زين العابدين صالح عبد الرحمن
الأزمة السياسية في السودان التي كان تعاني منها البلاد قبل الحرب، و استمرار حالة الضعف التي تضرب الأحزاب السياسية، هل تبشر بالعودة لمنصة التأسيس و حياء عهد السيدين؟ أم إن محاولة العودة نفسها لمنصة التأسيس، تعد محاولة للتفكير في الأزمة؟
قبل أيام قليلة أجرت قناة ” النيل الأزرق” لقاء مع الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي، و يتضح من هذا اللقاء، أن الفريق عبد الرحمن يسعى من أجل خروج الحزب من كبوته و لملمة شمله، خاصة أن الحزب منقسم إلي ثلاثة تيارات.. الأول يضم جزء كبير كان في المكتب السياسي، و يتزعمهم الرئيس برمة ناصر و الأمين العام للحزب الواثق البرير هؤلاء أعلنوا الاندماج مع تجمع ” صمود و تأسيس” الداعمان للميليشيا، و التيار الثاني يتزعمه محمد عبد الله الدومة الذي تم تكليفه برئاسة الحزب في غمرة الصراع بين الأعضاء، و هؤلاء يقفون مع الجيش في حربه ضد الميليشيا.. و تيار ثالث يحاول الوقوف على الحياد، رغم أن مواقف البعض هي أقرب إلي التيار الأول منه إلي الثاني..
حديث الفريق عبد الرحمن الذي أشار فيه إلي العمل سويا مع الحزب الاتحادي الديمقراطي، و التحالف في الانتخابات بعد الحرب، هي مقولة حمولاتها السياسية ثقيلة، رغم التباين في الحزب و رغم نعتهم ب “الطائفية ” إلا إن الوصفة نفسها ذات حمولة سياسية.. إن حزب الأمة منذ بداية التكوين نشأ في حوش ” طائفة الأنصار” و كان زعيمه السيد عبد الرحمن المهدي، و ظلت طائفة الأنصار جزءا من العملية السياسية.. حيث كان السيد عبد الرحمن المهدي و في نفس يخضع إليه الحزب.. ثم خلفه الإمام الهادي المهدي في إمامة الانصار و رئيس للحزب، ثم خلفه الصادق المهدي، و الذي يصبح إمام يكون له أثرا كبيرا في إدارة الحزب باعتبار جماهير الإنصار هي التي تشكل القاعدة الجماهيرية لحزب اللأمة..
المسألة بتختلف تماما في الحزب الاتحادي الديمقراطي، لآن الأحزاب الاتحادية و على رأسها حزب الأشقاء الذي كونه الزعيم إسماعيل الأزهرى تكونت خارج ” طائفة الختمية” و لكن الطائفة كانت داعمة للحزب.. و كانت زعامة الطائفة في ذلك الوقت ” السيد على الميرغني” مدرك لذلك.. مما أطلق عليه راعي الحزب.. و عندما أعلنت رؤية الحزب الداعمة للاستقلال في 19 ديسمبر 1955م من داخل البرلمان التي أدت إلي أول انشقاق في الحزب الوطني الاتحادي بقيادة ثلاثة من طائفة الختمية هم ” ميرغني حمزه و خلف الله حاج خالد و أحمد جلي” لم يؤيدهم “السيد علي” لأنه كان يعلم أن تأييدهم لن يضيف شيئا للطائفة، و لا يجد قبولا وسط قيادة الحزب الوطني الاتحادي.. لكن عندما حدث صراع داخل الحزب الوطني الاتحادي بقيادات اتحادية، و ليست لها علاقة بالطائفة و هم ” الشيخ على عبد الرحمن و أحمد السيد حمد و حماد توفيق و غيرهم” أصدر السيد على بيانه الشهير تأييدا لتكوين حزب ” الشعب الديمقراطي” و حصل الحزب على 26 دائرة انتخابية في انتخابات فبراير 1958م بينما حصل “الوطني الاتحادي” على 54 دائرة.. الأمر الذي يبين البعد الطائفي في الحزب الوطني الاتحادي.. و بعد توحيد الحزبان تحت مسمى ” الحزب الاتحاد الديمقراطي” ظلت الزعامة للسيد إسماعيل الأزهري.. و استطاعت الطائفة أن تصعد للقيادة بعد إنتفاضة إبريل 1985م عندما حدث خلافا عميقا بين القيادات الاتحادية..
معرفة المسافات السياسية بين المكونات و القوى الداعمة لها مسألة ضرورية.. و طائفة الانصار هي الداعم القوي لحزب الأمة، و مؤثرة بصورة عضوية في فاعلية و خيارات الحزب و حتى الصعود للقيادة.. و أيضا طائفة الختمية تمثل العمود الصلبة وسط الاتحاديين، و لكنها تعد جزء من خياراتهم.. و دلالة على ذلك؛ عندما وصلت قيادة الطائفة للحزب لم يصبح الحزب كتلة صلبة واحدة، بل تعددت الأحزاب الاتحادية لكي تميز نفسها.. الآن الطائفة نفسها تعاني من انشقاقات بعد ما حدث صراعا بين أبناء السيد محمد عثمان الميرغني ” جعفر و محمد الحسن و عبد الله المحجوب” و الصراع بين هذه التيارات ليس فكريا أو إختلاف الرؤى و لكنه صراع من أجل القيادة، و ينال القيادة هو الذي يستطيع أن يصنع حدثا قوميا يجعل الجماهير تلتف حوله.. أما اختيار القاعدة بين الثلاث مسألة تتوقف على درجة الوعي القاعدي، و مساحة الحرية في التنظيم و المسار الصحيح نحو الديمقراطية..
إن حديث الفريق عبد الرحمن المهدي لقناة ” النيل الأزرق”، و الذي أشار فيه أن هناك تفاهمات بينه و بين جعفر الميرغني، تؤكد إن الجانبين يشعران بأن التقارب بينهما ضرورة سياسية تفرضها حالة التحديات التي تواجه البلاد.. و الإثنان يقفان موقفا صلبا مع الجيش و القوى المؤيدة له، و هي ايضا تقرب المسافات بينهما.. الأمر الذي يؤكد التعاون بين القوتين ضرورة وطنية قبل أن تكون حزبية.. و خاصة إشارة عبد الرحمن المهدي وجوب التنسيق بين الحزبين الأمة و الاتحادي خاصة في الانتخابات.. لكن قبل ذلك لابد أن تكون هناك رؤى مطروحة من قبل الجانبين، و الوصول لتفاهم و الخروج برؤية موحدة، و هي مسألة ضرورية أن تعتمد على القاعدة الشعبية.. لذلك أية عمل بين الحزبين يجب أن يؤسس على الشرعية و ليس على الشعارات الثورية..مع توسيع دائرة التحالف مع القوى المؤمنة بالعود للشرعية الدستورية.. اتفاق السيدان هل يعود بالبلاد لمنصة التأسيس. أم سيظل حظوة سلطة لا تحدث تغييرا سياسيا ينهض بالبلاد؟
يجب التفاهمات بين الأمة و الاتحادي الدعوة للرجوع إلي دستور 2005 باعتبار الدستور الذي شاركت في صياغته أغلبية القوى السياسية و يحتاج إلي مراجعات لكي يتسق مع عملية التحول الديمقراطية، و اعطاء مساحة واسعة لحرية الإعلام.. هذا الدستور يتيح الدخول للشرعية الدستورية بالاتفاق على أختيار رئيس للجمهورية. و الاتفاق معه على أن يدعوا في ظرف سنة من اختياره إلدعوة لقيام انتخابات المجالس المحلية و المحليات و الولايات. ثم الدعوة إلي مؤتمر دستوري لتعديل 2005 و الاتفاق على نظام الحكم رئاسي أو برلماني.. ثم الدعوة إلي انتخابات عامة بعد إجراء الأحصاء السكاني و توزيع الدوائر الانتخابية.. نواصل في الفكرة… نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
