محمد صالح محمد
يقولون “الرفيق قبل الطريق” وهي عبارة قد تبدو في ظاهرها نصيحةً للمسافرين عبر القطار لكنها في جوهرها فلسفةُ وجودٍ كاملة. فالطريق مهما طال أو قصر ليس إلا مساحةً زمنية ومكانية أما المعنى الحقيقي للرحلة فلا يمنحه تعبُ الأقدام بل أُنسُ الأرواح.
فلسفة الرفقة في لجة العواصف …
إن اختيار الرفيق ليس مجرد قرارٍ عابر لتزجية الوقت بل هو انتقاءٌ لـ “مرآة” ترى فيها حقيقتك حين تغبّش وجهك الأيام. في المسافات الطويلة تذوب المساحيق وتسقط الأقنعة ولا يتبقى إلا الجوهر.
الرفيق الحقيقي هو الذي لا يجعل الطريق أقصر بل يجعله أجمل؛ هو الذي يحول حفر العثرات إلى دروسٍ في الصمود ويجعل من شحّ الزاد مأدبةً من الرضا.
وبعد كل الذي حدث لماذا أنتِ؟
الحياة ليست نزهةً في حديقة بل هي مخاضاتٌ من الفقد والتعثر والنهوض. مررنا بمنعطفاتٍ حادة واصطدمنا بجدران الواقع وشهدنا كيف تتغير الوجوه وتتبدل النوايا تحت وطأة الظروف.
“بعد كل انكسار وبعد كل خيبة أمل أعادت ترتيب أولويات القلب أدركتُ أن الوجهة ليست مكاناً نصل إليه بل هي يدٌ نشدُّ عليها بقوة وسط الزحام”
وهنا وفي هذا الصخب لا أجدني أبحث عن “خارطة” جديدة بل أجدني ألتفتُ إليكِ
سأختاركِ رفيقتي “يا زولة”
كلمة “زولة” في قاموس الوجدان السوداني والانساني ليست مجرد مسمى بل هي رمزٌ للبساطة الآسرة والشهامة الفطرية والصفاء الذي لا تشوبه شائبة فهي تعبير عن تلك الروح “السمحة” التي تحتضن التعب بابتسامة وتداوي الجراح بكلمةٍ طيبة تخرج من القلب لتستقر في الروح.
سأختاركِ أنتِ لأنكِ …
الأمان في زمن القلق: حين تضيق المسارات أجد في رحابة روحكِ متسعاً.
الثبات في مهب الريح: بعد كل الذي حدث كنتِ الصخرة التي لم تزدها الأمواج إلا صقلاً.
الصدق المطلق: في عالمٍ ممتلئ بالزيف تظل “زولتي” هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل.
إن الطريق دونكِ مجرد قطعٍ للمسافات ومعكِ يصبح كل شبرٍ حكاية وكل عثرةٍ قصيدة. لذا وبملء إرادة الروح التي خاضت تجاربها أقولها بيقينٍ لا يتزعزع سأختاركِ رفيقتي دائماً وأبداً.
فليطل الطريق أو يقصر وليكن وعراً أو ممهداً طالما أن يدكِ هي التي تقود خطاي فلا خوف من الوصول ولا وحشة من المسير.
إليكِ يا أمَّ صغاري ورفيقة مشواري …
وفي ختام هذا البوح لا أجدُ وصفاً يليق بكِ أصدق من أنكِ “الوطن” الذي آوي إليه كلما اغتربت بي السبل. لم تكوني يوماً مجرد رفيقة دربٍ عابرة بل كنتِ الشريكة التي غرسنا معاً بذور أحلامنا وسقيناها بصبركِ وعطائكِ حتى أزهرت في وجوه أطفالنا.
إن اختياركِ “يا زولة” لم يكن قراراً لحظياً بل هو ميثاقٌ غليظ تعمّد بضحكات الصغار وبدموع التعب وبانتصاراتنا الصغيرة والكبيرة.
أنتِ لستِ فقط أم أولادي بل أنتِ “الأصل” الذي يستند إليه قلبي والبوصلة التي توجّه سفينتنا نحو بر الأمان مهما تلاطمت أمواج الحياة.
“بعد كل الذي حدث وما سيحدث ستبقين أنتِ الخيار الأول والأخير والوجهة التي لا أحيد عنها والرفيقة التي أفتخر بأن أكمل معها ما تبقى من حكايا العُمر.”
فشكراً لأنكِ كنتِ وما زلتِ السند والمدد وأجمل أقداري.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم