جمال محمد ابراهيم
لا…!
لا ليست هنالك من قصة أخرى، إذ ْ”حَاجَّـة الصَّبُر”، قصة لوحدها ، ولا تشبه أي سيدة ممَّـا عرفت في طفولتي وصـباي. هي القصَّة القصيرة التي أبْدعَتْ والـدتي حَـاجــة “آمِــنـة” – رحمها الله- في رسم تفاصيلها في ذاكرتي، مُنذ أن رَعتْ طفولتي . لم ْترضعني إلّاَ لأكبُر أمام عينيها، ولتعلمني محبَّة الحيـاة ، وَلتمسك بيديَّ ليكونَ سَـعيي في الدُّنيـا ، كما تريد وتحلم أيُّ أمٍّ لوليـدهاالبِكْـر .
يا طالما سَـألتُ القلبَ قبلَ العقلِ، كَيفَ رَسختْ ملامح ُ امرأة تشبه ملامحها ملامح والدتي، ولم تبرح َذاكرتي كلَّ هذه السِّـنين، وأنا أخطو إلى سَبعيناتي ، فيما عرفت امرأة اسمها حاجة الصبر ، وعمري حينها لم يتجاوز السابعة.
كتب صديقي عبدالوهاب، سـطوراً حميمة جاء فيها وصفٌ لسوقٍ يقع قبالة البقعة التي يبدأ عندها مجرى منها نهر النيل العظيم ، بعد أن يلتقي النيل الأبيض القادم بطيئا متمهلاً من جنوب البلاد، ليلاقي نهر النيل الأزرق القادم مسرعاً من شرق البلاد . تلك هي النقطة التي يبدأ منها ما صار يعرف تاريخيا بنهر النيل العظيم. إلى الشرق جزيرة فيحاء اسمها جزيرة “توتي”، وغربها لو عبرت ذلك النهر العظيم ، يقوم حي أم درمان الشهير : حي “الموردة”. قام في ذلك الحي سوق للخضر والفاكهة، يأتيها من القوارب التي تربط ضفة النهر الشرقية مع ضفته الغربية ، فنشأ سوق الخضر الذي يزوّد أحياء منطقة غربي النهر العظيم في أم درمان الجنوبية.
لم يكن ذلك السوق مَحلاَ لتجارة الخضر والفواكه فحسـب، بل تطور الحَي وصار موقعا ًمأهولاً بسكان من مختلف أركان المدينة ، تكاثروا حوْل أوَّل من استوطن تلك البقعة “مُحمد حاج خالد العُمَرابي” ، وهو أمير من كبار أمراء دولة المهدية التي قامت عاصمتها أم درمان وسمقتْ منذ عام 1885م، وإلى أفـولها بعد غزوة “كيتشنر” عام 1899م. عرفت تلك البقعة مَراكب تصنع ، وثمَّة بضائع متنوَّعة تباع وتشترَى، وثمَّـة محلات لحياكة الملبوسات للنساء وللرِّجال .يحتشد المكان بالمطاعم والبقالات وبأهل الصناعات الهامشية والمهن الخفـيفـة .
كتبَ صديقي عبدُالوهاب، كلاماً أثارَ كوامن الذِّكريات عَن أيام ذلك السُّوق في أواسـط سنوات القرن العشرين. تلك أيام ٌ كانت الحركة فيها من مكان جغرافي لآخر، باستقلال التُـرام بين مدينة أم درمان وَتوأمَـيها: مدينتي الخرطوم وبحري. ما قبل سنوات الخمسينات وإلى ما بعدها بقليل، كانت الدّواب ُهيَ وسيلة التحرَّك بين أحياء المدينة. ثمّ يحدّثك صديقي عن سُـوق حي “الموردة” وحكاياته. حين جاء ذكر سـيِّدات الخُضار في ذلك السُّوق ، فالذي حكاه عن سـيِّدة الخُضار “حَاجَّة الصَّبُـر” في تلكم السنوات الغابرة، أهاجَ ذاكِرةً من غـَيبوبتها ، فتنحَّى ضبـابُ النسيان جانباً .
رأيتني بعد سطور صديقي، صَبياً في السَّابعة وبرفقـة أخي وابن خالتي كمال ، نهرشرق الحعُ راجليـن- ودائما في صباح يوم الجمعة- من حيّنا في نواحي جنوبي “خور أبوعنجة، إلى سُـوق ِالخُضر لنبتاع ما كُلِّـفـنا بشرائه من خضروات من “حَاجَّة الصَّبُـر”. وصية أمهاتنا لنا أنْ لا نبتعـد عن مفرش “حَاجَّة الصَّبُر” التي تأتيها الخضروات طازجة من حقولٍ في جزيرة “توتــي،” محمولة على القوارب الخشبية التي تربط الضفتين، من شرق الجزيرة غرباُ إلى حي “الموردة”.
نصلُ معاً- أنا وأخي كمال -إ لى ذلك السُّوق، وَوِجهتنا هي سـيّدة الخُضار،مثلما أوصِينا . تذكِرة المُرور إلى تلك”الحَـاجَّــة” ، كانت جملة ًواحِـدة:
- يا”حَاجّـَة..”جِـئناك من طرف أمّي “آمـنـة” وخالتي “الجَنَّـة” . . !
وَيجيبب وجـه ٌمنشرحٌ، يَتسَـاءَل: - أجِي يا وليـداتي. .! ما إنتو شَـبَه أمَّاتِكم زَبايني وبعـرفـكم..!؟
نسـتلم حِزَم َالخُضروات ونُسـدِّد قـيمتها ، بلا جدال ولا مساومة حول أثمانها. لا يخطر ببال “حَاجَّة الصَّبُر”، ولا ببالِ أحـدٍ منَّا، أنَّ ثمَّةَ أحتمالَ لتلاعُبٍ يقع في السِّعر أو في أوزان حِزَم الخضروات . كُنَّـا ندرس بعض َآيات القرآن :((الذينَ إذَا اكْتَالُوا عَلى النَّاسِ يَسْتوْفوْنَ() وَإذا كَالوْهُمْ أَو وَزَنُوْهُم ْيُخسِرُوْنَ)). لم تكن “حاجّـة الصَّبـُر” من المططففين .
ثم نعود أنا وأخي أدراجنا ، راجليـن آمنين سالمين، ممسكين بما استبضعنا من حزم الخضروات، في دعة واطمئنان. مضينا ونحن في تلك السن، لا يقطع علينا الطريق- وهو ممتـدٌّ لأكثر من كيلومترين – أحـدٌُ يسأل ما بِنا، أو يَتحرَّش بِنـا صَبيٌّ من أندادِنا ، أو يتنمَّر كبيرٌ يخيفـنا، ونحنُ نعبر إلى بيوتنا غربي حي “الموردة”، طوال ذلك المشـوار.
كان السَّلامُ والأمَانُ محفوظين ، دون أن تُرفعَ لهما شِـعارات أو تَنبيهَات. لا مَشَاهِد لشرطةِ نظاميين يمثِّلون سلطةً للحماية والضبط ِ والرَّبط، يحومون في المشـهد. في أكثر أحياء أم درمان – وبالتأكيد في المُـدن العـديدة الشبيهة- لا دور نشاهده في صبانا ، إلا مشهد شرطي يحمل بندقية ًلمطاردة الكلاب ِالضَّالة. كُـنَّا نَرى أنَّ َذلك هو واجب الشّرطة فقط، ولا دور لهم سِــواه.
عجبنا وَنحنُ في سنواتِ تفتحِ وَعينا إلى أكثر مِن ذلك، أنْ نَرَى للشرطة شِعارات مرفوعة ، مثل شِـعار يذكِّرنا انَّ “الشُّرطة َفي خِـدمَة ِالشَّعب”. ما خَطرَ ببال ِبشَـرٍ وقتها ، أنْ سَـيأتي زمانٌ تلاحـقَ فيه الشرطةُ – ليسَ الكلاب الضَّـالة- بل بشراً آدميين يرتدون ألبـسَـةً مُموّهـة ومقـنَّعون بعُمامات خضراء اللونِ خَدَّاعة، فلا يُميّز أحَـدٌ مَلامحهم، أو يتعـرَّف على حقـيقـة هويّاتهم . ذلك فِعل من يتـأبطَ شـرَّا، وليتهم كانوا شعراء مثل الشاعر الحجازي صاحب اللقب ، لكننا شَـهدناهُم في بلادنا قـَتـلـةً أوباشــا.
في تِلكم السَّنوات التي أحيَتْ ذِكرَهَا سُـطورُ صديقي عبدالوهاب، وَهوَ يُحدِّث عَن سُـوق “المَوْرَدَة” وجاءَ ذِكرُ “حَاجَّـة الصَّبُر”، كان السِّــلمُ والأمَـانُ ، قـيمتين راسـِخَتين في القلوبِ وَفي الضمائر، وليسـتا مِمَّـا درَّجَ الناسُ على كتابته في مواثيق وعهودٍ واتفاقيات، وتنشأ معها قـواتٌ نظامية تُراعيها اِلتزاماً وَاحتراما، وَتُعاقِـبَ مُهدِّدي اسْـتقرارهـما، بآلياتٍ مُحـدَّدة ومعلومــة.
يَا لزمان كانت تُغرس فيه القِـيَم السَّـمحة على الفطرة التي فطَـرَ الله ُعليها أنفس البشـر، فتلقِمَنا إيّاها أمُّهَاتنا وَعمَّاتنا وخَالاتنا وجِـدّاتنا ، في جُرعات ٍنستهضمها بعقولنا وجوارحنا وضمائرنا . ولربَّما لـنا أنْ نتسَاءل إلى أينَ تراجعتْ هذه القيَمُ، وَكيفَ انفتحتْ أبواب كهوفٍ خرجت ْمنها ثعـابين الـشّــرِ وشـياطين القتلِ والنَّهـبِ والخـراب .. ؟
رحم الله ُأجيـالاً، منهم أمهاتنا وجداتنا رحلوا ولم يشهدوا ، مثلمـا كُتبَ لنا نحـنُ أن نشْـهد، ممَّن أمسكوا برقابنا وبنواصي البـلاد ، فساموها عذابا وقتلاً وخـراباً ودمَارا . لكأنهم كُلفوا بمحوِ إرثِها وتاريخِها وقـيَمِهـا ، أو كأنْ لم ْيكُن لهُم أمَّهَاتٌ وخَالات ٌوعَمَّات ٌوجدّات مِثلـمـا كُن لنا، ربينـهم ورعينهُم وغرسْـنَ في نفوسهم كما في نفوسنا وكما في ضمائرنا. رَحـمَ اللـه “حَاجَّـة الصَّبُر”- يا صديقي عبدالوهاب – وردَّ إلينا ما ضاع َمن قـيَمنا وأخلاقـنـا واسْــمنا.
القاهرة -25/9/2026
