بقلم: د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
ظل صديقنا الدكتور سعد عبد القادر العاقب، استاذ اللغة والأدب العربي بجامعة بحري، والشاعر المجيد بالفصحى والعامية معاً، منذ مدة ليست بالقصيرة، يلفت الأنظار إلى بعض الأخطاء اللغوية والإملائية الشنيعة التي يلقاها في طريقه، أو التي ربما ينبهه إليه بعض أصحابه المهتمين أيضا. وقد درج الدكتور سعد في أحيان كثيرة، على إثبات صورة للنص المعني الذي به خطأ ما، سواء كانت عبارة مكتوبة على سطح الجانب الخلفي من سيارة أو شاحنة، أو في لافتة إعلانية، أو في إسم متجر أو مرفق خدمي عام، أو حتى في كتاب دراسي مقرر على تلاميذ المدارس بالسودان، وهذا الأخير بالذات، هو بالطبع الأمر المحزن الذي يملأ القلب ألماً وحسرة، لأن ما ترتب ويترتب عليه، ضلال مبين بالنسبة لأجيال متتالية من التلاميذ والطلاب. ولله در شوقي حين قال:
وإذا المعلمُ ساء لحظَ بصيرةٍ
جاءت على يدهِ البصائرُ حُولا
هذا، وقد ظل الدكتور سعد ينشر تلك الأخطاء الشنيعة منبهاً إليها، ومبيناًِ وجه الصواب فيها، في صفحته على تطبيق فيسبوك، ومن ثم كثيراً ما تجد منشوراته تلك، طريقها إلى المشاركة عبر بعض الوسائط الاجتماعية الأخرى. وقد ظل سعد يفعل جميع ذلك، في روح فكهة، ودعابة محببة ساخرة، عرفت بها شخصيته عموما.
فمن طريف ما استوقف سعداً من الأخطاء الإملائية مؤخراً على سبيل المثال، ونشره على صفحته في فيسبوك، خطأ إملائي فظيع وقع عليه ، في لافتة معدنية مثبتة على واجهة متجر لبيع قطع غيار السيارات، للدلالة على ذلك المتجر ، ولفت أنظار الناس إليه. فإذا العبارة المكتوبة على تلك اللوحة بخط جميل جداً، دونه خطوط ابن مقلة في المتقدمين، وعثمان وقيع الله في المتأخرين تقول: ” محلات الثقاء للزبيرات “، والمقصود هو بالطبع: محلات الثقة للإسبيرات ، وخير منها: محلات الثقة لقطع غيار السيارات.
لقد فشت هذه الأخطاء الكتابية، وانتشرت انتشاراً منكراً، خصوصاً خلال هذه العقود الأخيرة، وذلك بسبب عدة عوامل، يأتي على رأسها ضعف المناهج الدراسية، وتراجع مستواها عما كانت عليه في السابق، وضعف المعلم نفسه الذي يدرس تلك المناهج، فنجم عن ذلك ضعف على ضعف، فصارت النتيجة النهائية أن ضعف الطالب والمطلوب، ولله المثل الأعلى.
فصرت تقرأ وترى العجب العجاب في رسائل وسائط التواصل الاجتماعي، وفي المكاتبات الديوانية الرسمية، وفي الإعلانات الدعائية، وفي الشرائط الإخبارية المتحركة، التي تمر في أسافل شاشات التليفزيون وغيرها، من الأخطاء الفظيعة حقاً، التي ما كانت لتصدر حتى من صغار التلاميذ الذين لم يتخطوا الصف الثالث او الرابع بالمرحلة الابتدائية سابقا.
لقد كانت هنالك أخطاء كتابية قديمة في الواقع، ظلت ملازمة للمتعلمين السودانيين، منذ أن التحقت الاجيال القديمة منهم بمدارس التعليم النظامي في العصر الحديث، وقد ظلوا يتعايشون معها زماناً، وما نبههم عليها، وما صوبها لهم إلا مصحح النصوص المطبوعة على الحاسوب، او الهواتف المحمولة الذكية، حتى كان الواحد منهم يغتاظ ويستغرب من كثرة الخطوط الحمراء التي كان يضعها المصحح الإلكتروني، تحت الكثير مما يكتبون من كلمات. ومن ذلك على سبيل المثال، همزات الوصل والقطع، وخصوصا عدم رسم الياء المعرجة بصورة صحيحة، وكتابتها هي والألف المقصورة بنفس الطريقة. بمعنى أنهم لا يحرصون على وضع نقطتين تحت الياء التي في تأتي في أواخر الكلمات. وظني في ذلك، أنه في الغالب من تأثير المعلمين المصريين الاوائل بالسودان، ذلك بأن المصريين عموماً، لا يلقون بالا للتفريق بين كتابة الياء والألف المقصورة، فيكتبونهما بنفس الطريقة. فهم يكتبون الاسم العلم ” علي ” و حرف الجر ” على ” بنفس الطريقة: على على، وسلوى القاضي يكتبونها سلوى القاضى وهكذا. أما في دول المغرب العربي على سبيل المثال، فإنهم يشددون في رسمها على التفريق بين الياء والألف المقصورة.
ذلك، والملاحظ هو أن أكثر تلك الأخطاء، يكون في الخلط في رسم الحروف ذات الأصوات المتقاربة مثل السين المهملة والثاء المثلثة ، والزاي والذال، وأكثر ذلك الخلط بين القاف والغين. فتجدهم يكتبون مثلا: ” يا عثل رايق مصفى ! ” وهم يعنون ” يا عسل ” بالطبع، وجاء الناس ذرافات ووحدانا، وهم يقصدون: زرافات ووحدانا، او مجرد ذلة لسان والمقصود هو: زلة لسان وهلم جرا. أما الخلط بين الغين والقاف وخصوصا في الحديث الشفهيّ، فهي الأكثر وروداً عند عامة السودانيين، ذلك بأن صوت القاف الفصيحة ليس في نظامهم الصوتي الفطريّ إذا جاز التعبير، وانما يجتهدون في تعلمها اجتهادا ، ذلك بأن قافهم الطبيعية صوتها هو صوت الجيم القاهرية، او صوت حرف ال G في الفعل الانجليزي Go.
وبسبب فرط اجتهاد المعلمين في السودان، وحمل تلاميذهم حملاً على نطق القاف بصورة صحيحة، وعدم نطقها غيناً محققة أو كالغين، وكذلك بسبب تندر بعض العرب عليهم في هذا الخصوص، فقد تولدت لدى بعضهم شبه عقده من الغين، فصاروا ينطقونها هي نفسها أحياناً قافاً محققة، فصرت تسمع أحدهم وهو يقول” الأقاني ” للأغاني، وعثر أولادي مرة على اسم شخص من اولئك الاشخاص الذين تظهر صورهم وأسماؤهم في فيسبوك من ضمن فئة الأشخاص الذين من المحتمل أنك تعرفهم، فاذا باسمه مكتوب هكذا: ” عبد القفور ” بالقاف المثناة، فهرولوا نحوي به وهم يضحكون. إن هذا الميل الفائت للحد في توخي الصحة، يعرف في دراسة اللغات وممارستها بال Hyper correction .
أما الخلط بين نطق وكتابة الحروف المتقاربة ذات الأصوات الذولقية ، اي التي تتطلب اخراج اللسان مثل الثاء والذال ، وتلك السنية التي لا تستدعي اخراج اللسان، فسببه هو في تقديرنا، تخلي المعلمين عن الطريقة القديمة التي كانت تقوم على تعريف التلميذ على صوت الحرف ومخرجه الصحيح وطريقة نطقه أولا، حتى يستطيع التفريق بين زا زرع وذا ذنب، وسا سلخ وثا ثمر ، ثم انه سوف يعرف لاحقا اسم الحرف سين والحرف ثاء والحرف زاي والحرف ذال، بعد ان يكون قد فقه رسمها ونطقها تماما. وكان المعلمون – ووالدي رحمه الله كان واحداً منهم – يحرصون على المرور على التلاميذ وهم جلوس متحلقون في باحة رملية واحدا واحدا، ويمسكون أصابعهم الصغيرة، ويعلمونهم كيف يكتبون تلك الحروف، وكيف ينطقونها، ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، مع تسليمنا بضرورة التطوير والمواكبة والتحديث بطبيعة الحال، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم