خريف غضب هيكل على السادات

 


 

 

 

إني نَزلتُ بكَذَابينَ، ضيفُهُمُ .. عن القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدودُ

جودُ الرّجالُ من الأيدي وَ جودُهُمُ .. منَ اللسانِ فَلا كانوا ولا الجُودُ
نامَتْ نواطيرُ مِصرٍ عن ثَعَالِبِها .. فَقَدْ بَشِمْنَ و ما تُفنَى العَناقيدُ
أبو الطيب المتنبي
(1)
لم تزل تركة محمد حسنين هيكل زاخرة بغضب دفين، يخرج من بين الحروف المكتوبة، فجّر كل مشاعر غضبه العنصري على الرئيس السادات، فقط لأن أمه سودانية. لقد سجنه أنور السادات ضمن ثورته آخرين عام 1981، فاكتنز أحقاده العرقية، إلى أن تفجرت. ولغرابة أحوال هيكل في كتابته أنه ينكر غضبه على أنور السادات. ولست أدري ماذا سوف يكتب إن كان ظاهر الغضب على السادات بيّن أو اعترف به!.
أفلت الغضب على مشاعر محمد حسنين هيكل حين كتب يصف اغتيال السادات:
{ وكان أيضا أول فرعون في تاريخ مصر يقتله شعبه}.
كان يصف دون مواربة أن منفذي الاغتيال، هم يمثلون شعب مصر!. وتلك ذلّة كبرى، فالرجل يوضح دون حياء أنه يصطف مع عصابات الإرهاب الإسلاموي، وهو يقصد كل كلمة وردت له، فهو كاتب متمرّس وقد قام بترجمة كتابه إلى اللغة العربية بنفسه، وإن أعماه الغضب.
وكان يقصد اغتيال محمد أنور السادات في احتفال 6 أكتوبر 1981. اختار له هيكل أن والدة أنور السادات تسمى (ست البرّين)، وادعى أنها ابنة رجل اسمه (خير الله )، وهو من الذين وقعوا في أسر العبودية، وساقه حسب ادعاء هيكل، أحد تجار العبيد من قرب أواسط إفريقيا، إلى حيث باعه في أحد أسواق العبيد في ذلك الوقت بدلتا النيل. وزعم هيكل أنه عندما أُلغيّ نظام العبودية في مصر، بعد اشتداد الحملة في العالم كله على هذه الظاهرة اللا إنسانية، فإن سادة ( خير الله) أعتقوه من أسر العبودية، وكانت ابنته ( ست البرّين) مثله تماما، ورثت عنه كل تقاطيعه الزنجية، وأدى ذلك وفق ما كتبه هيكل، أضافة على التعقيدات الدفينة في أعماق وجدان ( أنور السادات) أنه ورث عن أمه كل تقاطيعها، وورث مع هذه التقاطيع مشاعر غاصت في أعماقه إلى البعيد!.
(2)
وذكر نص هيكل ص (34) من كتابه خريف الغضب:
{ هكذا رحل ( محمد محمد الساداتي ) قبل الحرب العالمية إلى السودان مع زوجته الجديدة، مصحوبا بتصورات أمه، أن هذه الزوجة قد تتلاءم أكثر مع البيئة الجديدة، التي ذهب ابنها الوحيد للحياة فيها. وبدأ ( محمد محمد الساداتي) ينجب أطفالا من (ست البرّين) في السودان، لكنه لم يكن مستعدا لمشاكل الولادة في السودان، وهكذا قرر مبكرا، ومنذ لاحت علامات أول حَمل على (ست البرّين)، أن يبعث بها إلى أمه في مصر لكي تلد تحت رعايتها. في كل مرة كان موعد الولادة يقترب كان ( محمد محمد الساداتي) يبعث بست البرّين في الرحلة المرهقة التي تكررت أربع مرات. كانت تستقل الباخرة النيلية المكدّسة بحمولتها من الآدميين والحيوانات إلى الشلال، ومن هناك على الأقدام إلى محطة القطار في أسوان، حيث تنحشر وسط زحام المسافرين إلى محطة القاهرة، ومنها تدبّر نفسها للوصول إلى ميت أبو الكوم. وفي بيت ( أم محمد) كانت (ست البرّين) تضع طفلها وتمكث معه حتى يتم رضاعه، ثم تعود مرة أخرى بنفس الطريق إلى الخرطوم، تاركة مولودها في رعاية جدته. تكررت هذه العملية أربع مرات، فقد ولدت (ست البرّين) ثلاثة أبناء هم ( طلعت) و(أنور) و(عصمت)، وفتاة واحدة هي نفيسة. كانت أسماء الأبناء تعكس اعجاب الأب بقادة حركة ( تركيا الفتاة)، التي قادت الثورة على الخليفة سنة 1908}
(3)
وتلك كذبة كبرى فقد تم زواج والدة أنور السادات من (ست البرّين) في السودان، وهي من واحة البشيري في منطقة بارا، في كردفان. تزوجها والد أنور السادات. وليست كما روى الصحافي هيكل.
تلك تعوّدناها منه سابقا، فقد وصف اغتيال الهادي المهدي عام 1970، بأنه تسمم من مانجو أكلها وهو في طريقه للهرب من الجزيرة أبا عبر كسلا!. ولا يسعنا فقط التشكك في مصداقيته كراوية للتاريخ، بل تشكُكنا أيضا في أنه يجهل جغرافية السودان، لأن كسلا بعيدة عن الجزيرة أبا، ورغم أنه يقول أنه زار السودان عام 1953 في برنامج مع هيكل في قناة الجزيرة الفضائية!، وهو وعصبته، يصرّون أن يكون السودان تابعا لمصر، فقد سبقه مقال كتبه "مصطفى كامل " في يوم 20 يناير سنة 1900، بعد مرور عام على اتفاقية (1899 )، نقطف منه ما أورده الدكتور " مكي شبيكة " في سفره " السودان عبر القرون ":

{أجل كان الأمس تذكار المصيبة الكبرى، والداهية الدهماء التي انزلها وزراء مصر وساسة بريطانيا على أمتنا الأسيفة من سماء عدالتهم وإنصافهم. فإن كان لكم معاشر المصريين شعور وإحساس فتذكروا هذه الحادثة تذكُر الأحياء، واعتقدوا أن حقوقكم في السودان مقدسة، وأن كل المعاهدات والاتفاقيات لا تميت هذه الحقوق أبداً، وعلموا أبناءكم معنى هذه الحقوق المقدسة ليطالبوا بها كباراً، أو يحافظوا عليها إن استرجعتموها أنتم .تذكروا معاشر المصريين أن اخوتكم في الوطن والدين، أهرقت دماءهم العزيزة في سبيل استرداد السودان. تذكروا معاشر المصريين ان أرض السودان رويت بدمائكم، وصرفت فيها أموالكم وسلبتكم أشد الرجال وأعز الأبناء. تذكروا معاشر المصريين أن مصر لا حياة لها بغير السودان، وأن القابض على منابع النيل قابض على أرواحكم. تذكروا معاشر المصريين أن ضياع السودان ضياع لمصر، وأنكم بغير السودان فاقدون الحياة. تذكروا معاشر المصريين أن اتفاقية السودان مخالفة لدستور البلاد وفرمانات جلالة السلطان الأعظم، ومعاهدات الدول الأوروبية. تذكروا معاشر المصريين أن فرنسا لم تنس الألزاس واللورين إلى اليوم، وقد مضى على انفصالهما ثلاثون عاماً، وما حاجة فرنسا إليها كحاجة مصر إلى السودان.}
(4)
إن ظاهرة العنصرية ماضية وتاريخية في مصر إلى اليوم، رغم أن المماليك حكموا مصر وشعوبها طيلة خمس قرون، ولا أعرف كم أنجبت سلطة المماليك وقد تشرّبت من دماء المصريين بالمصاهرة وغيرها ؟. لم تنقض رياح العنصرية البغيضة، رغم أن أبو تميم معد بن الظاهر، المعروف بالمستنصر بالله بن علي الظاهر لإعزاز دين الله، وهو الخليفة الفاطمي الثامن، والإمام الثامن عشر في سلسلة أئمة الشيعة الإسماعيلية في مصر، كانت أمه سودانية!.
يقولون إن مصر أم الدنيا، فكيف يكون ذلك؟

عبدالله الشقليني
14يوليو 2020

alshiglini@gmail.com
///////////////////

 

آراء