باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 25 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان عرض كل المقالات

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (26 – 29):

اخر تحديث: 25 يونيو, 2026 5:02 مساءً
شارك

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (26 – 29):
ندوة واشنطن 2005
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
تعرّضنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة من المقالات للخلافات الحادة التي نشبت، خلال الفترة الانتقالية، بين حكومة الإنقاذ والحركة الإسلامية الحاكمة من جهة، وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان من الجهة الأخرى.
شملت تلك الخلافات موقف كلٍ من الطرفين من تقرير لجنة حدود أبيي، وإصرار الحركة الإسلامية على الاحتفاظ بوزارتي المالية والنفط رغم أن حوالي 75% من نفط السودان كان يأتي من جنوب السودان.
وقد وجدت الحركة الشعبية في زيارة السيد سلفا كير للولايات المتحدة الأمريكية، بعد أشهر قليلة من خلافته للدكتور قرنق فرصةً ثمينةً في شرح مواقفها من تلك الخلافات، وتوضيح الكيفية التي ستتعامل بها، كما سنناقش في هذ المقال.
2
في بداية شهر نوفمبر عام 2005، أي بعد أقل من أربعة أشهر من بدء الفترة الانتقالية، وحوالي الثلاثة أشهر من خلافته الدكتور جون قرنق، زار النائب الأول السيد سلفا كير الولايات المتحدة الأمريكية. كانت تلك أولَ رحلةٍ له خارج السودان بعد أن تمّ اختياره لخلافة الدكتور جون قرنق، إثر مقتل الأخير في حادث الطائرة في 30 يوليو عام 2005.
التقى السيد سلفا كير عصر يوم الأحد 6 نوفمبر عام 2005 بحشدٍ كبيرٍ من السودانيين الجنوبيين والشماليين في قاعة الاجتماعات الكبرى بالجامعة الأمريكية بواشنطن. كان يرتدي قبعةً أنيقةً كبيرةً سوداء، وبدا هادئاً وواثقاً من نفسه. حيا الجمع الكبير من الحضور الذي ملأ القاعة، وتحدّث باللغة الإنجليزية، بصورةٍ مرتّبةٍ، وبصوتٍ جهور.
كان واضحاً أن التحضير لذلك اللقاء قد تم بواسطة مكتب الحركة الشعبية في واشنطن، وليس بواسطة السفارة السودانية. وكانت تلك إشارةً واضحة قصدت الحركة إرسالها لكل من يعنيه الأمر.
3
كان ذلك أول لقاءٍ جماهيريٍ للسيد سلفا كير منذ توليه السلطة قبل ثلاثة أشهر. ويبدو أن قيادة الحركة قد أعدّت عدّتها لهذا اللقاء لعلمها بأهميته. فهو الأول لرئيسها الجديد، ومن أهم المحطات في العالم للحركة ولحكومة الإنقاذ، وللسودانيين وللمراقبين عامةً.
4
قال السيد سلفا إنه التقى الرئيس الامريكي جورج بوش قبل يومين، وقد أهداه القبعة السوداء التي كان يرتديها، وأن الرئيس بوش قال له في بداية اللقاء أنه (أي سلفا كير) يحمل عدّة القاب، وسأله عن اللقب الذي يودّ أن يُخاطبَ به: “هل تريدني أن أشير اليك بلقب النائب الأول لرئيس جمهورية السودان، أم رئيس حكومة جنوب السودان، أم رئيس الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان؟”
صمت السيد سلفا كير لعدّةِ ثواني (وكأنه أراد من الحاضرين أن يفكّروا في الأجابة قبل أن يدلي هو بها)، ثم أردف قائلاً “لقد طلبت من الرئيس بوش أن يناديني بلقب رئيس حكومة جنوب السودان، فتلك هي الوظيفة، وذلك هو اللقب الذي أفضّله.”
لا بدّ أن تلك الإجابة قد أسعدت عدداً كبيراً من الجنوبيين الذين قرّروا أن الانفصال سيكون خيارهم في نهاية الفترة الانتقالية. لكن الشماليين الذين أتوا ليسمعوا حديثاً عن السودان الجديد، والوحدة الجاذبة، أحسّوا بإحباطٍ شديد وهيأوا أنفسهم لمزيدٍ من مثل تلك الإفادات.
5
تحدث السيد سلفا كير عن اتفاقية السلام الشامل والبروتوكولات التي تضمّنتها، وأمضى بعد ذلك جلَّ الوقت يعدّد الخلافات التي تفجّرت بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الوطني منذ بداية الفترة الانتقالية في يوليو عام 2005.
شدّد على أن رفض المؤتمر الوطني لقرار خبراء مفوضيّة حدود أبيي، والذي تمّ تقديمه لمؤسسة رئاسة الجمهورية (رئيس الجمهورية ونائبيه) في 14 يوليو عام 2005، هو أول خرقٍ لاتفاقية السلام. وأكّد أن الحركة تعتبر ذلك خرقاً خطيراً وبدايةً سيئة للفترة الانتقالية. تعرّض النائب الأول بالشرح لبروتوكول أبيي، وأوضح لماذا تصرّ الحركة على ترسيم منطقة أبيي حسب قرار خبراء المفوضية.
6
تحدّث بعد ذلك عن الخلافات حول توزيع حقائب الوزارة بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وأوضح أن رفض المؤتمر الوطني تخصيص وزارة المالية أو وزارة النفط للحركة يعني ببساطة أن المؤتمر يريد أن يُخفي الأرقام الحقيقية لعائدات النفط، ويواصل سيطرته على بترول الجنوب والاستحواذ على عائداته، وخداعه للحركة الشعبية، ولمواطني جنوب السودان.
شمل حديثه عدة مواضيع كان من بينها مشاكل الحدود ومسائل المشاركة في وظائف الخدمة المدنية القيادية، وفي السفارات السودانية. تم بعد ذلك فتح الباب للأسئلة.
7
وجّه السؤالَ الأولَ للسيد سلفا كير شابٌ جنوبيٌ كان الغضب بادياً من صوته وارتعاش يديه. سأل ذلك الشاب بصوتٍ عالٍِ: لماذا قبلت الحركة الشعبية التنازل عن نصف عائد بترول الجنوب للشمال، في الوقت الذي يحتاج فيه الجنوب لكل دولارٍ لبناء مدارسه، ومستشفياته، وطرقه، ومنازله التي دمّرها الشمال بلا رحمةٍ خلال الحرب؟
أجابه السيد سلفا كير بهدوء:
“لقد أعطينا الشمال خمسين في المائة من نفطنا مقابل حق تقرير المصير. لقد كانت تلك صفقةً مع حزب المؤتمر الوطني. إنها صفقة النفط مقابل حق تقرير المصير. لقد اشترينا حق تقرير المصير بنصف نفطنا لمدة ستة أعوام.
إذا كنتَ تريد أن يذهب كل عائد نفط الجنوب للجنوب فعليك أن تعود إلى جوبا غداً وتبدأ العمل ليقود استفتاء تقرير المصير إلى الاستقلال. سيعطينا الاستقلال كلَّ نفطنا.”
8
حبس الشماليون الذين بقوا في القاعة حتى تلك اللحظة أنفاسهم، وابتدأوا في تهيئة أنفسهم لمزيدٍ من الإجابات الغاضبة المحبطة. أتت الإجابة الثالثة الغاضبة الساخرة من خلال سؤالٍ عن الحدود بين الشمال والجنوب، ومتى سوف يبدأ ترسيمها؟
أجاب السيد سلفا كير بأن الشمال ظلّ يزحف بحدوده جنوباً منذ عام 1955، وأنّه ضمّ، خلال الخمسين عاماً الماضية، عشرات الآلاف من الكيلومترات من أراضي الجنوب للشمال، وأضاف في سخريةٍ جارحة “إذا استمر هذا الوضع لعشر سنواتٍ أخرى فستكون الحدود بين الشمال والجنوب هي حدود السودان مع كينيا ويوغندا الآن.”
9
كنتُ أحد الذين حضروا ذلك اللقاء من بدايته وحتى نهايته. عند مغادرتي قاعة المحاضرة توقّفتُ وسألت أحد الأصدقاء من شماليي الحركة الشعبية إن كان قطاع الشمال في الحركة الشعبية لا يزال يعتقد أن الحركة تؤمن وتعمل من أجل السودان الجديد الموحّد؟ أجابني بتردّد وبصوتٍ محبط بأن مقتل الدكتور جون قرنق قد أضعف هذا المبدأ كثيراً.
10
مرت الذكرى الأولى لاتفاقية السلام الشامل في 9 يناير عام 2006، بلا زخم. لم يسافر أيُّ مسئولٍ سياسيٍ واحد من قيادات حزب المؤتمر الوطني أو الحكومة إلى جوبا للمشاركة في الاحتفالات.
بل في حقيقة الأمر لم يسافر رئيس الجمهورية إلى جوبا خلال سنوات الفترة الانتقالية الستة إلى جنوب السودان غير ثلاث مرات، اثنتين منها في العام الأخير من الفترة الانتقالية، في محاولةٍ يائسةٍ وبائسةٍ لاقناع شعب جنوب السودان بالتصويت للوحدة.
11
تواصلت الخلافات وتنامت بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية خلال عام 2006. ورغم ذلك القدر الكبير من الاتفاقيات التي تمّ التوقيع عليها بين الطرفين في عامي 2004 و 2005، والتي شكّلت اتفاقية السلام الشامل، فقد ظلّ نزاع أبيي في مربعه الأول بسبب رفض حزب المؤتمر الوطني تقرير خبراء مفوضية أبيي، وإصرار الحركة الشعبية من الجانب الآخر عليه.
نتج عن ذلك الوضع عدم تعيين إدارة أبيي حسبما نصّ عليه بروتوكول أبيي، لأن حدود المنطقة غير متّفقٍ عليها. ولنفس الأسباب لم يتم تفعيل النصوص الأخرى، مثل تلك الخاصة بتقاسم عائات نفط أبيي. عليه فقد أصبح نزاع أبيي عقبةً رئيسية تقف في طريق حل المشاكل الأخرى.
12
حاول وسطاء الإيقاد وشركاؤهم مواصلة مساعيهم لحل نزاع أبيي، لكن ردة فعل حكومة الإنقاد على تقرير الخبراء نسفت الأرضية المشتركة الصغيرة التي تبقّت وكانت تجمعهم مع الطرفين بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في 9 يناير عام 2005. مثّل ذلك التطوّر النهاية الرسمية لوساطة الإيقاد وانتهى دورها ودور الجنرال لازارو سومبييو والسيدة هيلدا جونسون رسمياّ وعملياً بعد أيامٍ من تقديم لجنة الخبراء تقريرها إلى مؤسسة الرئاسة السودانية في 14 يوليو عام 2005. كان ذلك تطوراً مؤسفاً أعلن من خلاله وسطاء الإيقاد نهاية الحلقة الثالثة والأخيرة من مفاوضات الإيقاد، ونهاية دورهم أيضاً.
13
تواصلت الخلافات وتصاعدت. وفي شهر أكتوبر عام 2007 سحبت الحركة الشعبية وزراءها من الحكومة المركزية، وعلّقت مشاركتها في كل أعمال الحكومة ولجانها. علّلت الحركة قرارها برفض المؤتمر الوطني قرار خبراء مفوضية أبيي، وبما أسمّته التهميش المتواصل والمتعمّد لوزرائها في الحكومة المركزية.
أشارت الحركة إلى أن الصلاحيات الحقيقية في الوزارات التي آلت إلى الحركة ظلت في يد وزراء الدولة أو الوكلاء أو مساعديهم الذين يتبعون لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وأن وزراءها، في حقيقة الأمر، بلا حولٍ أو قوةٍ في هذه الوزارات.
أشار قادة الحركة الشعبية تحديداً إلى وزارة الخارجية التي آلت للحركة، لكن وزيرها السابق أخذ معظم صلاحياتها معه إلى وظيفته الجديدة كمستشارٍ لرئيس الجمهورية للشئون الخارجية، كمثالٍ لتعامل المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبية ووزرائها. وتساءلوا في غضب: اليس وزير الخارجية هو، في حقيقة الأمر وتحت كل النظم السياسية، مستشار رئيس الجمهورية للشئون الخارجية؟
14
أوضحت الحركة أن وسائل الإعلام الرسمية تواصل التركيز على سياسة الحزب الحاكم في التعريب والأسلمة، ولم تُعر اتفاقية السلام الشامل أدنى اهتمامٍ في برامجها، وأنها لا تهتم أو تنشر أيّة تعليقات أو أخبار أو مقابلات مع وزراء الحركة، بل تركّز كليةً على وزراء وبرامج الحزب الحاكم.
كما أشارت الحركة إلى عدم إلمام الشماليين بتفاصيل اتفاقية نيفاشا، وعدم وجود نسخٍ من الاتفاقية في المكتبات أو الجامعات أو المدارس، دعك من تدريسها ومناقشتها هناك.
15
ورغم عودة وزراء الحركة إلى مواقعهم بعد ذلك “الإضراب عن العمل”، إلا أن تلك الخلافات كانت تتزايد يوماً بعد يوم، وتزيد في تباعد المسافة بين الشريكين، وتشير بوضوح إلى أن الانفصال أصبح مسألة زمنٍ لا أكثر ولا أقل.
بل إن السؤال أصبح في حقيقة الأمر في ذاك الوقت إن كان الانفصال سيكون سلمياً أم أن هذه الخلافات المستفحلة، مثل نزاع أبيي والحدود بين الشمال والجنوب، والخلاف حول إدارة نفط الجنوب، ستجعل الانفصال مشبّعاً بغيوم الحرب، أو الحرب نفسها.
16
تواصل بروز الخلافات بين الطرفين. تركّز الخلاف الجديد على العائدات الحقيقية للنفط، وتحديداً نفط الجنوب الذي كان يمثّل حوالي 75% من الإنتاج السنوي للسودان في ذلك الوقت.
كما أوضحنا سابقاً فقد منحت اتفاقية السلام الشامل حوالي نصف عائدات نفط الجنوب لحكومة الخرطوم. لكن حزب المؤتمر الوطني الحاكم رفض بشدة طلب الحركة الشعبية أن تؤول إلى الحركة وزارة النفط أو وزارة المالية، وأصرّ على موقفه.
ورغم أن مفوضية البترول كانت قد تشكّلت إلا أنها وُلِدت ميتةً ولم تضع لوائح لأداء مهامها، أو جدولاً زمنياً لاجتماعاتها.
وكأن هذه الخلافات لم تكن كافيةً، فقد برزت خلافاتٌ جديدة عن العائد الحقيقي لمبيعات نفط الجنوب. فقد أوردت تقارير دولية من منظمة الشاهد الدولي (قلوبال ويتنس) أن الحكومة السودانية أعطت أرقاماً أقلّ بكثير من الأرقام الحقيقية لعائدات النفط.
أغضبت هذه التقارير الحركة الشعبية التي طالبت بمراجعة مستقلّة لمبيعات وعائدات النفط منذ عام 2005، ودفع فروقات مستحقاتها منذ ذلك التاريخ. وقد قام إعلاميو الإنقاذ بمحاولة الرد على هذا الاتهام، لكن ذلك الجهد كان ضعيفاً وبائساً وانتهى بلا نتيجة.
17
كان غريباً ومدهشاً أن يفشل قادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في فهم وإدراك أن مشاكل النفط المتزايدة ستكون حافزاً قوياً لأبناء الجنوب كي يصوّتوا من أجل الانفصال، ليكون نفط الجنوب تحت كامل سيطرتهم، كما قال لهم رئيسهم السيد سلفا كير، وتكون كل عائدات نفط جنوب حقاً مطلقاً لهم.
18
بالإضافة إلى هذه الخلافات الحادة، كان الطرفان قد اتفقا بموجب بروتوكول تقاسم السلطة على بدء عملية مصالحة وطنية شاملة وتضميد الجراح في جميع أرجاء القطر كجزءٍ من عملية بناء السلام، وأن تتولّى حكومة الوحدة الوطنية صياغة آلياتها وأشكالها.
ولكن هذا الإجراء لم يُكْتبْ له أن يرى النور إطلاقاً، ولم يتم حتى النقاش لهذا المقترح. ويبدو أنه أصبح من المقترحات التي تمّ دفنها مع الدكتور قرنق في جوبا في بداية أغسطس عام 2005.
19
وتواصل في تلك الأثناء تطبيق قوانين سبتمبر على كل المواطنين في العاصمة القومية، رغم النصوص في اتفاق تقاسم السلطة عن الوضع الخاص لغير المسلمين هناك. وقد كان نصيب أبناء وبنات الجنوب في تطبيق هذه القوانين كبيراً، خصوصاً في مسألة الزي الملبوس بواسطة بنات الجنوب، وكذلك في مسألة تعاطي الخمور البلديّة.
ولم يتم تكوين مفوضية ضمان حماية حقوق غير المسلمين في العاصمة القومية التي نصّ عليها اتفاق السلام الشامل.
20
لم تتغير معالم ومظاهر الخرطوم لتعكس اتفاقية السلام الشامل بأيّة صورةٍ من الصور. فالشوارع التي تمّت تسميتها بأسماء قيادات حزب المؤتمر الوطني الذين قتلوا في الحرب في جنوب السودان ظلت محتفظةً بتلك الأسماء، ومعها في حالاتٍ كثيرة صفة “الشهيد”، رغم أن شعار “الجهاد” قد اختفى من قاموس الإنقاذ السياسي تماماً بعد توقيع اتفاقية السلام. بل إن زعيم الحركة الإسلامية كان قد أعلن بعد المفاصلة عام 1999 أن هؤلاء “الشهداء” هم في حقيقة الأمر “فطايس.”
ولم تتم تسمية أيِّ شارعٍ أو مبنى في الخرطوم بإسم الدكتور قرنق بعد مقتله، وهو الذي مات وهو يعتلي منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية. من الجانب الآخر يحتل اسم الفريق الزبير محمد صالح، الذي كان النائب الأول لرئيس الجمهورية حتى مقتله في حادث تحطّم طائرةٍ في جنوب السودان في 12 فبراير عام 1998، قاعةً من أكبر قاعات المؤتمرات في الخرطوم، ومع الاسم صفة “الشهيد.” وكما ذكرنا من قبل فقد كان الفريق الزبير هو من وقع على الميثاق السياسي عام 1996، وعلى اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، مع الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية.
21
كما ظهرت في السنوات الأولى من الفترة الانتقالية مجموعاتٌ من السودانيين الشماليين يتبعون لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، الذين كانوا يطالبون بفصل الجنوب. وشرعوا في تنظيم أنفسهم تحت منابر تمّ الاعتراف بها، وبدأوا في إصدار صحيفة باسمهم.
غضّت الحكومة الطرف عن هذا التطوّر، ثم أوقفت صحيفتهم لأيام، ثم سمحت لهم بمواصلة إصدارها، فأحسّوا بقوتهم وإمكانياتهم، وزاد نقدهم لاتفاقية السلام، وللحركة الشعبية وقياداتها، ولحكومة الجنوب. وكان نقداً جارحاً تعدّى كل حدود اللياقة والاحترام والأدب.
22
في تلك الأثناء كان السيد سلفا كير يقضّي معظم وقته في جنوب السودان، أو مسافراً خارج البلاد، وأصبح وجوده في الخرطوم هو الاستثناء. عليه فلم تكن هناك أيّة فاعلية لمؤسسة الرئاسة التي قلّت وندرت اجتماعاتها.
ومما يجدر ذكره أن النائب الأول السيد سلفا كير لم يزر، أو تتم دعوته لزيارة أيّة ولاية شمالية خلال سنوات الفترة الانتقالية الستّة، بما في ذلك ولايات دارفور التي انتقلت لها الحرب الأهلية من الجنوب في عام 2003. كما لم تتم دعوة النائب الأول للمشاركة في افتتاح أيّة منشأة في الخرطوم، أو التحدّث في أي لقاءٍ جماهيري، أو ندوةٍ سياسيةٍ أو أكاديمية، أو حتى لقاءٍ تلفزيوني، أو صحافي، في الخرطوم. كان هناك تجاهلٌ تامٌ للسيد النائب الأول.
23
زاد الوضع المتأزّم في منطقة أبيي من نيران الخلافات بين الطرفين.
اندلع القتال في مدينة أبيي في شهر مايو عام 2008 بين القوات الحكومية وقوات الجيش الشعبي لتحرير السودان إثر مشادة بين مواطنين من قبيلة دينكا نقوك وبعض جنود الجيش السوداني. أوضحت الأمم المتحدة أنه بعد ثلاثة أيامٍ من القتال فقد أكثر من مائة شخصٍ أرواحهم، وفرّ أكثر من ثلاثين ألف شخص من مدينة أبيي، وأكثر من عشرين ألف من القرى المجاورة، وتمّ تدمير المدينة تدميراً كاملاً.
كانت تلك أول مرّة ينطلق فيها الرصاص بين الطرفين منذ التوقيع على اتفاقية السلام في 9 يناير عام 2005. أوضحت تلك المعارك هشاشة الوضع وعمق النزاعات، وزادت من حدة الخلافات والتعقيدات بين الطرفين.
24
أحسّت الدول والمنظمات التي وقّعت كشهودٍ على اتفاقية السلام بخطورة الوضع في أبيي، وقرّرت الضغط على الطرفين للرجوع إلى طاولة المفاوضات في قضية أبيي.
بعد عددٍ من الاجتماعات بوساطة لجنة الاتحاد الأفريقي العليا في السودان (بعد مفارقة الإيقاد لمسرح السودان السياسي المضطرب)، والضغوط الدولية من منظمة الأمم المتحدة، وشركاء الإيقاد السابقين، وافق الطرفان في 23 يونيو عام 2008 على إحالة الخلاف حول منطقة أبيي إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، للنظر في الخلاف، وإصدار قرارٍ نهائي وملزم للطرفين.
25
اشتملت اتفاقية الإحالة التي وقّع وصادق عليها الطرفان في 7 يوليو عام 2009 على أن تقرّر محكمة التحكيم إن كان الخبراء قد تجاوزوا صلاحياتهم في قرارهم الخاص بتحديد منطقة أبيي أم لا. وإذا قرّرت المحكمة أن الخبراء قد تجاوزوا صلاحياتهم (كما كانت تدّعي حكومةالسودان) فعليها تحديد المنطقة ومساحتها.
26
تشكلت المحكمة من 5 محكمين، قام كلٌ من الطرفين بتعيين اثنين منهم، وقامت سكرتارية محكمة التحكيم الدائمة باختيار العضو الخامس والذي سوف يترأس المحكمة. بعد المداولات المطولة أصدرت المحكمة قرارها الذي حسم الجزء الأول من نزاع أبيي بتحديد مساحة المنطقة، وأبعادها على الخريطة.
إلّا أن التحدّي الثاني، وهو الاستفتاء حول مستقبل أبيي (والذي لم تتم إحالته للمحكمة لتقرّر فيه)، تحوّل إلى مشكلةٍ كبرى بسبب الخلاف حول من يحقٌّ لهم المشاركة في الاستفتاء.
فقد أعلنت قبيلة المسيرية أنه يحقُّ لأفرادها المشاركة في الاستفتاء، مثلهم مثل أفراد قبيلة دينكا نقوك. نتجت هذه المشكلة بسبب أن القرار بخصوص حدود ومساحة أبيي قد أضاف – حسب رأي المسيرية – أراضيهم وقراهم إلى منطقة أبيي. عليه فقد قرّر قادة قبيلة المسيرية المطالبة بالمشاركة في الاستفتاء أسوةً بقبيلة دينكا نقوك لأن المنطقة تشمل أراضيهم، وهذا ما رفضته الحركة الشعبية ودينكا نقوك.
ولم يتم ترسيم حدود أبيي على الأرض بسبب رفض المسيرية لقرار المحكمة. وهكذا عاد النزاع على أبيي إلى نقطة البداية، أو أكثر تعقيداً من ذلك.
27
بعد أسابيع قليلة من صدور قرار محكمة التحكيم الدائمة، بدأ الطرفان النقاش حول قانون استفتاء جنوب السودان، وقانون استفتاء أبيي.
لكن حال بدء النقاش برزت خلافاتٌ حادةٌ حول قضايا أساسية في القانونين زادت من تعقيدات الفترة الانتقالية، ومن التهديدات بإمكانية قيام الاستفتاء نفسه. ولم يتم الاتفاق على القانونيين حتى 31 ديسمبر من عام 2009، أي بعد خمسة أشهر من قرار محكمة التحكيم الدائمة، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.

Salmanmasalmalman@gmail.com

الكاتب
د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
وزارة التربية تنهي خدمة ٩٤ معلماً بالمرحلتين الأساس والثانوي من منسوبي النشاط الطلابي المحلول
منبر الرأي
في مديح الاختلاط، لماذا تزوّج العربيُّ السودانيةَ ولم يتزوجها أخوه العربي
منبر الرأي
مسارات التفاوض في الحرب السودانية (2023–2026): منبر جدة، اتفاق المنامة، وخارطة طريق الرباعية
كيف تكوّن العقل السوداني
منبر الرأي
حين يغدو الشوق همساً يمزق الصمت

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

التحالف الأمروصهيونى! التحالف المريض البغيض الذى يجمع إيران والشيطان ! .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / باريس

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

عن ثورة ثانية في السودان .. بقلم: الشافعي أبتدون

طارق الجزولي
منبر الرأي

ورحل الولد الشقي … بقلم: عبد الله علقم

عبد الله علقم
منبر الرأي

الهلال والمريخ يرسمان لوحة من الفرح لأهل السودان، بيدَ أنَ الحركة الإسلامية وحزبها المدلل يجددان له الأحزان .. بقلم: د.يوسف الطيب

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss