دبلوماسيون يبحثون عن مؤلف… بقلم: جمال محمد ابراهيم

أقرب إلى القلب :

 

jamal ibrahim [jamalim@yahoo.com]

(  1  )

         ولأنه رجل نبيل ، وسفير نبيل ، فلم نجده يأبه بسرد تفاصيل إقصائه مرتين من موقعه في الخدمة المدنية ، وعلى مدى عقد واحد . والرجل سفير شغل حتى قبيل تقاعده عدة مناصب كسفير للسودان في أقطار قريبة في الاقليم وفي أخرى  أبعد . كان ذلك في ندوة "تجربة حياة " في الدبلوماسية ، أقيمت في العشرين من اكتوبر 2009 في وزارة الخارجية .

        لقد درجت وزارة الخارجية وبمبادرة من مركز الدراسات الدبلوماسية فيها ،على تنظيم ندوات للسفراء الرواد الذين تقاعدوا في السنوات الماضية ، لتقديم عصارات تجاربهم للجيل الجديد من الدبلوماسيين . وإذ أحمد لمركز الدراسات رعايته لهذه الفعاليات فإني لأجد سببين يمنحان هذه الفعاليات أهميتها وتميزها :

         أولهما  يتصل بضرورة احياء قنوات التواصل بين جيل وجيل ، خاصة وأن العقود الأخيرة شهدت تحولاً كبيراً في جسم المؤسسة الدبلوماسية السودانية ، من حيث اسلوب الدخول إلى الخدمة من أبوابها المعلومة ، وما وقع من إعادة هيكلة وصياغة لدور الدبلوماسية  توازياً مع التطورات السياسية التي شهدها السودان في العقدين الأخيرين. لا أتحدث عن الايجابيات أو السلبيات ، بل أرى أن التحول الكمي والنوعي ، خلال هذين العقدين ، قد استوجب تواصلاً مع الأجيال التي أسست الدبلوماسية السودانية  ، خاصة الرواد الذين سمقت على أيديهم ومجاهداتهم  علاقات السودان الخارجية منذ الإستقلال.

         ورأيت سبباً ثانياً يتصل بضرورات التدريب وصقل القدرات . وما لا يختلف حوله إثنان الآن ، أن الدبلوماسية وكغيرها من مؤسسات الحكم وإدارة البلاد ، قد لحقها ما لحقها جراء التدهور العام في المؤسسات التعليمية واضطراب في المناهج والمؤسسية. ثمة عودة خجولة الآن إلى اللغة الانكليزية . لا أنكر انحيازي لنظم التعليم التي ورثناها من المستعمر البريطاني ، فقد صيغت بعد تجريب وتدريب  وصقل محكم في معهد بخت الرضا . . ولأعطي مثلاً ، فإن في وزارة الخارجية الحالية ثمة من اقترح النظر في سبل لتحسين اللغة الانجليزية لمن يتحدثها من الدبلوماسيين ،عبر تنسيق مع المجلس البريطاني في الخرطوم . معيار إجادة لغة أجنبية – إذاً –  لم يعد مهماً فيمن يتم اختيارهم للعمل في الخدمة الخارجية . لا نكاد نصدق ذلك ، نحن الجيل الذي تعلم الانكليزية تحدثا وكتابة على أيدي معلمين  أقحاح قدموا من أصقاع ايرلندة واسكوتلندة ، يلهجون بلغتهم بلكنتها الصافية المعروفة . أنا أحكي لك عن جيل تعلم في الستينات والسبعينات في قرن مضى ..

          لربما عدت لمواصلة هذا الحديث في سانحة أخرى ، بيد أني أريد حصر حديثي هنا على ندوة مركز الدراسات الدبلوماسية ، التي خُصصت للسفراء  المتقاعدين يحكون تجاربهم لجيل يتطلع لقيادة سفينة الدبلوماسية السودانية ، ولكنا فوجئنا بغيابهم عن الندوة وذلك ما دفعني لأزعم جازماً ، أن أكثرهم  تنقصه البوصلة ، ويربك رؤيته دوار البحر ، والسودان في بحر لجيّ  تترصد حركته أسماك باطشة من نوع أوكامبو  وما دونه ..

(  2  )

         حكى السفير النبيل عن تجربته وأسهب ، في وصف دقيق لجولاته في أنحاء العالم، يمثل السودان في الصين وفي يوغندا وفي النمسا ، واثيوبيا وسواهم من بلدان تتعدد ثقافاتها وألسنتها وطبائع أهلها . اللافت في حكايته أنه مر مرور الكرام على حادثتين تركتا أثرا محزنا على تجربته الثرة . في العهد الشمولي الثاني في السودان وإبان حكم "ثورة مايو" ، أحيل الرجل الهمام إلى التقاعد ولكنه مال إلى ذكر التاريخ وأغفل الملابسات . أُعيد إلى الخدمة الدبلوماسية ثانية بعد عامين ونيف . لم تنتهِ القصة هنا .

         في الثمانينات أحيل إلى الصالح العام ، أي التقاعد القسري كرة أخرى  ، وأيضا لم يشأ الرجل أن يحكي لنا الملابسات . يترفق الرجل النبيل ، بل كأنه في تجاهله المتعمد لملابسات ما لحق به من ظلم ، يمد يد التسامح ويد العفو، ويد الوفاء ، ليس لشخصٍ أولمؤسسةٍ لزمها عمراً كاملاً  ، ولكن أيضاً لوطنٍ يستحق . 

        نظرت حولي في قاعة الاجتماعات التي استضافت الندوة في وزارة الخارجية ، وهي قاعة كنت قد اقترحت ، إبان عملي في الوزارة  وعضويتي في لجنة أُنشئت خصيصاً لترتيب اللمسات الأخيرة لمباني وزارة الخارجية في منتصف الثتسعينات ، أن تسمى "قاعة فخر الدين محمد" ، وهو السفير الشامل المميز في وزارة الخارجية ، ولكن تم تجاهل الاقتراح ، لأسباب قد آتي على ذكرها في سانحة أخرى .

          ضم الحضور من حولي في تلك القاعة ، لفيفاً من السفراء المتقاعدين لا يتعدى عددهم الثلاثين ، يضاف إليهم إثنان من السكرتيرين الأوائل وسكرتير ثالث وحيد . في المنصة الرئيسية يجلس عمدة الدبلوماسية وشيخها ، الوكيل السفير فضل عبيد ، يدير الجلسة باقتدار يعجب وببصيرة ثاقبة .  لم أحزن وحدي ، كون الندوة اقتصرت على ثلة من السفراء المتقاعدين ، ولم ينقصنا – ربما – إلا عمنا السفير بشير البكري أمد الله في أيامه وعلمت لاحقاً أنه طريح فراش المرض ، شفاه الله . حزنت وعجبت وعجب معي الحضور، لأن غياب الدبلوماسيين العاملين بالوزارة عن هذه الندوة ، كان لافتاً ، خاصة وأن الندوة انعقدت نهاراً وخلال ساعات العمل .إذاً فسفراء المعاش يؤذنون في مالطا ، جرياً وراء المثل الشهير. ولربما بين مالطا ولغة الآذان وشيجة ضعيفة ، ولكن بين ندوتنا ودبلوماسييّ وزارة الخارجية – والندوة في عقر دارهم – غابت كل الوشائج إلا من ثلاث من الدبلوماسيين ، فتأمل غيبوبة الدبلوماسية في الجب  !

 

 

(  3  )

        لنعد إلى ذلك السفير النبيل الذي تجرع كأس الإحالة المرّ، مرتين إلى الصالح ( أو لعله الطالح؟) العام ! تساءل البعض منا لمَ أغفل السفير النبيل ذكر تفاصيل الظلم الذي  لحق به مرتين . غير أن الوكيل السفير فضل عبيد ، رأى أن ذلك ربما يعود لرغبة غالبة تجهد لأن لا تنكأ الجراحات القديمة . لم يكن عمنا فضل عبيد ، بأقل نبلٍ من السفير الذي آثر تجاهل تفاصيل ظلمه مرتين . حتى لو كان لوزارة الخارجية قانونها الذي يمنع البوح ببعض أسرار الخدمة إلا بعد مرور فترة زمنية محددة ، هي عادة تصل إلى خمسٍ وعشرين سنة في كثير من البلدان الراشدة ،فإن الظلم الإداري الذي لحق بالسفير النبيل قد جرى قبل أكثر من ثلاثين عاما . كيف إذاً ، نظل على ذلك الحرص المميت على تجاهل تفاصيل مظلوميات إدارية لحقت برجال من النبل والاستقامة الإدارية بمكانٍ ودرجة ؟  تلك كانت مداخلتي . سألت على عجبٍ : ألم يحن الوقت لأن نفتح ملفات المظلوميات السياسية والإدارية ، التي أخرجتها إخراجاً مسرحيا محكماً "لجان" أو أشباح" في الحقيقة ،  نشطت في نصب المقاصل الإدارية ونسفوا منارات في الخدمة المدنية سامقة الأداء ؟  لم تكن وزارة الخارجية وحدها في تلك المصيدة ، بل معظم الدواوين الحكومية  لحقتها لجان الظلم الباطشة ، التي عملت أسيافها بهمةٍ  ، تماثل همة ناصبي مقاصل الثورة الفرنسية ، على النحو الذي وصفه ديكنز في رواية "قصة مدينتين" ، أبلغ وصف ..

         لا يجف الحبر حين تأتي الكتابة عن ملابسات الاحالة إلى الصالح العام. أعرف  في وزارة الخارجية أمثلة تثير البكاء مثلما تستدعي الضحك . ثمة من أحالوه إلى التقاعد في مقصلة إدارية لأنه حمل لقباً لزعيم شيوعي حكم الاتحاد السوفيتي السابق في الخمسينات ، بسبب شبه بين شاربه الكثيف وشارب ذلك الزعيم. ثمة فتاة دبلوماسية  سودانية أباً عن أم ، رموها بتهمة ووشاية  جاء ذكرها على لسان أحد أعضاء مجلس الثورة أوائل التسعينات ،  يضرب بها مثلاً لسوء سلوكها .

        لربما لم تنظر أضابير نيفاشا وترتيباتها التي حوتها اتفاقية السلام الشامل في أمر من أحيلوا إلى الصالح العام ، ولربما لم يكن ذلك من مشاغل الشريك الثاني في الاتفاقية ، ولكن تكشف الآن أن خراب الخدمة المدنية وتدهور مداخلها ودراجاتها ،هو نتاج حتمي لسياسات  التخلص من الكفاءات عبر المقاصل الإدارية  الظالمة . وجب الآن ونحن نلج إلى مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، أن نتصالح مع النفس ونستتيبها استتابة حقة ونستسمحها تسامحاً صادقا ، وأن نشرع في ترتيب قنوات حقيقية ، نتدارس فيها وعبرها ونربي أجيالنا على اعتماد ثقافة الإعتذار والمتابة عن الظلم ،والسعي الصادق نحو تقويم إعوجاجات اللإدارة ، والأوبة إلى جادة العدل ، فنقف بذلك على عتبات الحكم الرشيد ونقبل على بعضنا البعض ، نستشرف فجراً مبيناً ، تضيء شموس الخير والمحبة فجاجه وحواريه وقفاره ..

         لا .. ليس كافياً أن تجتمع لجنة تنظر في ما بين يديها من التماسات تقدم بها من ظُلم قبل عقدٍ أو عقدين ، فتقترح اللجنة المكلفة أن تعيد إلى الخدمة  رهطاً من المحالين إلى الصالح العام ولكن بعد أن أوغل كثير منهم في سنوات البطالة ، وبلغ بعضهم سن التقاعد الاجباري ،وبعضهم غادر الفانية وترك وراءه أسراً مجروحة كسيرة مهيضة الجناح . أي خدعة أوتشاطر هذا الذي يعيد إلى الخدمة الآن  رجالاً في الستين أو أكثر !؟ أنظر حولي فأرى بعض كبار المسئولين ، وبينهم وزراء شاركوا في نصب المقاصل قبل عقدين من الزمان ، ما زالوا إلى هذه اللحظة في مواقعهم، وما بدلوا تبديلا ..!

 

(  4  )

         أجل علينا الآن أن ننكأ الجرح . علينا أن نمارس طبابة الوطن، والعالم من حولنا يراقب حراكنا . لسنا في جزر معزولة ، وقد استشرف المجتمع الدولي آفاقاً متجددة تكاد تتساوى فيها القيم الإنسانية ، وتلتفّ حولها البشرية على نسقٍ واحد ، وتتعاهد جميعها بمواثيق ملزمـة . وأول درس ينبغي استيعابه هو أن العدالة والرشاد، أمران لا يخضعان للإجتزاء أو الانتقاص أو التشاطر أو الفهلوة . وإنْ اتبعناهما في صياغات نرتب بها أوضاع الوطن ، سياسة واقتصاداً وإجتماعاً وثقافةً  وحقوقا، فإن الأوجب أن يكون اتباعنا ، أشمل نظراً وأوسع رؤىً وأرجح ميزانا . ولا بد لجيل يتوثب عجلاً  لإدارة الحكم ، من أن يعي هذه الدروس ، وأن يستوعب عِبرها ، ليس بالاختيار ، بل قسراً وجبراً إن دعا الأمر . وإني لآسى  أسىً مؤسفاً ، كون  الندوة الدبلوماسية تعقد في قاعة "فخر الدين محمد" وتلاميذه غائبون ، حائرون .. كتب المسرحي الايطالي بيرانديللو مسرحية عنوانها "شخصيات ست  تبحث عن مؤلف" ، ولكن في السودان ثمة جيل من الدبلوماسيين ، ستحفى أقدامهم بحثاً عن مؤلف ..

 

 

 

25أكتوبر 2009

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً