دكتور محمد عبد الله
لا أدري أيهما كان أكثر بلاغة في ذلك المشهد الذي تناقلته المقاطع المصورة من لقاء للإسلاميين في تركيا: دموع عبدالباسط سبدرات، أم نصف ابتسامة عبدالحليم المتعافي وهو يناوله منديلاً ليمسح به تلك الدموع. أما أغنية الكاشف عن السودان التي كانت تصدح في الخلفية، فقد بدت وكأنها تؤدي دور الراوي الذي تأخر كثيراً عن موعده.
للوهلة الأولى، يخال المرء أنه يشاهد مشهداً من مسرحية سودانية قديمة، اختلط فيها التراجيدي بالكوميدي حتى استعصى الفصل بينهما. رجل قضى سنوات طويلة يدافع عن نظام لم يعرف الرأفة، يبكي بحرقة على وطن لم يتذكر وجعه إلا بعد أن صار الوطن نفسه حطاماً . وإلى جواره رجل اشتهر بابتسامته التي لا تغادر وجهه، يناوله منديلاً ، وكأن التاريخ كله يمكن أن يُختصر في قطعة ورق تمتص الدموع.
تساءلت وأنا أشاهد المشهد: هل يبكي سبدرات السودان؟ أم يبكي العمر الذي مضى؟ أم يبكي مشروعاً انتهى إلى ما انتهى إليه؟ لا أحد يعلم. لكن المؤكد أن الدموع جاءت متأخرة كثيراً ، بعد أن سالت دموع ملايين السودانيين في البيوت والمنافي ومخيمات النزوح.
هذا هو عبدالباسط سبدرات الذي عرفه السودانيون واحداً من أبرز رجالات السلطة في عهد الإسلاميين، ثم عرفوه لاحقاً محامياً يتصدر هيئة الدفاع عن رموز ذلك النظام بعد سقوطه. كان يدافع عنهم بحماسة يحسد عليها، حتى بدا أحياناً وكأن القضية ليست قضية متهمين أمام القضاء، بل قضية شعب يجب أن يعتذر لأنه طالب بمحاسبة اؤلئك القتلة .
ولعل أكثر ما يثير الحيرة أن الرجل ارتبط اسمه، في الذاكرة الشعبية، بإحدى أجمل الأغنيات “رجعنالك” التي شدت بها البلابل في زمن كان السودان يحلم أكثر مما يتألم. كيف يجتمع ذلك الحس المرهف الذي تحتمله الأغنية مع ذلك الجفاف السياسي الذي لازم سنوات الدفاع عن سلطة لم تترك مؤسسة إلا وأصابتها بالعطب؟ سؤال لا تجيب عنه المرافعات، ولا تمحوه الدموع.
ثم انتقلت ذاكرتي إلى الرجل الذي كان يجلس إلى جواره، عبدالحليم المتعافي. ابن الدويم، المدينة الوادعة التي أنجبت كثيرًا من أهل العلم، واحتضنت “بخت الرضا”، إحدى أهم قلاع التعليم في السودان. لكن الرجل اختار أن يُعرف في السياسة أكثر مما يُعرف في الاستنارة .
تذكرت ذلك المشهد الذي لم يغب عن ذاكرة السودانيين، حين ألقى بالميكروفون في وجه مزارعي منطقة ام جر . لم يكن الميكروفون يومها هو الذي أُلقي، بل كانت تُلقى معه فكرة الحوار نفسها. كانت رسالة تقول إن السلطة لا تستمع، بل تتكلم فقط.
ثم تذكرت اعترافه الشهير، بعد سنوات من الخراب، بأن الإسلاميين استخدموا القبلية، لا داخل تنظيمهم فحسب، بل على المستوى القومي. اعتراف جاء متأخراً ، لكنه كشف أن سياسة “فرّق تسد” لم تكن مجرد تهمة يرددها الخصوم، بل نهجاً اعترف به أحد أبرز صانعيه. غير أن التاريخ يعشق السخرية؛ فما زُرع من انقسام عاد ليحاصر زارعيه، وانقلب السحر على الساحر.
في تلك اللحظة، بدا لي أن المتعافي وهو يناول سبدرات المنديل، لم يكن يناوله إياه وحده. كان يناوله لجيل كامل ظن أن السلطة تدوم، وأن الشعوب تنسى، وأن الزمن لا يدور.
لكن الزمن يدور.
واليوم يبكي سبدرات. وغدًا قد يجد المتعافي نفسه يبحث عن منديل آخر. فالتاريخ لا يوزع الأدوار عبثاً ؛ من اعتاد أن يواسي نفسه بابتسامة قد يأتي عليه يوم لا تكفي فيه كل المناديل، ولا كل الابتسامات.
عندها تذكرت مقولة الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: “ما أكثر العِبَر، وما أقلَّ الاعتبار.”
وحقاً ، ما أكثر العبر في السودان… وما أقل الذين يتعلمون منها. ومن هنا يتجدد السؤال الذي يفرض نفسه كلما مر شريط العقود الماضية أمام أعيننا: “من أين أتى هؤلاء” ؟!
muhammedbabiker@aol.co.uk
