صديق الزيلعي
اثارت معركة الانتخابات الحامية، التي شهدتها البرازيل، وفاز بها القائد النقابي لولا دا سيلفا، اهتماما عالميا. وأشعلت روح من الفرح والتفاؤل، وسط القوى اليسارية والديمقراطية والوطنية، في مختلف انحاء العالم. وبرز خلال، الانتخابات، التدخل الفظ لإدارة الرئيس الأمريكي ترم. كما شهدت المعركة دور الشركات الضخمة المسيطرة على الأنشطة الاسفيرية، وكيف تتحكم عبر الخوارزميات في تشكيل الرأي العام البرازيلي. لهذه المعركة الانتخابية دروس قيمة لنا، في اليسار السوداني، وبلادنا توجه أكبر وأخطر تحدي يستهدف، وجودها كدولة موحدة، وشعب يمارس حياته الطبيعية، في سلام.
أهم الدروس، هو نجاح اليسار البرازيلي، في بناء جبهة واسعة، كان في قلبها تحالف حزب العمال والحزب الشيوعي وحزب الخضر. وتم تشكيل هذا التحالف، رغم خلافات الماضي بين الحزب الشيوعي وحزب العمال. وانتبهت تلك القوى للمحاولة المستميتة من اليمين البرازيلي وإدارة ترم لإخضاع السعب البرازيلي. فتم استخدام أكاذيب الفساد، والمحاكمات المسيسة، بل ومحاولات الانقلاب العسكري. وفشلت كلها بسبب وحدة اليسار والقوى الوطنية البرازيلية في جبهة واحدة قوية ومتماسكة. وهذا درس مهم لنا، في ظل الحرب الكارثية التي تدمر بلادنا. كما انه يشبه ارثنا السياسي، في التحالفات التي اقمناها، منذ أيام النضال ضد الاستعمار، ومرورا بكل الأنظمة التي حكمت بلادنا.
تشكل تجربة الانتخابات البرازيلية واحدة من عدة تجارب، حدثت مؤخرا. حيث أدي تحالف اليسار والقوى الديمقراطية، لإحراز الفوز في عدد من الانتخابات. ولدينا امثلة عديدة منها فوز ممداني كعمدة لنيويورك، بعد معركة شرسة، استخدم فيها اللوبي الصهيوني، كل الحيل، وأساليب التشويه، لمنع فوزه. كذلك ما تم في الانتخابات العامة الفرنسية، حيث سيطر اليسار على الجمعية الوطنية. وقبلها فوز اليسار في الانتخابات الاسبانية، وانتخابات ولاية كيرالا في الهند، وغيرها من النجاحات، التي نتجت عن العمل المشترك، والنظر للاطار الأكبر، الذي يوحد الجماهير.
الدرس الثاني ان حملات الاعلام الكاذبة، وتلطيخ السمعة، والكذب الصريح، يمكن مقاومتها بالعمل الجماهيري الواسع. وفي نفس الوقت الحذر من الوقع في احابيلها وخداعها، وعدم الترويج لها. فقد دربت أجهزة الأمن السودانية، كوادر مهنية، في الخارج، للتخصص، في حملات التغبيش والتزوير، وخلق الفتن، والصراعات العرقية، واغتيال الشخصية.
الدرس الثالث، عدم الركون لليأس عند اشتداد الهجوم المضاد أو التعرض للهزيمة. فقد أتهم لولا بالفساد، وتم سجنه. استمرت قوى اليسار في معركتها، ولم تلجأ للتخوين، وإعادة انتاج خطابات قوى التآمر. وأخيرا استطاع القضاء المستقل، ان يحبط المؤامرة، ويؤكد براءة لولا. وقيمة هذه التجربة تؤكد ان هزيمة واحدة لا تعنى خسارة المعركة. وما احوجنا لهذه الروح القوية، في وجه حملات غرس اليأس في نفوس ثوار ديسمبر، بأن الهزيمة قد حاقت بالثورة، وتمت تصفيتها نهائيا. ويبدا، الجميع، في البحث عن شماعات لتعليق الهزيمة فوقها، وتحميلها المسئولية، عما تم. الأمر الذي يزيد من الشروخ في الصف الوطني.
الرس الرابع هو تقديم برنامج يحوي تغييرات حقيقية لصالح الغالبية العظمي، من المواطنين، بدون تقديم وعود صعبة التحقيق، في دورة انتخابية واحدة. فالجماهير دائما لديها طموحات عالية، ومن السهل كسبها بالوعود الضخمة، الأمر الذي يؤدي لإحباطها سريعا، عندما لا تتحقق تلك الوعود. ولدينا في بلادنا امثلة، منها كيف كانت الجماهير تتشوق للاستقلال، باعتباره الخلاص النهائي، لكل مشاكلنا وتخلفنا. ولم يتحقق ذلك، فأحبطت. وأيضا بعد ثورة أكتوبر، الذي فجرت شوقا طاغيا نحو التغيير، ولكن عندما انشغلت الأحزاب بتحقيق مكاسب ذاتية، دب اليأس وسط قطاعات واسعة. وتكرر نفس الموقف بعد الانتفاضة التي اسقطت دكتاتورية نميري العسكرية، وتكررت صراعات الأحزاب، وتكررت روح البأس. لذلك عندما جاء انقلاب الاسلامويين استقبلته الجماهير بالسلبية، رغم ميثاق الدفاع عن الديمقراطية. وأخيرا جاءت ثورة ديسمبر، بكل زخمها وبطولاتها، لتواجه وضعا معقدا، وتآمرا شديدا، من دولة عميقة، تمتلك الثروة والقوة، وكامل جهاز الدولة. تلك القوة المعادية للثورة، لم تترك السلطة الانتقالية لتحقق ما بدأت في تحقيقه، وازداد الإحباط، وسط الجماهير، التي كانت تتوقع ان تنجز كل تلك الأهداف، الضخمة والكبيرة، خلال شهور قليلة.
الآن تواجه بلادنا قضية اكثر خطورة من أي انتخابات، وأعمق تأثيرا من أي تحدي آخر، وهي قضية الحرب الكارثية، فنتعلم من التجربة البرازيلية، ولنرتفع الى مستوى التحديات الراهنة. ولنوحد صفنا المدني، ولننظر الى الغابة وليست الأشجار المنفردة.
