خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (13 – 29):
اتفاق جيبوتي 1999
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
أوضحنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة من المقالات أنه بعد انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989، ثُمَّ الانشقاق داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، برز مساران للتفاوض حول قضية جنوب السودان، قادا، كلٌ بدوره ومساهمته، إلى حقِّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان.
كان مسار التفاوض الأول بين حكومة الإنقاذ مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية. أما مسار التفاوض الثاني فقد كان بين أحزاب ومنظمات التجمع الوطني الديمقراطي المعارض للإنقاذ مع الحركة الشعبية الأم.
2
وقد نتج عن المسار الأول اعتراف حكومة الإنقاذ بحق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، ثم الميثاق السياسي في 10 أبريل عام 1996، والذي عبّد الطريق لاتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997، ثم اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997.
3
أما المسار الثاني فقد انتزعت فيه الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم حق تقرير المصير من الأحزاب الشمالية المعارضة فرادى ثم مجتمعين، بدءاً باتفاقية الحزب الاتحادي الديمقراطي (اعلان القاهرة 13 يوليو 1994)، وحزب الأمة (اتفاق شقدوم 12 ديسمبر 1994)، ثم حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف السودانية (الاتفاق الرباعي في 27 ديسمبر 1994)، وأخيراً إعلان أسمرا الذي وقّع عليه كلُّ قادة التجمّع الوطني الديمقراطي وكذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان في 23 يونيو عام 1995 (مؤتمر القضايا المصيرية – قرار حول قضيّة تقرير المصير).
4
عليه فعندما بدأ عقد التسعينيات، والقرن العشرون نفسه، في الأفول كانت خطى التفاوض والاتفاق على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان تسير في اتجاهين قد يبدوان للناظر على أنهما متوازيان:
حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية لتحرير السودان من جهة،
والحركة الشعبية الأم وأحزاب ومنظمات المعارضة السودانية المنضوية تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي من الجهة الأخرى.
5
من الجانب الأول، فقد وافقت حكومة الإنقاذ على حق تقرير المصير مع هذه الفصائل بغرض إضعاف وهزيمة الحركة الشعبية الأم، وأيلولة أمور الحكم في جنوب السودان لهذه الفصائل وحكومة الإنقاذ معاً.
بمعنى آخر كانت المعادلة في هذا الجانب هي موافقة مجموعة الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان مع هذه الفصائل مقابل منازلة هذه الفصائل، وهزيمتها، الدكتور قرنق وحركته الشعبية لتحرير السودان، وبرنامج السودان الجديد العلماني الموحّد.
6
من الجانب الآخر، فقد كانت أحزاب المعارضة الشمالية قد وافقت كلها في اتفاقياتها مع الحركة الشعبية الأم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بعد فترةٍ انتقالية تلي إسقاط النظام في الخرطوم.
ولأنه لم يكن لأيٍ من هذه الأحزاب، فرادى أو جماعاتٍ، المقدرة العسكرية والسياسية على إسقاط النظام فقد كانت في انتظار أن تقوم بذلك نيابةً عنها الحركة الشعبية لتحرير السودان.
بمعنى آخر كانت المعادلة هي موافقة أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان مقابل إسقاط الحركة الشعبية للنظام في الخرطوم، وتسليم مقاليد السلطة في الخرطوم لأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي.
7
ورغم أن تقرير المصير أصبح القاسم المشترك بين حكومة الإنقاذ، وأحزاب التجمّع، والحركة الشعبية الأم، والفصائل المنشقّة عنها، لكن كان واضحاً أنه ليس في مقدور أيٍ من الأطراف تحقيق جانبه من المعادلة.
فلا الحركة الشعبية الأم استطاعت إسقاط نظام الإنقاذ واستلام الخرطوم، ولا الفصائل المنشقّة استطاعت منازلة، دعك من هزيمة، الحركة الشعبية الأم، أو تفعيل اتفاقية الخرطوم بأيّة صورةٍ من الصور.
8
وقد بدأت معالم فشل اتفاقية الخرطوم ومشروع السلام من الداخل، (والذي انبنى على تحالف الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية مع حكومة الإنقاذ)، تظهر للعيان بعد أسابيع من توقيع الاتفاقية. فالحرب زادت استعاراً في الجنوب وتوالت انتصارات الحركة الشعبية على الجيش الحكومي، رغم الاتفاقية وأطرافها الجنوبيين الكُثر. وقد وضح جليّاً الضعف العسكري والسياسي التام للحركات المنشقّة، وفشلها في ترجيح كفة الجيش السوداني المنهك، والذي تملّكه الاعتقاد الساذج أنه وجد من سيحارب الحركة الشعبية بديلاً عنه، أو على الأقل سيحاربها معه.
9
وظلّت كل برامج ومؤسسات السلام في الجنوب، والتي فصّلتها اتفاقية الخرطوم، حبراً على ورق. وظلّ الدكتور رياك مشار مساعد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية مرابطاً بمكتبه في القصر الجمهوري في الخرطوم، بدلاً من مباشرة أعماله من مكتب التنسيق في جوبا مع حكومته الإقليمية التي لم يكن قد اكتمل تشكيلها بسبب عدم الاتفاق داخل الحركات الجنوبية الموقّعة على اتفاقية الخرطوم على كيفية تقاسم كعكة السلطة في جنوب السودان.
10
كانت إطلالة مكتب الدكتور رياك مشار على ملتقى النيلين الأبيض والأزرق في الخرطوم تذكاراً دائماً للدكتور مشار بالمسافة الطويلة الشاقة التي عبرها النيل الأبيض من جوبا إلى الخرطوم، والتي يحتاج أن يعبرها هو أيضاً في رحلةٍ معاكسةٍ، ضد تيار النيل الأبيض ومستنقعات جنوب السودان الشاسعة الوعرة، للعودة إلى جوبا.
تأكّد للدكتور رياك مشار، بعد حوالي العامين من الانتظار، طول تلك المسافة، وصعوبة الرحلة، واقتنع بعبثية عملية السلام من الداخل من أساسها، فغادر الخرطوم في منتصف عام 1999، والتحق بقواته التي لم تكن قد استُوعِبت بعد في القوات النظامية، والتي كان الجزء المتبقّي منها لا يزال مرابطاً في مواقعه بجنوب السودان.
11
وهكذا وبعد عامين فقط انهارت مبادرة السلام من الداخل واتفاقياتها المفصّلة المطوّلة انهياراً تاماً، وتبدّد معها كل ما بنت عليه حكومة الإنقاذ من توقّعاتٍ لهزيمة الحركة الشعبية الأم وبرنامجها للسودان العلماني الموحّد.
الجدير بالذكر أن الدكتور رياك مشار عاد إلى الحركة الشعبية الأم في يناير عام 2002، ولحق به الدكتور لام أكول في أكتوبر عام 2003. وتبعتهما بعد أشهر قليلة مجموعة الإستوائية. ولم يتبقّ لحكومة الإنقاذ من عملية السلام من الداخل سوى اعترافها الرسمي والواضح، بدون مواربةٍ أو كلماتٍ استحيائيةٍ، بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في اتفاقية الخرطوم للسلام لعام 1997، ودستور السودان لعام 1998، الذي خطّه عراب النظام الدكتور حسن الترابي بنفسه.
12
ثم توالت وتواصلت الأحداث الجسام على المشهد السوداني في عام 1999، وشملت انشقاق الحزب الحاكم بين مجموعة المنشيّة بقيادة الدكتور حسن الترابي ومجموعة القصر بقيادة الرئيس البشير، وبروز حزبٍ منفصل لكل مجموعة، يناصب العداء الشديد للحزب الآخر.
شملت تلك الأحداث انشقاقات القيادة الشرعية وانضمام أحد قياداتها لحكومة الإنقاذ. وتوالى مع ذلك انهيار عمليةالسلام من الداخل، وعودة روادها الجنوبيين لحضن الحركة الشعبية الأم كما ذكرنا أعلاه.
كما شملت تلك الأحداث أيضاً، خروج حزب الأمة من التجمّع بعد توقيعه على نداء الوطن (اتفاق جيبوتي) مع حكومة الإنقاذ. وتبع ذلك انشقاق حزب الأمة نفسه، كما سنناقش أدناه.
13
كانت حكومةُ الإنقاذ قد فرغتْ من التوقيعِ على الميثاق السياسي مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية، وبدأت التفاوض على اتفاقية الخرطوم (السلام من الداخل) عندما نجح السيد الصادق المهدي في الخروج من السودان ودخول إريتريا في 9 ديسمبر عام 1996. وكان ذلك بعد عامٍ ونصف من توقيع قادة التجمّع الوطني الديمقراطي على إعلان أسمرا حول القضايا المصيرية في يونيو عام 1995.
وقد تمّ في ذلك الاجتماع نفسه انتخاب السيد محمد عثمان الميرغني رئيساً للتجمع الوطني الديمقراطي، والدكتور جون قرنق نائباً له، والسيد مبارك الفاضل المهدي أميناً عاماً للتجمع.
14
صادف وصول السيد الصادق المهدي لمدينة أسمرا تواجد الدكتور جون قرنق هناك، فالتقيا لفترةٍ قصيرة. وقد أكّد السيد الصادق المهدي خلال ذلك اللقاء التزام حزب الأمة بالاتفاقيات التي وقّعها السيدان مبارك الفاضل المهدي وعمر نور الدائم مع الحركة الشعبية نيابةً عن الحزب. وقد فُهِم ذلك الالتزام على أنه إشارةٌ واضحة إلى اتفاقية شقدوم الموقّعة في شهر ديسمبر عام 1994، والتي وافق فيها حزب الأمة على حقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وكذلك إلى توقيع حزب الأمة على مقررات أسمرا في يونيو عام 1995.
كان ذلك ثاني لقاءٍ للسيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. وقد أتى ذلك اللقاء بعد أكثر من عشر سنواتٍ على اللقاء الأول في أديس أبابا في يوليو عام 1986، الذي دام لحوالي تسع ساعاتٍ، وانتهى بالفشل التام. لكن اللقاء الثاني الفجائي كان قصيراً، وعلى قصره فقد ساد فيه الصمتُ أكثر من الكلام.
15
بعد أسابيع قليلة من خروجه من السودان التقى السيد الصادق المهدي بالسيد محمد عثمان الميرغني في القاهرة في بداية عام 1997. كان واضحاً أن فصلاً جديداً في تاريخ التجمّع الوطني الديمقراطي قد بدأ على التو، وأن الصراعات القديمة بين السيد الصادق المهدي من جهة، وبين السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق من الجهة الأخرى، قد عادت إلى الواجهة، ولكن خارج السودان هذه المرّة.
16
بدأ السيد الصادق المهدي يشير إلى نفسه بلقب رئيس الوزراء المُنْتخب (في إشارة إلى انتخابات عام 1986)، وعَقَدَ مؤتمراتٍ صحفية وكتبَ مقالاتٍ، وأصدر تصريحاتٍ وبياناتٍ تحمل تلك الصفة.
ثم بدأ السيد الصادق جولةً مكوكيةً شملت دولاً عربية وأفريقية وأوروبية تحت مظلة وضعه الدستوري ذاك قبل انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في السودان في 30 يونيو عام 1989.
17
كانت أهم البيانات التي أصدرها السيد الصادق المهدي هي رسالته التي وجّهها إلى القوات المسلحة السودانية في أول فبراير عام 1997، بوصفه رئيس الوزراء المنتخب، وسمّاها نداء الوطن، وطالب فيها قيادات الجيش بالانحياز لجانب الشعب والتحرّك للإطاحة بنظام الجبهة القومية الإسلامية الفاسد.
وفي مارس عام 1997 أصدر السيد الصادق المهدي نداءه للشباب السوداني بالهجرة شرقاً إلى إريتريا لينخرطوا في معسكرات التدريب ويساهموا في مهمة إسقاط النظام، وهو ما عُرِف بـ “نداء الهجرة.” ولكن الاستجابة كانت ضعيفةً للغاية للنداء الثاني، بينما لم يعِرْ أحدٌ في القوات المسلحة انتباهاً للنداء الأول.
18
في نفس ذلك الشهر التقى السيد الصادق المهدي بالدكتور لام أكول في نيروبي لعدّة ساعات. كانت تلك أول مرة يلتقي فيها أحد قادة المعارضة الشمالية بأحد قادة الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية الأم.
بالطبع لم يُرضِ ذلك اللقاء قيادات الحركة الشعبية الأم وساهم في توسيع شقة الخلاف بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق.
وكان التجمّع الوطني الديمقراطي قد رفض في بداية عام 1996 طلباً من الدكتور رياك مشار بالانضمام للتجمع الوطني الديمقراطي. وقد كان السبب الرئيسي لذلك الرفض هو معرفة قادة التجمّع من الأحزاب الشمالية أن الدكتور قرنق وقيادات الحركة الشعبية سوف لن يسمحوا حتى بمناقشة ذلك الطلب.
19
وضح لأعضاء التجمّع وللمراقبين مع بداية عام 1997 أنه قد أصبحت هناك قيادتان للمعارضة خارج السودان، تتنافسان في كلِّ شيء، بما في ذلك الإدلاء بالتصريحات الصحفية، وإصدار التوجيهات إلى جهاتٍ داخل السودان، واللقاء بالمسئولين الأجانب والتحدّث إليهم باسم المعارضة السودانية.
استند السيد الصادق المهدي على شرعية انتخابه عام 1986 رئيساً للوزراء، وكأنّ لسان حاله يقول “إذا حضر الماءُ بطل التيمّم.”
من الجانب الآخر استند السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق على شرعية خيار أحزاب وتنظيمات المعارضة مجتمعةً، بما فيها حزب الأمة نفسه، في اجتماع أسمرا في يونيو 1995.
20
غير أن دعوات وبرامج السيد الصادق المهدي الداعية إلى إسقاط النظام سرعان ما تغيّرت وحلَّ مكانها الحديث عن الحلِّ السياسي السلمي. ويبدو أن إهمال القوات المسلحة لندائه، وضعف الاستجابة لنداء الهجرة من أنصاره، كانا من ضمن الأسباب الرئيسية لذلك، رغم أنه حاول أن يعزي ذلك إلى تغييرٍ في سياسات نظام الإنقاذ.
فقد كتب السيد الصادق المهدي: “في عام 1997 لاحظنا تغيراً في لغة النظام ظهر في قبوله المتأخر بإعلان مبادئ الإيقاد، قبوله بالمواطنة كأساس للحقوق الدستورية، تبنّيه لبعض مقررات أسمرا عام 1995 خاصةً مبدأ تقرير المصير للجنوب، ثم تعيين لجنة قومية للدستور للقيام بكتابة مسودة لدستور يكفل التعددية السياسية. إن توسيع هامش المعارضة السياسية الداخلية، وانكماش فرص العمل العسكري، والمخاوف من أخطار أجندة التدويل الخبيث وخطر البلقنة الداهم، كل ذلك أقنعنا بالتحرك السريع بحثاً عن حلٍ سياسيٍ شاملٍ مهدّت له الظروف الجديدة.”
21
وواصل السيد الصادق المهدي سرد الأسباب التي دفعته إلى ذلك التغيير السريع المفاجئ نحو الحل السياسي، مضيفاً:
“لقد رأينا في حزب الأمة، وبدءاً بمايو 1998 والأحداث التي قادت إلى حرب القرن الأفريقي وحرب البحيرات العظمى، أن خارطة إقليمنا الجغسياسي (الجغرافي – السياسي؟) بدأت تتشكّل بصورةٍ جديدة تفتح الباب لتحالفاتٍ لم تكن متوقّعة من قبل، وأنذر ذلك حسب تحليلنا بزوال مساحة الدعم العسكري واللوجستي التي كنا نتمتع بها حتى ذلك الوقت.”
فجأةً أصبح الحلُّ السياسي وليس إسقاط النظام هو البرنامج الجديد لحزب الأمة فيما يتعلّق بالعلاقة مع حكومة الإنقاذ، وفي زمنٍ وجيز بعد خروج السيد الصادق المهدي من السودان، وبسرعةٍ فائقة.
22
أما بالنسبة لعلاقة الحزب مع التجمّع الوطني الديمقراطي فقد أوضح السيد الصادق المهدي:
“في مارس عام 1997 اقترحنا برنامجاً نفيرياً من عشر نقاط لاستصحاب الإنجازات العسكرية واقترحنا مجموعة عمل لتحقيقه. أقر (التجمّع) برنامج نفيري ولكن دون إقرار مجموعة العمل، والنتيجة: لم يفعل أحدٌ شيئاً. في فبراير 1998 انتقد مؤتمر حزب الأمة الرابع هياكل التجمّع وأداءه. وكتبنا مذكرة موسّعة ساقت إنجازات الماضي وإعاقات الحاضر، واقترحنا برنامجاً إصلاحياً لإعادة هيكلة التنظيم وتوسيعه وتفعيله ولكن بدون جدوى! وبعد عدّة محاولات فاشلة لإصلاح التجمّع وتفعيله قرّرنا أن نحرّر أنفسنا من ذلك الموات.”
23
كان “التحرّر من ذلك الموات” الذي عناه السيد الصادق المهدي هو اتخاذ ما يراه من القرارات دون الرجوع، أو التقيّد، بقرارات التجمّع الوطني الديمقراطي. وقد اكتمل ذلك “التحرّر” في عام 1999 عندما قرّر حزب الأمة الخروج إلى العلن باتصالاته بحكومة الإنقاذ.
24
فقد التقى السيد الصادق المهدي في الأول والثاني من مايو عام 1999 بالدكتور حسن الترابي، والذي كان حتى ذلك الوقت الحاكم الفعلي والحقيقي للسودان، في مدينة جنيف في سويسرا. ورغم أن اللقاء دام يومين، إلا أنه لم يصدر أي اتفاقٍ أو بيانٍ مشترك.
أصدر الدكتور عمر نور الدائم الأمين العام لحزب الأمة بياناً في الثالث من مايو أكّد فيه اللقاء، وأوضح أن السودان في خطرٍ عظيم، والشعب السوداني يعاني شقاءً لا مثيل له، وأن البلاد معرّضةٌ لخطر التمزّق والتدويل، مما دفع الحزب إلى البحث عن كل الوسائل وكل الخيارات للأخذ بيد البلاد.
أوضح البيان أنه قد جرى حوارٌ صريح أدلى فيه كلٌ برأيه حول القضايا السودانية محل النزاع، وأن نتيجة الحوار السياسي كان العمل للاتفاق على أجندة وآلية بهدف الوصول لاتفاقٍ سياسيٍ سودانيٍ يحسم كافة المسائل الوطنية المتنازع عليها.
أشار البيان إلى أن الجانبين التزما بإجراء مشاوراتٍ واسعة لأخذ رأي كل أطراف المعارضة والنظام، واتفقا أن نتيجة تلك المشاورات سوف تحدّد الخطوة التالية.
25
بسبب هذه اللغة الفضفاضة والعموميات فقد اتفق الجميع أن اللقاء كان صفعةً قويةً لوحدة التجمّع ولمقررات أسمرا، كما أنه مثّل فشلاً ذريعاً للسيد الصادق المهدي الذي لم يخرج من الاجتماع باتفاقٍ مكتوبٍ حتى على هذه العموميات الفضفاضة. وقد كرّر السيد المهدي أن اللقاء نتج عنه “اتفاق شفهي في مايو 1999 لعقد مؤتمر جامع يضمُّ النظامَ والمعارضةَ لبحث كافة المسائل المتنازع عليها.”
ولا بد للقارئ أن يتساءل كيف يمكن لأيِّ سياسيٍ، خصوصاً سياسيٌ بتجربة السيد الصادق المهدي، الاعتماد على اتفاقٍ شفهي؟ ومع من؟ مع الدكتور حسن الترابي الذي خطّط ونفّذ الانقلاب الذي أطاح بالسيد الصادق المهدي وحكومته ومرحلة الحكم المدني الثالثة؟
وقد تلى اجتماع جنيف هذا بعد ستة أشهر لقاء واجتماع جيبوتي.
26
كان اتفاق جيبوتي هو نتيجة لقاء السيد الصادق المهدي والرئيس عمر البشير في جيبوتي في 25 نوفمبر عام 1999. رافق السيد الصادق المهدي السيد مبارك الفاضل المهدي، والدكتور صديق بولاد. ورافق الرئيس البشير الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، والدكتور نافع علي نافع، والسيد عبد الباسط سبدرات، والدكتور لام أكول (الذي كان قد وقّع على اتفاق فشودة مع الإنقاذ وأصبح وزيراً للنقل في حكومتها كما ذكرنا في المقال السابق). وقّع الطرفان في نهاية اليوم الثاني للقاء على اتفاقٍ تمّت تسميته “نداء الوطن” ويُشار إليه أيضاً “باتفاق جيبوتي.”
27
سوف نناقش الخلفية السياسية لاتفاق جيبوتي، وبنود الاتفاق، وردّة فعل التجمع الوطني الديمقراطي، بقدرٍ من التفصيل في سلسلةٍ قادمةٍ من المقالات سيكون عنوانها “حروب الرسائل والمبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق.”
وسوف نكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى أن اتفاق جيبوتي شمل مجموعةً من المبادئ من بينها أن تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات الدستورية، وألا تنال أيّةُ مجموعةٍ وطنيةٍ امتيازًا بسبب انتمائها الديني أو الثقافي أو العرقي، مع الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والعرقية في السودان. وأن تُراعى المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وتكون مُلْزِمةً.
28
كما نصّ الاتفاق على المشاركة العادلة في السلطة بكافة مستوياتها، وعلى اقتسامٍ عادلٍ للثروة، وإزالة آثار الحرب الأهلية، وبناء الثقة بين أهل السودان بما يفضي للوحدة الطوعية.
أشار الاتفاق إلى إكمال هذه الإجراءات في فترةٍ انتقاليةٍ قدرها أربعة أعوام يُسْتفتى جنوب السودان بحدوده عام 1956 في نهايتها ليختار بين وحدةٍ طوعيةٍ بسلطاتٍ لامركزية سيتم الاتفاق عليها، أو الانفصال.
وهكذا أكّد اتفاق جيبوتي حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وأوضح اتفاق الطرفين على أن تكون الفترة الانتقالية التي ستسبق الاستفتاء أربعة أعوام.
29
وقّع على الاتفاق السيد مبارك الفاضل المهدي الذي كان وقتها أمين العلاقات الخارجية بحزب الأمة، وكان أيضاً الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، والدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير خارجية حكومة الإنقاذ، رغم وجود كلٍ من الرئيس البشير، والسيد الصادق المهدي، في ذلك اللقاء.
30
أهم ما يمكن أن يقال عن اتفاق جيبوتي أنه أول اتفاقٍ شماليٍ – شماليٍ (أي بين طرفين شماليين) يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فلا الحركة الشعبية الأم ولا أيٌّ من الفصائل المنشقّة عنها كانت طرفاً في ذلك الاتفاق. وقد حدّد الاتفاق الفترة الانتقالية بأربعة أعوام، ونصَّ صراحةً على خياري الوحدة والانفصال.
كما أكّد الاتفاق موقف الأحزاب الشمالية جمعاء أن الاستفتاء سيتم إجراؤه في جنوب السودان حسب حدود 1956، مما يعني استبعاد المنطقتين (النيل الأزرق وجنوب كردفان) اللتين ظلت الحركة الشعبية تطالب بهما باستمرار كجزءٍ من جنوب السودان.
31
وهكذا توالت وتكاثرت الاتفاقيات من الأحزاب والأطراف الشمالية التي تعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وتعدّدت وتشابكت أطراف هذه الاتفاقيات، وأسباب ودوافع كل طرفٍ منها للدخول في كلٍ من هذه الاتفاقيات، والاعتراف بحق تقرير المصير، كما ناقشنا أعلاه.
فقد بدأت بهذا الاعتراف حكومة الإنقاذ، ثم أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (فرادى ثم مجتمعةً). وانضمّ إلى هذه المجموعة حزبُ الأمة بعد أن غادر التجمع الوطني الديمقراطي وبدأ مفاوضاته واتفاقياته مع حكومة الإنقاذ.
32
وكما سنناقش في المقال القادم، فقد انضمّ إلى الأحزاب الشمالية التي اعترفت بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان حزبُ المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور حسن الترابي، بعد انشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة في الخرطوم عام 1999.
وسوف يتعرّض المقال لأسباب ودوافع هذا الحزب للاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، بعد أن كان قادته قد أعلنوا وشنّوا، بكل ما أوتوا من إمكانياتٍ بشريةٍ وماديةٍ، حرب الجهاد القاسية الشرسة المدمّرة ضد شعب جنوب السودان.
Salmanmasalman@gmail.com
