الحوار ليس حاضنة مدنية للجيش، بل حاضنة وطنية للسلام
Dialogue Is Not a Civil Incubator For the Army, But a National Incubator for Peace
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي المؤسس لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
تفتح الدعوة إلى حوار سوداني واسع فرصة جديدة لترميم العلاقة بين القوى المدنية وقيادة الجيش بعد سنوات من القطيعة والاستقطاب. لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب من الطرفين استخلاص دروس الانتقال السابق. فالمشاركة المدنية في الحوار لا تعني تأييد الحكم العسكري أو التخلي عن أهداف ثورة ديسمبر، وإنما تعني إدراك أن وقف الحرب وبناء انتقال مدني مستقر يصعب تحقيقهما في ظل استمرار القطيعة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية. وعلى القوى المدنية المناهضة للحرب ألا تترك المجال المحيط بقيادة الجيش حكراً على القوى الداعمة لاستمرار الحرب، بل أن تسهم في تكوين حاضنة وطنية للسلام تساند كل خطوة جادة نحو وقف الحرب، مع احتفاظها باستقلالها السياسي وتمسكها بالحكم المدني الديمقراطي. وفي المقابل، يتطلب نجاح الحوار من قيادة الجيش الابتعاد عن خطاب التخوين والإقصاء، وتهيئة مناخ يسمح للمختلفين سياسياً بالمشاركة في صناعة السلام.
لكن المطلوب ليس إعادة إنتاج الشراكة المدنية–العسكرية السابقة وتقاسم السلطة. البديل هو وشيجة استراتيجية مدنية–عسكرية: علاقة مؤسسية محددة الأهداف والاختصاصات، تجمع الطرفين حول وقف الحرب، وحماية الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وحماية الفترة الانتقالية وصولاً إلى الحكم المدني الكامل. ويمكن أن يشكل المجلس التنسيقي المدني–العسكري جسراً مؤسسياً ينقل العلاقة من حوار عابر إلى تنسيق استراتيجي مستدام، دون أن يصبح حكومة موازية أو آلية لتقاسم المناصب. فالتحدي ليس إعادة العسكريين والمدنيين إلى شراكة الحكم، وإنما بناء علاقة تحمي الانتقال دون أن تحكمه. لقد انتقل السودان في تجربته السابقة من الشراكة إلى المواجهة؛ وقد تكون فرصته اليوم أن يسلك الطريق المعاكس: من المواجهة إلى الحوار، ومن الحوار إلى الوشيجة، ومن الوشيجة إلى انتقال مدني مستقر.
ومضة فكرية
ليس المطلوب حاضنة مدنية للجيش، بل حاضنة وطنية للسلام داخل الجيش وخارجه. وليست الغاية إعادة الشراكة في السلطة، بل استنباط وشيجة استراتيجية تجعل الجيش حامياً للانتقال لا شريكاً في الحكم، وتجعل المدنيين شركاء في صناعة السلام دون التفريط في استقلالهم أو هدف الحكم المدني. فالحوار يفتح الباب، والوشيجة تبني الجسر، والمؤسسة العسكرية تحمي العبور نحو الانتقال المدني المستقر.
melshibly@hotmail.com
