“داعِش” : فِكْـرةٌ وَليسَـتْ رصـاصَـة .. بقلم: جَمَـال مُحمّــد إبراهيْـــم
16 ديسمبر, 2015
جمال محمد ابراهيم, منبر الرأي
72 زيارة
أقرب إلى القلب :
ليستْ “داعش” محض رصاص طائش، ينطلق من بندقية قنّاص يتخفى وراء جدار، ولا هيَ سيوف بتارة بيدِ أشباح تجول في جوف ظلامٍ دامس، ليس لها ظلال على الأرض، ولا لها عيون تبصر..
لم تخرج “داعش” من مجهول لا وجود له. واهم من يظن أن احتواء داعش ينجز عبر مواجهات عسكرية. هل يكفي تجنّب رصاص القناصة، فتزول الظاهرة الإجرامية الخرقاء ..؟ ترى هل تهزم الدبابة أولئك القناصة المخدوعين، وهل تحمينا الجدران العازلة والخنادق المحفورة وارتداء الملابس الواقية، من جنون “داعش” ، أم أن ثمّة خيارات ينبغي أن يتجه عقلاء المجتمع الدولي والنخب التي اختارتها شعوبها لتولي أمورها، أن تنظر في أيّها الأكثر نجاعة، وأيها الأشد فاعلية..؟
(2)
في نظرة عجلى للسياسات التي اتبعتها بلدان نال قناصة “داعش” من أمانها، سنرى أنها اعتمدت خياراً عسكرياً لمحو داعش من شاشات الساحات الدولية. ولكن “داعش” ليست رصاصة ، بل هي حزمة أفكار مسمومة، تخفّت وراء بيرق أسود اللون كتبوا عليه إسم الجلالة ، بغية إشعال فتنةٍ تحرق الأخضر واليابس، في عالمٍ نحتاج أن نتمعّن بعمقٍ في أحواله ومآلاته.
أنظر وأسمع فلا أرى “استراتيجية ” تصاغ بالفكر لمواجهة التحديات الماثلة، إنْ “داعش” إلا وجهاً شريراً، على المجتمع الدولي أن يرتفع لمستوى مسئولية مواجهته. قناصة أرادوا اختطاف الإسلام وأخذه إلى مواجهات تهدف لاقتلاع القيم الإنسانية من جذورها، وضرب التسامح البشري في مقتل، وهو يشكل مسيرة الإنسانية التي لا تقاس بالسنوات أو بالقرون ، بل بالفكر الإنساني الذي أنجز حضارة ماثلة، قوامها قيم توافقت البشرية على احترامها ، هي الآن في موقف اختبار حضاري مصيري.
(3)
أنظر حولي فأرى بلداناً تجنح لتنفيذ سياساتٍ ارتدادية ، لا تكاد تبصر عمق التحديات، ولا ترى حرباً قوامها الأفكار، قد أفضت بالعالم كله إلى مواجهات مأساوية، بينها ظاهرة القناصة الذين تخفّوا وراء الرايات السوداء،وقد كتبوا عليها إسم الجلالة. أرادوا الإيهام بأن المواجهات هي بين عقيدتهم وعقائد الأخرىن، وأن لا مناص من تحقيق وجودهم إلا عبر إفناء الأخر. الأفكار المسمومة لا تحارب بالمدرعات ولا بالطائرات ولا بالبنادق سريعة الطلقات.
إن السياسات الإنفعالية ، والخطوات الارتدادية، تعكس أمراً واحداً، وهو عجز المجتمع الدولي، وتردّد مؤسساته كافة، عن النظر بعمق لاحتواء ظاهرة قناصة داعش . تنعقد المؤتمرات ويتداعى البرلمانيون في الغرب ، فيحيلون الأمر لعسكريين لا يرون غير الجانب الأمني، ولا خصّهم جانب المجابهة الفكرية التي أفرزت ظاهرة القناصة العقائديين.
إن الحروب التي اشتعلت في منطقة الشرق الأوسط ، منذ عام 1948 ، والمعارك التي تتالت ، والمظلوميات التي سادت لعقود طويلة، هي أصدق تعبير عن إخفاق المجتمع الدولي للتصدى لتلك المخاطر، وهو الذي روح ميثاقه “حفظ الأمن والسلم الدوليين”. ليس الربيع العربي ، ولا الفوضى التي انتشرت بطول بلدان الشرق الأوسط، خاصة، في العراق وفي سوريا، إلا تجلٍ لا تخطئه عين المراقب الحصيف. إن المناورة باختلاف المذاهب بين سنةٍ وشيعة ، وباختلاف الإثنيات بين عربٍ وغير عرب ، لعبة واهمة، حسبتها القوى الكبرى جسراًلتحقيق أهدافها وسياساتها الاستراتيجية.
(4)
نرى الخطوات التي تداول الغرب تطبيقها ، مثل قفل الحدود ، أو حجب تأشيرات الدخول ، أو التدقيق الأمني المستفيض في المعابر والمطارات، لن تكون بديلاً عن الرجوع والنظر بعمقٍ لأسّ المسببات ، حتى لا ينامون على غفلة تريهم رأس جبل الجليد، لا الجبل الرابض كاملا..
لعلّ النظر الاستراتيجي الذي يتجاوز فوهة البندقية ، هو المطلوب لاحتواء تجليات حرب الأفكار المستعرة ، وأن غيابه هو الذي يترك الأمر ينزلق ليعالجه ساسة يفكرون بأقدامهم، لا بعقولهم ، من نوع “ترمب” الذي يريد أن يركب موجة معاداة الإسلام، عقيدة جديدة يبتدعها ذهنه الأخرق، لتأخذه إلى البيت الأبيض..
jamalim1@hotmail.com