى هذه الانتقادات، وأن ترد عليها بالحجة، وأن تراجع ما يستحق المراجعة”.
فكيف تتحول دعوة تطالب الطرفين بالحوار والمراجعة إلى “جسر في اتجاه واحد”؟
وكيف يصبح قولي إن الحزب يحتفظ باستقلاله التنظيمي والسياسي والفكري، وإن التنسيق “لا يعني ذوبان أحدهما في الآخر”، دعوة للحزب كي يلتحق بصمود؟
هنا، في تقديري، تكمن المشكلة الأساسية في نقد الفاتح: لقد ناقش نتيجة لم أقل بها، ثم طلب مني الدفاع عنها.
أما قوله إنني لم أفكك الأسباب السياسية التي دفعت الحزب إلى موقفه، فالنص نفسه يناقض ذلك. فقد أشرت بوضوح إلى الخلافات الاقتصادية، وإلى موقف الحزب من اقتصاد السوق ورفع الدعم، وإلى تحفظاته على بعض علاقات ومواقف مكونات صمود، وقلت بالنص:
“من حق الحزب الشيوعي أن يعارض أي تقارب مع قوى يرى أنها أخطأت في الماضي، وأن يبدي تحفظاته على علاقات بعض مكونات صمود الإقليمية والدولية، وأن يختلف معها حول الاقتصاد والسياسات الاجتماعية وشكل الدولة وطبيعة المرحلة الانتقالية والعلاقات الدولية وغيرها”.
فأي تجاهل للخلاف السياسي بعد ذلك؟
بل إن جوهر مقالي كله يقوم على الاعتراف بهذا الخلاف، ثم طرح سؤال مختلف: هل وجود الخلاف يستوجب القطيعة؟
وهنا يقع اختلافنا الحقيقي.
أنا لا أطالب الحزب بالتخلي عن خلافاته مع صمود، ولا بتغيير برنامجه، ولا بالتنازل عن رؤيته الطبقية، ولا بالانضمام إلى التحالف. دعوتي أبسط وأوضح من ذلك: إذا اتفقت قوى سياسية مستقلة في قضايا محددة، فلماذا لا تنسق حولها مع احتفاظ كل منها بكامل استقلاله وخلافاته مع الآخرين؟
والفاتح نفسه، من حيث لا يقصد، يقدم في مقاله دليلاً على وجاهة هذا السؤال عندما يشير إلى تقارب مواقف الحزب وصمود في رفض الحكومة الموازية والتحذير من تقسيم السودان.
وهنا يصبح السؤال عملياً جداً:
إذا التقى الطرفان في رفض تقسيم البلاد، فلماذا لا ينسقان حول وحدة السودان؟
وإذا التقيا في ضرورة وقف الحرب، فلماذا لا ينسقان من أجل وقفها؟
وإذا كان كلاهما يطرح دولة مدنية ديمقراطية، فلماذا يصبح مجرد الجلوس إلى مائدة واحدة خطراً على استقلال الحزب؟
التنسيق ليس تحالفاً، والتحالف ليس اندماجاً، والجلوس للحوار ليس توقيعاً على برنامج الطرف الآخر.
أما حديثي عن “ترتيب الأولويات”، فلم يكن حيلة لغوية لتجاوز الخلافات كما يوحي الفاتح، وإنما هي مقتبسة من عنوان البث الذي قدمه الأستاذ قرشي عوض من خلال صفحته على الفيسبوك، وهو سؤال سياسي أراه مركزياً في واقع السودان الراهن: ما الأولوية في بلد أنهكته الحرب والنزوح والانهيار الإنساني وتفكك مؤسسات الدولة؟
هل نؤجل التنسيق حول وقف الحرب حتى تحسم القوى المدنية خلافاتها الاقتصادية والفكرية؟
وهل ينبغي أن نتفق أولاً حول تعريف الطبقة العاملة واقتصاد السوق والدعم قبل أن نجلس معاً لمواجهة الحرب ومخاطر تفكك الدولة؟
بالطبع هذه الخلافات مهمة، ولا أدعو إلى دفنها أو تأجيل النقاش حولها، ولكن السياسة هي أيضاً القدرة على التمييز بين ما نختلف حوله وما نستطيع العمل معاً لإنجازه.
وأستغرب كذلك قول الفاتح إنني كان ينبغي أن أعلن ببساطة: “أنا عضو في الحزب وأختلف مع موقفه من صمود”.
أنا لم أخف انتمائي للحزب، ولم أحتج يوماً إلى شهادة لإثباته، كما لم أخف اختلافي مع بعض مواقفه. وحق العضو في التفكير والنقد والمراجعة ليس منحة يمنحها له أحد، وإنما شرط من شروط حيوية أي حزب يريد أن يبقى مؤسسة سياسية حية لا مجرد جهاز يردد أعضاؤه الموقف الرسمي.
لكنني في الوقت نفسه لم أكتب مقالي لأعلن تأييدي لـصمود في مواجهة الحزب. كتبت لأقول إن القطيعة بين القوى المدنية ليست قدراً، وإن الاختلاف لا يمنع الحوار والتنسيق في القضايا المشتركة.
والفارق بين الأمرين كبير.
ثم إن الفاتح يقول في خاتمته إن الإدارة الحضارية للخلاف تبدأ بالاعتراف بوجود خلاف سياسي حقيقي، ثم تفكيك أسبابه ومناقشة حجج أطرافه.
وأنا أتفق معه تماماً.
لكن ما الوسيلة لفعل ذلك؟
أليست هي الحوار الذي دعوت إليه؟
إذا كنا سنعترف بالخلاف ونفكك أسبابه ونناقش حجج الطرفين، فنحن في الحقيقة نقف على الأرضية نفسها التي انتهى إليها مقالي: فلنتحاور.
لذلك لا أرى الجسر الذي تحدث عنه الفاتح «في اتجاه واحد».
قلت بوضوح إن على الحزب أن يطرح اعتراضاته كاملة، وعلى صمود أن تستمع إليها وتجيب عنها، وإن على الطرفين مراجعة ما يستحق المراجعة، ثم يحتفظ كل منهما بعد ذلك بما يشاء من مواقفه وبرامجه واستقلاله.
فإذا كان هذا جسراً في اتجاه واحد، فما هو الجسر ذو الاتجاهين؟
الخلاف بيني وبين الفاتح، إذن، ليس حول مشروعية اختلاف الحزب مع صمود؛ فهذا حق أكدت عليه مراراً. الخلاف هو حول ما الذي ينبغي فعله بهذا الاختلاف.
هل نحوله إلى قطيعة دائمة، أم نديره سياسياً ونبحث عما يمكن أن نتعاون حوله؟
موقفي واضح: نختلف، وننتقد، ونتصارع فكرياً وسياسياً، ولكن عندما نجد أنفسنا أمام قضية وطنية مشتركة، ننسق حولها من دون أن يذوب أحد في أحد.
وأعيد هنا ما ختمت به مقالي لأنه، في ظني، يغني عن كثير من هذا الجدل:
“التنسيق لا يلغي الاختلاف، والاختلاف لا يبرر القطيعة”.
هذا هو موقفي.
لا أطلب من الحزب الذهاب إلى صمود، ولا من صمود القدوم إلى الحزب.
أطلب من كليهما أن يذهبا إلى مائدة الحوار.
فإن كان في ذلك انحياز، فهو انحياز للحوار في مواجهة القطيعة، وللعمل المشترك حيثما أمكن في مواجهة التشرذم.
وهو انحياز لا أجد ما يدعوني للاعتذار عنه
