الصادق حمدين
ارحل وحسب، يا برهان ارحل إيها الجنرال الذي يحمل نياشين وأنواط السّفه والجبن، ارحل الآن، ودم ضحايا المعدنين عن الذهب في شمال الوادي ما يزال يروي أرض أجدادهم الطاهرة، بينما تتلهى بلعب الورق، وكأنك صعلوك سفيه لا تشغله سوى نفسه. مضت أيام على الكارثة القومية التي اعترف النظام المصري طوعاً بارتكابها، وأنت ما زلت تتوسد جبنك، وعارك وترتعش خوفاً من إصدار بيان إدانة، ولو من باب البطولات الزائفة. أي هوان وذل وقلة مروءة ارتضيتها لنفسك؟!
لقد آن أوان الرحيل، أيها الجنرال التائه في كوابيس أحلام أبيه. لم يعد لك في أرض الشهداء والأبطال مقام؛ فقد اغتسلت أرض آبائهم وأجدادهم بدمائهم الطاهرة، وصارت لها قدسية تأبى النجاسة والغدر والخسة والخيانة والعمالة، التي غدوت رمزها الأول دون منازع.
قم كسيراً ذليلاً، خذ بقجتك، ولا تنسَ ميليشياتك وعسسك وحرسك، وارحل عنا غير مأسوف عليك. لقد ضاقت أرض الطيبين المضيافة بما رحبت، ولم يعد وطن الشجعان يجمعك معهم. ارحل يكسوك عار أبدي، وتشيعك مذلة مشفوعة بلعنات الأمهات الثكالى والآباء المكلومين وغضب المقهورين والتعساء من أبناء هذا البلد الذي فقد عزته وكرامته بسببك.
أي معنى للقيادة إذا لم يكن القائد قادراً على حماية شعبه؟ وأي قيمة للرتب العسكرية والمناصب السيادية إذا كان المواطن السوداني يجد نفسه وحيداً أمام الخطر، لا يجد من دولته سوى الصمت والتردد والتراجع والجبن؟
إن المأساة ليست في الدم الذي سال على التراب السوداني بواسطة طيران جارة الغدر والسوء، بل في شعور أصحاب الدم وذوي الضحايا بأنهم متروكون لمصيرهم، وعليهم تدبّر أمر حمايتهم بأنفسهم، بينما تنشغل القيادة بحساباتها ومصالحها ومخاوفها. وحين يصبح المواطن حامي أهله وجيرانه، والمدافع عن حقه في الحياة والكرامة، فإن السؤال الذي لا مفر منه هو: ماذا بقي من معنى الدولة، وأين ذهبت مسؤولية القائد؟
ألم تشبع بعد يا هولاكو زمانك؟ لقد امتهنت القتل، وكانت حروبك وانتصاراتك الظافرة ضد الكهول والأطفال والنساء والشيوخ تقبّح صفحات تاريخك الدموي. لم يسلم من بطشك العشب والشجر والحجر، وتقتل دون شفقة أو رحمة، وكأنك وكيل عزرائيل في الأرض.
تعيش في نرجسيتك وذاتيتك، وكأنك في الأرض كل البشر، وترتقي مختالاً في ذرى الجبروت، حتى نصبت من نفسك رباً أوحداً يهب الحياة ويسلبها. لقد نلت مكانك وكرسيك بالدم والسيف، وستظل الحقيقة التاريخية تذكّر بأن السلطة التي تستند إلى العنف لا تستطيع أن تتهرب من تبعاته. صفحات تاريخك، مثقلة بالجرائم والآثام والموبقات، وقد سئم الشعب استبدادك وطغيانك الميليشيوي وشخصانيتك التي تدفعك إلى الانتقام والتشفي ممن حولك.
ولعل أخطر ما يكشفه هذا المشهد أن الشعب السوداني، الذي أنهكته الحروب وأثقلته المآسي، لا يزال مطالباً بأن يكون حارس نفسه وسندها، فيما كان يفترض أن تكون مؤسسات الدولة وقواتها هي الحامي الأول له. إنها مفارقة موجعة: شعب يدفع من دمه وأمنه واستقراره ثمن الصراعات، وقيادة لا تبدو بمستوى التضحيات التي يقدمها.
وليس المطلوب من القائد أن يغامر بحياة شعبه في حروب لا تحسب عواقبها، بل أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية، وأن يتخذ مواقف واضحة لحماية المواطنين، ويدين الاعتداءات، ويعمل على منع تكرارها، وألا يجعل كرامة السودانيين رهينة المجاملات السياسية والحسابات السلطوية.
فالشعب الذي يحمي نفسه اليوم لن يقبل إلى الأبد أن يُترك وحيداً يواجه مصيره. والدماء التي تسيل ليست أرقاماً في سجل الأحداث، بل أرواح بشر وبيوت مكلومة وأمهات وآباء ينتظرون عدالة لا تكتمل بالصمت، وكرامة لا تُصان بالتردد والخوف.
ارحل فحسب، فالجحيم يحتاجك، فلك فيه متسع.
ارحل، لأن الوطن ليس ملكاً لك، ولأن دماء السودانيين ليست ثمناً لكرسيك، ولأن الشعب الذي يحمي الشعب لا يمكن أن يظل رهينة قائد يعجز عن إثبات أن حماية مواطنيه أول واجباته.
إن السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من الكراسي، وأعز من أن تُختزل كرامته في حسابات رجل أو مخاوف سلطة. وسيظل الشعب هو الحقيقة التي لا تستطيع السلطة إلغاءها: صاحب الوطن، ومن يدفع ثمن بقائه، ومن يستحق أن يعيش آمناً حراً كريماً.
خذ ميليشياتك وارحل يا برهان. فقد قال الشعب كلمته، ولم يعد الصمت جواباً، ولا التردد حماية، ولا الكرسي وطناً.
ارحل اليوم قبل الغد. وإن كنت تظن أن مجزرة شمال الوادي سيطويها النسيان، أو ستغمرها الأحداث، أو سينشغل عنها الشعب بهمومه، فأنت واهم. فالجرح أكبر من أن يندمل، والذاكرة أعمق من أن تُمحى.
أما القصاص للضحايا، والوفاء لحقوقهم، فهما دين وطنيّ واجب السداد، عاجلاً أم آجلاً.
