خاتمة
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
هذا هو المقال رقم 29، والأخير، في السلسلة الرابعة من المقالات عن: خفايا وخبايا مفاوضات واتفاقيات حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
سيورد هذا المقال، كما ذكرنا في المقال السابق، بعض بنود الاتفاقيات، والبيانات والإفادات من بعض قادة الأحزاب الشمالية والجنوبية حول قضية الجنوب، وعن العلاقة بين شطري البلاد، خاصةً مسألتي الفيدرالية وحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
الغرض من المقال، وإعادة بنود هذه الاتفاقيات والبيانات والإفادات من المقالات السابقة هو توضيح وتأكيد حالتي الاستخفاف والارتباك التي تعاملت من خلالها الأحزاب الشمالية وقياداتها مع قضية الجنوب، ومع قادته.
2
برز الاستخفاف منذ سنوات ما قبل الاستقلال برفض كل مطالب القيادات الجنوبية المتّزنة الوطنية العادلة، خاصةً مطلب الفيدرالية. وصاحب ذلك الاستخفاف قدرٌ كبيرٌ من الاستعلاء والتسلّط القانوني. فبعد الاستقلال مباشرةً صار مطلب الفيدرالية لجنوب السودان جريمةً يُعاقب عليها القانون السوداني بسنواتٍ سجنٍ طويلة، كما حدث للقيادي الجنوبي السيد أزبوني منديري، وعددٍ آخر من أبناء الجنوب.
3
وعندما تغيّرت كفّة التفاوض بسبب بروز الجانب الجنوبي بقياداتٍ ذات مقدراتٍ عسكرية وسياسية وتفاوضية ودبلوماسية وقانونية فاقت كثيراً قيادات كل الأحزاب الشمالية، حلَّ الارتباكُ مكانَ الاستخفاف والاستعلاء الشمالي. وانتقلت الأحزاب الشمالية، جميعها وبلا استثناء، بسبب تفوق تلك المقدرات الجنوبية عليها، تدريجيا إلى ساحة قبول مطلب الحركة الشعبية لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بكل تفاصيله، بعد أن كان الرفض لمطلب الفيدرالية هو ديدنها والرابط الوحيد والقوي بينها.
وصَاحَبَ ذلك القبولَ قدرٌ كبيرٌ من الإعجاب والتبنّي “لأدبيات” الحركة الشعبية السياسية، كما أوضحنا من قبل.
عليه، فسوف يستعرض هذا المقال الختامي تلك النقلة من الرفض الشمالي المتشدّد لمطالب القيادات الجنوبية للنظام الفيدرالي، إلى القبول التام وغير المشروط من الأحزاب الشمالية جميعها (وبلا استثناء) لمطلب الحركة الشعبية لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
4
أولاً: مطلب الفيدرالية:
5
“إن الجنوب لا يكِنُّ أبداً نوايا سيّئة نحو الشمال. إن الجنوب يطالب فقط بإدارة شئونه المحلية في إطار السودان المُوحّد، كما أنه ليست لدى الجنوب نيّةٌ للانفصال عن الشمال لإنه لو كان ذلك هو الحال فليس هناك قوّةٌ على الأرض تستطيع منع الجنوب من المطالبة بالانفصال. فالجنوب يطالب بإقامة علاقةٍ فيدرالية مع الشمال، وهذا بلا ريب حقٌ يستحقه الجنوب بمقتضى حقِّ تقرير المصير الذي يمنحه المنطق والديمقراطية للشعب الحر.
وسينفصلُ الجنوبُ في أي وقتٍ بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة متى أراد الشمالُ ذلك من خلال سيطرة الشمال على الجنوب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.”
الأب سترنينو لوهوري، رئيس كتلة الأعضاء الجنوبيين، أمام البرلمان السوداني بالخرطوم في يوم الخميس 19 يونيو عام 1958.
6
“نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
قرار مجلس النواب في جلسته 43، الدورة الثالثة، 19 ديسمبر عام 1955.
7
“إن لجنة الدستور قد أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.”
السيد محمد أحمد محجوب ناقلاً قرار لجنة الدستور (وليس الجمعية التأسيسية)، إلى القيادات الجنوبية، سبتمبر 1956.
8
“لن نعترف بالفيدريشن، ولا نعترف بأن أيّةَ منطقة هي ملكٌ لأبناء تلك المنطقة دون سواهم. إننا نؤمن بأن السودان كله، شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، بكامل حدوده الجغرافية، وحدةٌ واحدةٌ لا تتجزّأ. “
اللواء محمد طلعت فريد، الناطق الرسمي بإسم حكومة الفريق إبراهيم عبود، للصحف السودانية في 3 ديسمبر عام 1958.
9
من الضروري “التسليم بأن السودان دولة أفريقية عربية، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، احداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمرٌ لا يرتبط بأي شكلٍ بموضوع الدين واللغة.
فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحّد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمورٌ حدثت مبالغةٌ في أهميتها في السنوات الأخيرة.
فالوحدة في نطاق التعدّدية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب. وهو الحل الذي يمكن أن يتجسد في دستورٍ فيدرالي.
ولا يجوز أن نخشى الوحدة الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم. وأكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساسٍ فيدراليٍ. ولدينا في أفريقيا مثال نيجيريا.”
رسالة السيد ويليام دينق رئيس حزب سانو إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء حكومة أكتوبر 1964، بتاريخ 8 نوفمبر عام 1964 تقترح عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية الجنوب.
10
“يشعر السودانيون خاصةً في الشمال أن الوضع الفيدرالي ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال لأنه درجةٌ بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية، ولأنه نظامٌ ثبت تشجيعه للنعراتِ الإقليمية والعصبيّات المحليّة لا سيما وأنه في هذه الحالة يشكّل نزعةً إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرّب بين مقاطعاتٍ أو دولٍ كانت مستقلّةً أو شبه مستقلّة، أو لم يكن بينها إلّا الرباط الاستعماري.”
مشروع الأحزاب الشمالية لحلِّ مسألة الجنوب، مؤتمر المائدة المستديرة، 16 مارس عام 1965.
(تكوّنت الأحزاب الشمالية وقتها من أحزاب: الأمة، الوطني الاتحادي، الشعب الديمقراطي، الشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي.)
11
إن فكرة تقرير المصير طريقٌ لا يتمناه أحدٌ للسودان ولا لغيره من أقطار أفريقيا، وإن النظم الفيدرالية ليست ثابتة المعالم أينما كانت، وإن فتح الباب أمامها سيؤدي إلى تفتيت الأقطار الأفريقية التي لا يخلو أيٌ منها من مشكلة تماثل مشكلتنا.”
السيد الصادق المهدي في خطابه أمام مؤتمر المائدة المستديرة 16 مارس عام 1965.
12
“في رأينا أن النظام الفيدرالي يقوم لوصلِ دولٍ متنافرةٍ لتنشأ دولةٌ متحدةٌ، وهو أمرٌ لا ينطبق على السودان. كما أن هناك عدّة أشكالٍ للفيدرالية وتعتمد في بقائها على قوة الشعور الوطني.”
السيد إسماعيل الأزهري رئيس الحزب الوطني الاتحادي في كلمته أمام مؤتمر المائدة المستديرة 17 مارس 1965.
13
“إن قرار تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم نهائي وغير قابلٍ للمراجعة. إذا رفضتم هذا القرار وقرّرتم الرجوع إلى الحرب، فإنها ستستمرُّ هذه المرّة 170 عاماً وليس 17 عام.”
الرئيس جعفر نميري في 5 أكتوبر 1982 مخاطباً السيدين أبيل ألير، وانجيلو بيدا، اللذين أخبراه أن قراره تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم لن يكون مقبولاً في الجنوب، وأنه يتعارض مع اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي.
14
ثانياً: مطلب حق تقرير المصير:
15
“وإذا كنا قد رفضنا الاستفتاء على أساس أنه قد يؤدي إلى الانفصال أو الفيدريشين، فمن الغريب أن يتقدم الجنوبيون الآن بأقصى ما يمكن أن ينتج عنه أي استفتاء وهو الانفصال.”
الدكتور حسن عبد الله الترابي، في مداخلة خلال جلسة مؤتمر المائدة المستديرة، 24 مارس 1965.
16
“اليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة وهم الذين أدّوا قسم الجندية الشرفيّة أن لا يفرّطوا في شبرٍ من أرض الوطن، وأن يصونوا عزته وكرامته، وأن يحافظوا على البلاد وسكانها واستقلالها المجيد.”
البيان الأول لانقلاب الإنقاذ الذي أذاعه العميد عمر البشير في الساعات الأولى من يوم 30 يونيو 1989:
17
“بعد نهاية الفترة الانتقالية يُمارس شعب جنوب السودان حقّه ليختار بحريةٍ الوضع السياسي والدستوري الذي يُناسب تطلّعاته الوطنية دون استبعاد أي خيار…. (كما) إن إجراءاتٍ دستورية وقانونية موسّعة سوف يتمُّ وضعها والاتفاق عليها للتأكّد من خلال استفتاء على آراء شعب الجنوب حول وضعهم السياسي والدستوري بعد الفترة الانتقالية.”
إعلان فرانكفورت الموقّع بواسطة د. علي الحاج رئيس وفد حكومة الإنقاذ، و د. لام أكول قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح الناصر) في 25 يناير عام 1992.
18
“إن حكومة السودان هي تبعاً لذلك ملتزمةٌ بأن تُسلّم “نفس السودان” إلى الأجيال القادمة. وإن تقرير المصير أو أيّ تعبيرٍ آخر من الممكن أن يعني الانفصال هو ليس قضية، وإن الحكومة غير مستعدةٍ للتداول حوله.”
كلمة حكومة الإنقاذ التي ألقاها د. غازي العتباني في اجتماعه مع وسطاء الإيقاد في 6 سبتمبر عام 1994، رافضاً بشدةٍ ووضوح مبادئ الإيقاد التي تبنّت حق تقرير المصير.
19
“يؤكد الطرفان مرةً أخرى التزامهما بالسلام العادل، والديمقراطية، والوحدة الوطنية القائمة على إرادة الشعب السوداني الحرة ويؤكدان عزمهما على إنهاء النزاع الحالي بوسائل سلمية تحقّق اتفاقاً دائماً وعادلاً. وفى سبيل ذلك الاتفاق فان الطرفين يعلنان قبولهما لإعلان المبادئ الصادر من دول الإيقاد كأساسٍ مقبولٍ للسلام العادل الدائم.
نقرُّ أن تقريرَ المصير حقٌ أساسيٌ للناس وللشعوب.
نؤكد قبولنا لحق تقرير المصير لسكان جنوب السودان على أن يمارس ذلك الحق عن طريق استفتاءٍ حرٍّ تراقبه الأسرة الدولية.
تكون ممارسة حق تقرير المصير في جنوب السودان قبل نهاية فترة الانتقال التي تبدأ بعد إزالة الحكم الحالي في السودان.
ستكون أدنى مدة فترة الانتقال عامين وأقصاها أربعة أعوام.
يحكم السودان أثناء فترة الانتقال كقطرٍ موحّدٍ تكون ولاياته الشمالية فيدرالية في علاقة كونفيدرالية مع الجنوب.”
اتفاق سياسى بين حزب الأمة والحركة الشعبية لتحرير السودان حول ترتيبات الفترة الانتقالية وتقرير المصير (اتفاق شقدوم)، شقدوم، السودان الجديد، 12/12/1994.
وقّع على الاتفاق د. عمر نور الدائم والسيد مبارك الفاضل المهدي نيابةً عن حزب الأمة، والقائد سلفا كير والقائد جيمس واني ايقا نيابةً عن الحركة الشعبية.
20
“التزاماً راسخاً بإنهاءٍ عاجلٍ للنزاع المسلح الراهن عبر تسويةٍ عادلة ودائمة.
وإدراكاً تامـاً بأن تحقيق تــلك التسوية العادلة والدائمة يتطلّـــب أن تتحلّى قياداتــه بالشجاعة السياسية والحنكة وبعد النظر.
إن حق تقريـــر المصير حقٌ إنسانيٌ ديمقراطيٌ أساســـيٌ للشعوب يحـــق لأيّ شعبٍ ممارسته في أي وقتٍ.
الاعتراف بأن ممارسة حــق تقريــــر المصير تُوفّر حلّاً لقضية إنهاء الحـــرب الأهلية الدائرة وتُيسّر استعادة الديمقراطية في السودان وتعزيزها.
إن شعب جنوب الســـــودان (بحدوده القائمـــة في أول يناير 1956 م) سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية.”
التجمّع الوطني الديمقراطي، مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، قـرار حـول قضيـة تقـريـر المصيـر، 23 يونيو عام 1995.
وقّع على هذه الوثيقة:
الحزب الاتحادي الديمقراطي: د. أحمد السيد حمد،
حزب الأمة: د. عمر نور الدائم،
الحركة الشعبية لتحرير السودان: د. جون قرنق،
تجمّع الاحزاب الأفريقية السودانية: أبدون أقاو أجوك،
الحزب الشيوعي: التيجاني الطيب،
القيادة الشرعية: الفريق أول فتحي أحمد علي،
النقابات: هاشم محمد أحمد،
مؤتمر البجة: محمد طاهر،
قوات التحالف السودانية: العميد عبد العزيز خالد،
شخصيات وطنية: فاروق أبوعيسى،
شخصيات وطنية: د. الواثق كمير.
أسمرا، 23 يونيو 1995.
21
اتفق الطرفان على:
“ج – أن تُراعى المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان وتكون ملزمة.
د – الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والإثنية في السودان.
هـ – إقامة حكم البلاد على أساسٍ فيدرالي، وتوزيع السلطات بين المركز والولايات.
ز – المشاركة العادلة في السلطة بكافة مستوياتها واقتسام عادل للثروة.
ح – إزالة آثار الحرب الأهلية، وبناء الثقة بين أهل السودان بما يفضي للوحدة الطوعية.
ط – إكمال تلك الاجراءات في فترةٍ انتقاليةٍ قدرها أربعة أعوام، في نهايتها يُستفتى جنوب البلاد بحدوده عام 1956 ليختار بين وحدةٍ طوعيةٍ بسلطاتٍ لامركزية يتفق عليها، أو الانفصال.”
اتفاق جيبوتي الموقّع بواسطة د. مصطفى عثمان إسماعيل مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ، والسيد مبارك الفاضل المهدي مُمثّلاً لحزب الأمة، بحضور الرئيس عمر البشير والسيد الصادق المهدي، 25 نوفمبر 1999، دولة جيبوتي.
22
إن التجمع الوطني وحركة قرنق مجموعةٌ انتهازيةٌ اجتمعت فقط على إسقاط النظام حتى تعود للسودان بتناقضاتها التي شهدناها، وحتى إذا جاءت وتولت السلطة غداً فسيكون رأيها هو رأي أمريكا المستمرة في معاداة أي قوة تملك بقايا من عروبة أو إسلام.”
الدكتور حسن الترابي رئيس جبهة الميثاق الإسلامي في تصريحاتٍ صحفية بعد اكتمال التوقيعات على اتفاقية الخرطوم (السلام من الداخل) – جريدة الرأي العام ، 3 ديسمبر 1997.
23
“3. يؤكد الطرفان أن السودان بلدٌ متعددٌ سياسياً ومتنوّعٌ دينياً وثقافياً ولا بدّ من التراضي على عقدٍ اجتماعيٍ جديد لا يسمح بالتمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الثقافة أو العرق أو النوع أو الإقليم.
يؤكد الطرفان أن حق تقرير المصير حقٌ إنسانيٌ مشروع وأن وحدة السودان يجب أن تقوم على إرادة أهله الطوعية.
وقد أدان الطرفان محاولات النظام التنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة.”
اتفاق جنيف الموقّع بواسطة السيدين المحبوب عبد السلام وعمر إبراهيم الترابي ممثلين لحزب المؤتمر الشعبي (حزب د. حسن الترابي)، والسيدين باقان أموم وياسر عرمان ممثلين للحركة الشعبية لتحرير السودان، 19 فبراير 2001.
24
“1-1 إن وحدة السودان، التي تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه والحكم الديمقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة لجميع مواطني السودان، ستظل هي الأولوية بالنسبة للطرفين، وأنه من الممكن ردّ مظالم شعب جنوب السودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار.
1-2 شعب جنوب السودان له الحق في رقابة وحكم شئون إقليمه والمشاركة بصورة عادلـة في الحكومة القومية.
1-3 شعب جنوب السودان له الحق في تقرير المصير وذلك، ضمن أمورٍ أخرى، عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً.”
بروتوكول مشاكوس الموقّع في 20 يوليو 2002 بواسطة د. غازي العتباني مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ، والقائد سلفا كير مُمثّلاً للحركة الشعبية لتحرير السودان.
25
“حيث أن حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان المشار إليهما هنا “بالطرفين” اجتمعا في مفاوضات متواصلة في الفترة من مايو 2002 حتى ديسمبر 2004 في كل من كارن، مشاكوس، نيروبي، ناكورو، نانيوكي، ونيفاشا في كينيا برعاية عملية سلام الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية (إيقاد)،
وإذ يدركان أن النزاع في السودان هو أطول نزاعٍ استمر في افريقيا والذي تسبّب في خسائر فادحة في الأرواح وأدّى إلى تحطيم البنية الأساسية للبلاد واستنفذ مواردها الاقتصادية وسبَّب المعاناة لشعب السودان،
وتنفيذاً لالتزام الطرفين بايجاد تسويةٍ متفاوضٍ عليها على أساس إقامة نظام حكم ديمقراطي يعترف من ناحية بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير وجعل الوحدة جذابة خلال الفترة الإتنقالية، وفي ذات الوقت يقوم على أساس قيم العدل والديمقراطية والحكم الراشد واحترام الحقوق الأساسية وحريات الأفراد والتفاهم المشترك والتسامح والتنوع داخل الحياة في السودان”
استهلال اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان الموقّعة بواسطة السيد علي عثمان محمد طه مُمثلاً لحكومة الإنقاذ، و د. جون قرنق مُمثلاً للحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 يناير 2005.
26
“يلتزم الطرفان مع بقية القوى السياسية بصياغة برنامجٍ وطنيٍ للحكم في الفترة الانتقالية يعين على تنفيذ بنود هذه الاتفاقية ومرجعياتها بما يحقق الاستقرار السياسي ويؤمّن وحدة البلاد.
كما يلتزم الطرفان بأن تخطط الحكومة الانتقالية وتضع موضع التنفيذ التدابير اللازمة بحيث تقود ممارسة حق تقرير المصير إلى دعم خيار الوحدة.”
اتفاق القاهرة المُوقّع بواسطة السيد علي عثمان محمد طه مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ، والسيد محمد عثمان الميرغني مُمثّلاً للتجمع الوطني الديمقراطي، و د. جون قرنق مُمثّلاً للحركة الشعبية لتحرير السودان، القاهرة 20 يونيو 2005.
27
“مبادرة الإيقاد أصبحت شركاً كبيراً. فهذه المنظمة التي ترجمت اسمها “السلطة بين الحكومات من أجل التنمية”، والتي لم تكن تملك في رصيدها آنذاك ولا الآن إنجازاً واحداً في التنمية، اسْتُخدمتْ واجهةً للولوج إلى عمق الشأن السوداني. وكانت الدول الأربعة التي تولّت التوسّط بين الحكومة السودانية والحركة المتمردة آنذاك (يوغندا، كينيا، إثيوبيا، إريتريا) في عداءٍ مستحكمٍ مع السودان، ولم يكن مرجواً من أيّةٍ منها أن تنصف السودان في أيّة قضية محل نزاع، وهذا بالضبط ما حدث.”
الدكتور غازي العتباني في مقال تم نشره في ثلاث صحفٍ هي الانتباهة والسوداني والرأي العام في 29 أبريل عام 2012.
28
“أقول إن دخول الإيقاد لم يكن تآمراً من جهة خارجية أو قوى دولية. كان دخولها برغبتنا وتقديراتنا وحساباتنا نحن وليس غيرنا… دخول الإيقاد في ملف السلام صنعناه نحن وتورّطنا فيه بأيدينا منذ بداية تأسيس هذه الهيئة مطلع التسعينيات.”
الدكتور علي الحاج في مقابلة مع جريدة الانتباهة 5 يونيو 2012.
29
كما أوضحنا في المقالات السابقة، فبعد انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989، ثم الانشقاق داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، برز مساران للتفاوض حول قضية الجنوب، قادا، كلٌ بدوره واتفاقياته، إلى حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وكما ذكرنا من قبل، قد بلغت الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين حكومة الإنقاذ والأحزاب الشمالية المعارضة من جهة، وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان والفصائل المنشقّة عنها من الجهة الأخرى، خلال الفترة 1992 – 2005، ثلاث عشرة اتفاقية اعترفت فيها حكومة الإنقاذ والأحزاب الشمالية جميعها صراحةً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، كما أوردنا في الأجزاء السابقة أعلاه من هذا المقال.
30
ويمكن تصنيف هذه الاتفاقيات الثلاثة عشر في خمس مجموعات:
أولاً: بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية الأم:
نجحت الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية الأم في انتزاع حق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ في أربع اتفاقياتٍ تم التوقيع عليها بواسطة هذين الطرفين، خلال ستة أعوام، في الفترة من يناير 1992 وحتى سبتمبر 1997. وهذه الاتفاقيات هي:
(1): إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992،
(2): الميثاق السياسي في 10 أبريل عام 1996،
(3): اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997،
(4): اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997.
31
ثانياً: بين التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم:
من الجانب الآخر نجحت الحركة الشعبية الأم في انتزاع حق تقرير المصير من أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي المعارضة في أربع اتفاقياتٍ، خلال فترة عامٍ، من يوليو 1994 وحتى يونيو 1995. وهذه الاتفاقيات هي:
(1): إعلان القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في 13 يوليو عام 1994،
(2): اتفاق شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في 12 ديسمبر عام 1994،
(3): الاتفاق السياسي (أو الرباعي) بين الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وقوات التحالف السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في أسمرا في 27 ديسمبر عام 1994،
(4): إعلان أسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) بين جميع الأحزاب الشمالية المعارضة للإنقاذ وقتها (الأمة، والاتحادي الديمقراطي، والشيوعي، تجمع الأحزاب الأفريقية السودانية، القيادة الشرعية للقوات المسلحة، قوات التحالف السودانية، مؤتمر البجا، والنقابات)، والحركة الشعبية لتحرير السودان في 23 يونيو عام 1995.
32
ثالثاً: بين حكومة الإنقاذ وحزب الأمة:
اتفاق جيبوتي بين حزب الأمة وحكومة الإنقاذ والذي تم التوقيع عليه في 25 نوفمبر عام 1999. وهذا هو أول اتفاقٍ شماليٍ – شماليٍ يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
33
رابعاً: بين حزب المؤتمر الشعبي المنشق من الحركة الإسلامية الحاكمة، والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم:
اتفاق جنيف والذي تم التوقيع عليه في 19 فيراير عام 2001. وهذا هو أول اتفاقٍ بين الحركة الشعبية الأم وفصيلٍ منشقٍّ من الحركة الإسلامية وحكومة الإنقاذ. وهذا الاتفاق هو الوجه الآخر لاتفاق فرانكفورت بين فصيل الناصر المنشق من الحركة الشعبية الأم مع حكومة الإنقاذ.
34
خامساً: بين حكومة الإنقاذ، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة الشعبية لتحرير السودان:
اتفاق القاهرة الذي أكّد الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقّع على هذا الاتفاق في 20 يونيو عام 2005 السيد علي عثمان محمد طه، والسيد محمد عثمان الميرغني، و د. جون قرنق.
وهذا هو الاتفاق الوحيد الذي تم بين هذه الأطراف الثلاثة ووقّع عليه قادتها بأنفسهم.
35
حدثت كل تلك التغييرات الكبيرة في مواقف كل الأحزاب السياسية الشمالية وقادتها نتيجة بروز الحركة الشعبية لتحرير السودان بمقدرات قياداتها العسكرية والتفاوضية والدبلوماسية والسياسية الهائلة.
وقد استطاعت الحركة الشعبية من خلال هذه المقدرات المُميّزة انتزاع تلك التنازلات الكبيبرة من جميع الأحزاب الشمالية، وبلا استثناء، خصوصاً من مجموعة الإنقاذ الحاكمة التي كانت قد رفضت كل المطالب والاتفاقيات مع الحركة الشعبية، وأعلنت الجهاد على شعب جنوب السودان منذ الساعات الأولى لانقلابها.
36
غير أنه لا بد من إضافة أن نقض الشمال المتواصل لوعوده للجنوب (خصوصاً في مسألة مطلب الفيدرالية)، وعدالة القضية نفسها، قد أعطت القادة الجنوبيين، خصوصاً الحركة الشعبية، السلاح المعنوي والأخلاقي الذي انتظمت والتحمت تحته كل تلك المقدرات الهائلة للحركة للشعبية.
وقد ساهم نقض العهود وعدالة القضية أيضاً في الدعم السياسي والمادي الكبيرين، إقليمياً وعالمياً (بل وحتى من عددٍ كبيرٍ ومتنامي من الشماليين) لشعب جنوب السودان وحركاته السياسية والمسلحة، خصوصاً الحركة الشعبية.
وهو ما أدّى في نهاية الأمر إلى انتزاع حق تقرير المصير الذي قاد إلى الانفصال بقدرٍ كبيرٍ من السلاسة والحصافة والكياسة والسلمية، أدهشت كل من تابع قضية الحرب الأهلية في السودان، بما في ذلك الأمم المتحدة التي أشرفت على الاستفتاء والانفصال.
37
بهذا المقال تكون سلسلة المقالات الرابعة، والخاصة بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، قد اكتملت.
سوف تتناول السلسلة القادمة (وهي الخامسة) من المقالات عن انفصال جنوب السودان ما سميناه وأشرنا إليه عدّة مرّاتٍ في هذه السلسلة من المقالات تحت عنوان “حروب الرسائل والمبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق.”
Salmanmasalman@gmail.com
