دور القوى المدنية أثناء الحرب وفي ترتيبات وقف الحرب وبرنامج ما بعد الحرب

 


 

 

في 23 مايو 2023

هذه نسخة محدثة تتضمن تعديلات أدخلت نتيجة نقاشات مع العديد من الأصدقاء والصديقات في دول متعددة.

هذه الورقة تتضمن بعض الأراء والأفكار التي طرحتها كأجزاء منفصلة في مقالات سابقة، وتعالج بناء الجبهة المدنية الواسعة ودورها أثناء الحرب، وفي ترتيبات وقف الحرب، وما يجب أن يكون عليه تصورها لإدارة الفترة الانتقالية التي تعقب وقف الحرب.
أولاً: البناء الديناميكي المتدرج للجبهة المدنية لوقف الحرب
لا يمكننا ولا يمكن للأحداث أن تنتظر حتى يكتمل بناء الجبهة المدنية الواسعة

منذ ما قبل اشتعال النزاع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع كان نداء بناء الجبهة المدنية الواسعة لتحقيق الانتقال المدني الديمقراطي هو النداء الصائب، ولكن معظم القوى السياسية كانت ترفعه لمجرد الاستهلاك دون رغبة أو جهد حقيقي لبناء تلك الجبهة حتى لا تعيق خطتها لتعظيم حصتها في السلطة. الآن وقد وقعت الواقعة، وسقط السودان في لظى المعارك وأتون الحرب، وانهارت الدولة تماماً، وبلغ القتل والدمار أقصاه، والوطن على وشك السقوط النهائي في الهاوية، لا نرى من عاصم لنا من هذا المصير المظلم سوى بناء هذه الجبهة المدنية الواسعة لتلعب دورها الحاسم في فترة الحرب، وفي جهود وقف إطلاق النار وإيقاف الحرب، ثم في إدارة الانتقال السلمي إلى وإقامة الدولة المدنية.

قبل أيام صدر ونشر في الوسائط بيان تأسيسي لبناء "الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية" شمل قائمة بأسماء من وقعوا عليه من أحزاب سياسية وحركات كفاح مسلح ولجان مقاومة وتجمعات مهنية وتنظيمات مجتمع مدني وهيئات نقابية وأفراد وشخصيات مستقلة عامة. هناك ملاحظات عديدة فيما يتعلق بتكوين هذه الجبهة والجهات الموقعة على بيانها التأسيسي، لانريد أن نتطرق لها بالتفصيل الآن، ولكنها في مجملها تتجاهل شرط الشفافية الذي لا غنى عنه لبناء هذه الجبهة على أساس من الثقة والوضوح بين أطرافها. أيضاً صدر بيان من الحزب الشيوعي السوداني يدعو لبناء "جبهة شعبية واسعة لوقف الحرب"، ولكن البيان اكتفى بالدعوة فقط دون الإشارة إلى خطوات عملية في طريق بناء هذه الجبهة. هذا الواقع يوضح لنا أن مهمة بناء هذه الجبهة بكيانها الكامل الذي يشمل الأحزاب السياسية ولجان المقاومة وحركات الكفاح المسلح وتنظيمات المجتمع المدني النقابات والشخصيات العامة ليست مسألة يسيرة وأنها قد تستغرق زمناً طويلاً، خاصة في ظل الانقسامات العميقة التي سبقت الحرب، مما يجعل من غير المجدي انتظار اكتمال بنائها قبل الشروع في القيام بدورها المطلوب. مع إيماننا بضرورة بناء هذه الجبهة، إلا أننا نرى أنه من الضروري أيضاً الشروع في التحرك لتلبية واجبات القوى المدنية المباشرة والتي لا تحتمل الانتظار، ولذلك فإننا نقترح أن نشرع في بناء هذه الجبهة بطريقة ديناميكية وتدريجية تسمح بالعمل المنظم لتنفيذ الواجبات المباشرة مع الاستمرار في عملية البناء، ويكون ذلك من خلال:
1. يكون هناك اتفاق على إطار عام لبرنامج الجبهة المدنية يمثل الحد الأدنى المتفق عليه بين القوى المشاركة.
2. في إطار البرنامج العام ، يتم بناء الجبهة المدنية من عدد من المنابر أو المنصات المستقلة وتشمل منبراً للأحزاب السياسية وحركات الكفاح المسلح، ومنبراً للجان المقاومة، ومنبراً لمنظمات المجتمع المدني، ومنبراً للنقابات والهيئات النقابية، ومنبراً للتجمعات النسوية، ومنصة للشخصيات العامة ..إلخ.
3. يكون كل منبر أو منصة مستقلاً في تكوين هيئته القيادية وبناء هيكله وصياغة لائحته وقواعده، ويشرع في التصدي لواجباته فور تكوينه دون انتظار لبقية المنابر، على أن يتم التنسيق مع المنابر الأخرى حال تأسيسها للعمل المشترك في إطار البرنامج العام.

من المتوقع أن تستغرق الأحزاب السياسية وحركات الكفاح المسلح زمناً أطول في حسم تبايناتها مقارنة بلجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة، لذلك سيكون من الطبيعي أن تبادر هذه المجموعات الأخيرة إلى الشروع في تكوين منابرها فوراً. بالنسبة إلى الشخصيات العامة، فإنني أقترح أن تشكل كل جالية من الجاليات السودانية في المهجر و(دول النزوح) فرعاً للجبهة المدنية يكون جزءاً من منصة الشخصيات العامة.

بما أن المستقلين يكونون في العادة أكثر تردداً حينما يتعلق الأمر بفكرة التنظيم، باعتبار أنهم أساساً اختاروا عدم الانتماء إلى أي تنظيم، فقد يكون من المناسب أن يلتم شمل المستقلين عبر منصىة إلكترونية توفر التفاكر وتبادل الآراء والتنسيق والتحرك المشترك دون قيود اللوائح والهياكل التنظيمية. هذه المنصة الإلكترونية قد تكون مفيدة أيضاً في المناطق التي تتضاءل فيها حرية التنظيم. إن المهم بالنسبة لنا هو الفعالية، وليس الأشكال.

من الممكن ايضا بناء هذه الجبهة على أساس ولائي بحيث نبدأ بالولايات الاكثر تنظيما والأسهل حركة ثم ننتقل للولايات الأخرى.

ربما كان من الأمثل، بالنسبة لمنصة الشخصيات العامة، أن تتكون من غرف على أساس التخصص المهني بحيث تكون هناك، مثلاً، غرفة للقانونيين، وغرفة للإعلاميين، وغرفة للمهن الطبية وغرفة للدبلوماسيين إلخ، بحيث تكون كل غرفة هي مستودع الخبرة والموارد في المجال المعين.

*ثانياً: واجبات الجبهة المدنية أثناء الحرب:*
لانكتفي فقط بالدعوة لإيقاف الحرب وإنما علينا المساهمة الفعلية في ذلك

لا نحتاج إلى الإفاضة في تحديد واجبات الجبهة المدنية أثناء الحرب فقد تمت الإشارة إلى هذه الواجبات في البيان التأسيسي المنشور للجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية وكذلك في بيان الحزب الشيوعي، المشار إليهما، وتتضمن:

• السعي لوقف الأعمال العدائية وتأمين المواطنين والأجانب.
• السعي لتوفير الاحتياجات الإنسانية والصحية والخدمية والبيئية والأمنية العاجلة للمواطنين والمناطق المتأثرة وتشييد المستشفيات والمراكز الصحية الميدانية.
• استقطاب الدعم العاجل من السودانيين بالخارج ومن أصدقاء السودان.
• تخفيف آثار الكارثة ودعم جهود إيواء الأسر المشردة والنازحة وتوفير الممرات والمسارات الآمنة والموثوقة.
• السعي لإجبار الأطراف على احترام الهدن والعمل لإسعاف الجرحى ودفن الموتى وتحرك المدنيين المسالمين، ووقف جرائم الحرب ويشمل ذلك قصف المناطق السكانية بالطائرات أو الاحتماء بالمناطق السكانية والمستشفيات والمرافق المدنية.
• نشر الدعوة لوقف الحرب وبسط ثقافة السلام والتعايش السلمي، ونبذ العنف، ومواجهة خطابات الانحياز لطرف على أسس إثنية أو قبلية أو مناطقية أو دينية، ومقاومة الحملات الدعائية للحرب تحت أي شعارات، ومحاربة خطاب الكراهية.
• رفض كافة أشكال التدخل الأجنبي في الشؤون الوطنية، ماعدا التدخل الإنساني وجهود إيقاف الحرب.
• مناشدة منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والأوروبي والدول الصديقة والديمقرطية دعم مساعي الإغاثة الإنسانية وتقديم العون والعمل على وقف تدفق الأسلحة لأطراف النزاع.
• رصد وتوثيق الانتهاكات بما يمكن من استخدامها ضد مرتكبيها وعدم الإفلات من العقاب.

في حالة استطالة أمد الحرب وفي حالة استمرار انهيار المركز، فيمكن وفق اقتراح الدكتور بكري الجاك، النظر في "تكوين حكومات محلية بتشريع وقضاء وصيغ لإنفاذ التعاقد وآليات للتبادل التجاري مبرئة للذمة وطريقة عملية للتعامل مع الإعانات والإغاثات .. حيث أن السلطة الحالية أياً كان شكلها هي سلطة فاسدة وإذا ما وضعت يدها على أي أموال سوف لن تذهب إلا لجيوب حفنة من المنتفعين."

من المهم أيضاً أن يتم إيلاء مسألة توزيع الإعانات والإغاثة والعون الإنساني إلى لجان المقاومة باعتبارها الأكثر قرباً للمواطنين في أحيائهم ومناطق سكنهم وكذلك للثقة الكبيرة في الأمانة والغيرية التي تتمتع بها لدى المواطنين عموماً.

*ثالثاً: أهداف ومطالب الجبهة المدنية في ترتيبات إيقاف الحرب:*
لإيقاف الحرب على أسس تحقق مصالح الوطن، لا مصالح الأطراف، لابد من وجود تمثيل للمدنيين على طاولة المفاوضات
حتى يكون للقوى المدنية القول الفصل في الحل الذي يعقب وقف إطلاق النار، لابد للقوى المدنية من أن تكون موحدة حول خطة لإيقاف الحرب والحل النهائي، وإلا فستفرض عليها الحلول التي تناسب القوى الدولية أو الإقليمية التي قد ترعى المفاوضات، أو الحل الذي يفرضه الطرف المنتصر، وأي من تلك الحلول لن تلبي مطالب الشعب السوداني في بناء الدولة المدنية وتحقيق السلام واستدامة الاستقرار. وستعيدنا، إن عاجلاً أو آجلاً، إلى الحرب ودولة الاستبداد والنزاعات والفقر. الحل الذي يجب أن تتمسك به القوى المدنية يجب ألا يسمح، بأي صورة من الصور، باستمرار أو عودة أي من الظروف التي أدت لاندلاع هذه الحرب، أو بقاء أي من القيادات العسكرية، التي أشعلت الحرب وأججتها والمسؤولة عنها، في مواقعها.

*هذا الحل يجب أن يتضمن ما يلي، على الأقل:*
1. استقالة أو إقالة وإبعاد جميع قيادات الجيش والدعم السريع ويشمل ذلك رئيس ونائب رئيس وأعضاء مجلس السيادة وقائد ثاني الدعم السريع وهيئة الأركان وقادة الأفرع والأسلحة الرئيسية والقيادات الموازية في الدعم السريع.
2. تشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق الفوري في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب من قبل جميع أطراف النزاع ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات.
3. تكوين هيئة عسكرية وطنية عليا ( من عدد محدود من كبار الضباط المشهود لهم بالوطنية وعدم الانتماء السياسي و/أو المفصولين والمحالين للتقاعد خلال ال 34 عاماً الماضية) لتصبح قيادة مؤقتة لكل من الجيش والدعم السريع وتكلف بإنجاز مهمة الإصلاح العسكري والأمني خلال فترة زمنية محددة.
4. تشمل مهمة الإصلاح الأمني والعسكري ما يلي:
أ‌. تصفية الجيش من كل العناصر ذات الارتباطات السياسية بأي جهة كانت.
ب‌. تصفية قوات الدعم السريع من جميع العناصر المنتمية على أساس قبلي/عشائري فقط أو التي يثبت عدم حصولها على الجنسية السودانية أو حصولها عليها بصورة غير سليمة.
ت‌. حصر جميع الممتلكات والأصول والشركات والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية التابعة للجيش والدعم السريع وإعادتها لولاية وزارة المالية.
ث‌. تحديد سقف لعدد الجيش السوداني بما لايتجاوز الحاجة الوطنية وبناء على المعايير الدولية للدول المدنية الديمقراطية وبما يرفع العبء المالي الثقيل على الميزانية العامة وموارد البلاد.
ج‌. دمج المؤهلين للخدمة العسكرية من قوات الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة في الجيش وفق النسب التي تحددها هيئة القيادة العسكرية الوطنية العليا وبما لا يتجاوز السقف المحدد للعدد الكلي للجيش.
ح‌. نقل كل المقار والمعسكرات والثكنات العسكرية بما في ذلك هيئة القيادة إلى خارج العاصمة والمدن الكبرى والمناطق المأهولة سكانياً.
خ‌. بدمج المؤهلين من الحركات المسلحة في الجيش الوطني الواحد وفق النسب المتفق عليها، تقوم كل الحركات المسلحة فوراً بحل نفسها وتسليم كل أسلحتها وتحويل نفسها إلى أحزاب وحركات سياسية يتم تسجيلها وتقوم بأنشطتها وفق القانون.
د‌. حل وتجريم تشكيل أي ميليشيات أو تكوينات عسكرية أو مسلحة تحت أي مسمى كانت وحصر حمل السلاح في القوات النظامية فقط.
ذ‌. تعويض أسر الضحايا والجرحى والتعويضات عن فقدان الأعمال والخسائر في الممتلكات بما في ذلك التعويضات للدولة عن الخسائر في البنية التحتية والمرافق العامة.

*رابعاً: واجبات الجبهة المدنية لما بعد إيقاف الحرب:*
فترة انتقالية طويلة المدى بحكومة كفاءات مستقلة قائمة على توافق وطني عريض
الطريق التي أودت بنا إلى الحرب، لن تكون هي الطريق التي ستخرجنا من الحرب. وإذا كانت ويلات هذه الكارثة البشعة، وأنهار الدماء التي سالت، وأعداد الضحايا والجرحى التي بلغت الآلاف، ومئات الألوف من النازحين هرباً داخل البلاد وخارجها، وقصف المستشفيات على رؤوس المرضى، وانهيار البنية التحتية بالكامل، ونهب الأموال والممتلكات، إذا كان كل ذلك لم يورثنا حكمة، ولا وعياً جديداً، أو منهجاً مختلفاً في التفكير، وإذا ظللنا نردد نفس المقولات الجامدة ونطرح نفس المقترحات البائسة ونمارس نفس الممارسات المرذولة ونتمسك بنفس العداءات القاتلة التي سبقت الحرب، فنحن لا نستحق هذا الوطن، وهذا الوطن لا يستحقنا.

صحيح أن هذه الحرب بين طرفين عسكريين، ولكنها، في حقيقة الأمر، تمثل المشهد الختامي لعملية انهيار الدولة السودانية، وهي عملية بدأت منذ أمد بعيد ثم تفاقمت طوال عهد نظام الإنقاذ، ولم تفلح سنوات الفترة الإنتقالية الأربعة الماضية في إيقافها. انهيار الدولة يعني انهيار سلطة الحكومة في الحفاظ على القانون والنظام وتوقف قدرة مؤسسات الدولة على العمل وعدم قدرة النظام الحاكم على تلبية مطالب المجتمع أو على وضع قواعد ملزمة وإنفاذها، أو الحفاظ على الأمن. وتشمل مظاهر الدولة المنهارة غياب الحكومة المركزية، والفشل في حماية الحدود الوطنية، التدهور الاقتصادي الحاد، وتفشي الجرائم، والبيروقراطية، والفساد والمحسوبية، والعجز التشريعي، والمشاركة العسكرية في السياسة، والتعرض لمخاطر التفتت، وسيطرة القوى الأجنبية ونذر الحرب الأهلية والتطهير العرقي وأزمات النزوح واللجوء، وهو ما ظللنا نعيشه بكل تفاصيله في خلال الأربعة وثلاثين عاماً المنصرمة، وكانت خلاصته احتلال السودان المركز السابع (من القاع) على مؤشر الدول الفاشلة بمجموع نقاط تفوق المائة وستة نقطة من مائة وعشرين نقطة هي الحد الأقصى للفشل.

إن هذا الواقع المزري، مقروءا على حقيقة أن التخلف لايزال هو السمة الرئيسية لبلادنا ومجتمعنا واقتصادنا، مضافاً إليه الدمار الهائل والخسارات الفادحة الناتجة عن الحرب الحالية، يجعل من المستحيل إنجاز التحول الديمقراطي في فترة انتقالية قصيرة المدى. إنّ النظام الديمقراطي لا يعمل لوحده في الفراغ وإنما يحتاج إلى وجود دولة فاعلة بكل مؤسساتها التنفيذية والرقابية والعدلية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية، وإلى دولة تتوفر فيها بنية تحتية أساسية معقولة من الكهرباء والمياه وشبكات الطرق والمواصلات والاتصالات، وتوفر الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وبيئة نظيفة، مع نشاط اقتصادي انتاجي يوفر التوظيف والعمالة. إن بناء أي نظام ديمقراطي على قاعدة دولة منهارة لن يكون حرثاً في البحر فحسب، وإنما سيضاعف من فرص ومستويات الفساد السياسي والاقتصادي، وسيعيدنا القهقرى إلى أوضاع أسوأ من التي كنا عليها.

إن الحرب الدائرة الآن، وقبلها الخلافات داخل القوى المدنية من جانب، وداخل القوى العسكرية من الجانب الآخر، وبين الجانبين، هي حول السيطرة والنفوذ وتجيير مهام الفترة الانتقالية لهذا الطرف أو ذاك. المحصلة النهائية لهذا الصراع ستكون تبديد الفترة الانتقالية دون إنجاز مهامها المأمولة، والقفز مباشرة للانتخابات تحقيقاً لمطامح النخبة السياسية الجامحة للعودة لكراسي السلطة وتسخيرها من جديد للفساد ونهب موارد البلاد. لقد أهدرت بلادنا من قبل فرصتين لتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي راسخ عقب ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، وذلك بسبب اقتصار مهام الفترة الانتقالية بشكل رئيسي على الإعداد لإجراء الانتخابات فقط، مما أجهض التجربة الديمقراطية في كل مرة نتيجة لممارسات الفساد وتغليب المصالح الحزبية الضيقة. إن علينا الآن أن نحمي الفترة الانتقالية الحالية والفترة الديمقراطية القادمة من نفس المصير.

ونحن نواجه تحديات ما بعد الحرب، لابد لنا من أن نستذكر دائماً أن ما حال بين شعبنا وتحقيق تطلعاته لم يكن أبداً افتقار بلادنا للموارد الطبيعية ولا للموارد البشرية، فبلادنا تتميز بمواردها الطبيعية المتجددة وغير المحدودة، وبأراضيها الزراعية الخصبة الشاسعة، وبثروتها الحيوانية الهائلة، وبمعادنها النفيسة، وسواحلها البحرية الفاتنة وآثارها ومواقعها السياحية الغنية، وطاقاتها البشرية المنتجة الخلاقة القادرة على الاضطلاع بمهام نهضتها. إن ما حال بين شعبنا وتحقيق نهضته هو نخب، مدنية وعسكرية، توهمت أن مهام الاستقلال قد اختتمت بوراثتها السلطة من المستعمر، فطفقت تتبادلها، مسخرّة إياها في كل الأحوال لخدمة مصالحها الضيقة وترسيخ سيادتها المزعومة على الشعب.

لقد جمعت بين تلك النخب قناعة عميقة بأن الحكم لا يتعلق بحل مشاكل الشعب، ولا بتنمية الثروة القومية، ولا بصناعة النهضة الوطنية، وإنما يعنى أولاً وأساساً بنهب الثروات المحققة والموارد المتاحة، واستغلال الفوائض الإنتاجية، وامتصاص الشعب حتى العظم والنخاع وكذلك بفرض رؤاها الآيديولوجية قسراً على الشعب. لقد تصارعنا حتى العظم حول أي طريق للتنمية، طريق التنمية الرأسمالي أو الطريق غير الرأسمالي. الآن، وبعد أكثر من ستة عقود نتلفت يمنة ويساراً فنجد أن حلم التنمية قد تبخر، ولم يبق لنا منه إلا الصراع والنزاعات والحروب. بفضل تلك النخب أصبحت السلطة سباقاً محموماً لاقتسام قوت الشعب، وأداة ناجعة للفساد، وتحوَلت الديمقراطية إلى أشكال خاوية دون مضمون، انتخابات لا تعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية وإنما تزيفها، وبرلمانات ذاهلة عن مشاكل ومطالب الشعب، لا تجلب سلاماً لمواطن، ولا لبناً لطفل، ولا مدرسة لتلميذ، ولا علاجاً لمريض، ولا لقمة لجائع، ولا بيتاً لمستظل بالسماء، ولا مأوى لهائم في العراء، ولا نهضة لشعب.

عليه، فإن مهمة الفترة الانتقالية القادمة، في نهاية الأمر، يجب ان تكون إرساء الأسس لقيام نظام ديمقراطي حقيقي على قاعدة دولة فعالة قائمة بوظائفها، بحيث تصبح السلطة أداة للعطاء والتنمية والبناء لا وسيلة للفساد والهدم والدمار، وخادمة للشعب لا سيدة عليه. هذه الفترة يجب ألا تقتصر فقط على الإعداد لانتخابات تعيدنا إلى نفس الممارسات السيئة السابقة، وإنما يجب أن تتضمن تنفيذ مشروعات عملاقة تهدف في نهاية الأمر إلى نقل السودان إلى القرن الحادي والعشرين، بمكافحة ودحر التخلف ونشر الوعي وبناء دولة متقدمة مستقرة قادرة على ترسيخ وحماية نظامها الديمقراطي، وهو ما سيتطلب تمديد أمد هذه الفترة إلى عشر سنوات على الأقل، بما يكفل إعداد وتنفيذ ما يلي:

1. إعادة بناء الدولة بإصدار التشريعات وإنشاء أجهزة الحكم الراشد والحوكمة السليمة والقادرة على إرساء أسس العدالة والشفافية وسيادة حكم القانون، وبناء مؤسسات القضاء والخدمة المدنية ووقف التدهور الاقتصادي، وتلبية المطالب الشعبية في الحياة الكريمة وحقوق التعليم والصحة، والحفاظ على الأمن، وتنظيم الحياة السياسية بالقوانين التي تحمي الحريات العامة وحريات التنظيم والتعبير والتنقل وكافة حقوق الإنسان، والحد من تفشي الجرائم، ومحاربة الفساد والمحسوبية، وتجريم خطاب الكراهية.
2. وكما أن أمر إبعاد الجيش من السياسة هو أمر حاسم، فإن إبعاد السياسة من الجيش هو أمر لا يقل أهمية. يكون إبعاد السياسة من الجيش باستصدار التشريعات التي تجرّم وتنص على أشد العقوبات في حق أي قوى سياسية أو غيرها تعمل على إنشاء تنظيمات تابعة لها أو تجنيد أفراد من داخل القوات النظامية لأي غرض كان، كما تجرم العمل على استمالة القوات النظامية أو استدراجها على أي أساس سياسي أو فكري أو ديني أو جهوي أو عنصري، أو للوقوف مع أي طرف في قضايا الصراع السياسي في البلاد. ويجب أن تنص التشريعات في هذا المجال على حل أو تجميد نشاط القوى والتنظيمات السياسية وغيرها التي يثبت ارتكابها لهذا الجرم و محاكمة وفصل الضباط المتورطين في هذا الاستقطاب من القوات المسلحة فوراً.
3. اختيار رئيس وزراء مشهود له بالخبرة والاستقامة والاستقلالية والدفاع عن الديمقراطية يقوم بتكوين حكومة مدنية بالكامل من كفاءات ورجال دولة وخبراء وطنيين غير حزبيين (أو يتخلّون عن ارتباطاتهم الحزبية علناً) مشهود لهم بالاستقلالية والاستقامة والنزاهة والدفاع عن الديمقراطية. تقوم هذه الحكومة، بالإضافة للمهام المذكورة في (1) أعلاه، بمعالجة آثار الحرب المباشرة ويشمل ذلك قضايا اللجوء والنزوح وعودة المهجرين إلى ديارهم، وتطبيق العدالة والتعويضات للضحايا، وبناء ما دمرته الحرب، وتفكيك تمكين النظام البائد بما يتفق مع أسس العدالة والإنصاف، وإنجاز العدالة الانتقالية، والتوصل إلى سلام مع الحركات التي لا زالت تحمل السلاح، وإعداد دستور توافقي تعده لجنة خبراء ويقوم على دستوري 1956 ودستور 2005 ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية دون أي تمييز على أساس العرق أو اللون أو النوع الاجتماعي أو الدين أو الثقافة أو اللغة أو المعتقد السياسي، والإعداد لانتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.
4. تكوين مجلس تشريعي يقوم بمهام إصدار التشريعات الضرورية لتنفيذ مهام الفترة الانتقالية ومهام الرقابة على أداء ومحاسبة الحكومة المدنية. يتكون المجلس التشريعي من ممثلين للجان المقاومة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المنتخبة بالنسب المتفق عليها على أن تمثل النساء فيه بما لا يقل عن 40%.
5. تنزيل أكبر قدر من السلطات والصلاحيات الحكومية إلى المستويات المحلية بحيث تحسم الأمور وتتخذ القرارات التي تهم حياة المواطنين ومعاشهم وخدماتهم من قبل أولئك المواطنين في محلياتهم مباشرة.
6. إعداد وتنفيذ خطط التنمية التالية:
أ‌. خطة وطنية للتنمية البشرية ومحاربة التخلف بترقية المهارات الإنسانية عن طريق تحسين التعليم والتدريب مرافقاً ومحتوى وأهدافاً، وبمحو الأمية الشامل لجميع السودانيين في فترة زمنية محددة، وبمناهضة كل أشكال الدجل والشعوذة والخرافة، وبمحاربة الجوع والمرض والجهل وبتوفير مقومات الحياة الإنسانية العصرية والخدمات الأساسية في الصحة والعلاج والمأوى والبيئة.
ب‌. خطة تنموية تحديثية تفجر طاقات شعبنا، وتهدف بنهايتها إلى تعظيم الناتج المحلي الإجمالي ومستوى دخول الأفراد، وتقوم على ترقية البنية التحتية للبلاد، وتوصيل الكهرباء إلى كل أصقاعها، وربط كل المدن ومناطق الإنتاج بشبكة من الطرق المسفلتة والسكك الحديدية الحديثة وغيرها من وسائط النقل، وتطوير الموانئ واستعادة حيوية مرافق وأنشطة الخطوط البحرية والجوية ورفع الكفاءة الإنتاجية وزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني ،وتطوير استكشاف واستغلال الثروة المعدنية، وبناء قطاع سياحي قوي منافس، وتكثيف الصناعات وخاصة الغذائية وتعزيز القيمة المضافة للصادرات، واستثمار التقدم التكنولوجي الهائل وبناء اقتصاد المعرفة.

غني عن القول، أن هذا البرنامج سيواجه مصاعب وتحديات ضخمة ابتداءاً بالفترة الانتقالية طويلة المدى المقترحة ثم تكوين السلطة المدنية الانتقالية وهياكلها وبرنامجها. نعلم تماماً أن الأحزاب الكبيرة والأحزاب والحركات السياسية التي أقصتها ثورة ديسمبر من الممارسة السياسية، لن توافق على هذه الفترة الانتقالية الطويلة لأنها تستعجل إجراء الانتخابات للقفز على السلطة بصرف النظر عن تنفيذ مهام الفترة الانتقالية. وربما لا تكون هذه الفترة الانتقالية الطويلة مستساغة أيضاً لأطراف المجتمع الدولي التي ترغب في غسل أيديها من مشاكل السودان في أقرب وقت ممكن. لكننا نعلم أيضاً أن أي فترة انتقالية قصيرة لن تتيح إنجاز برنامج وأهداف الفترة الانتقالية في الأحوال العادية مهما تم اختصارها، دع عنك برنامجاً استثنائياً يتصدى لمعالجة انهيار الدولة واندثار البنية التحتية وكافة المرافق في البلاد والدمار والخراب الناتج عن الحرب والتصدي لمشاريع التنمية والإصلاح الاقتصادي على المدى البعيد، كما هو الحال الآن. إن أي فترة انتقالية قصيرة ستعيدنا إلى نفس الدائرة الشريرة والتي ستفضي إلى انقلابات جديدة.

بالإضافة إلى التحدي المتعلق بطول أمد الفترة الانتقالية، فإن البيئة السياسية المسمومة المحتقنة بالعداء وبالخصومات التناحرية وبالإقصاء واتهامات التخوين والعمالة وغيره، التي كانت سائدة حتى قبل الحرب، والتي كانت أحد العوامل التي ساهمت في اندلاعها، لن توفر البيئة الصالحة لفترة انتقالية طويلة المدى ولن تقبل الأطراف السياسية بحكومة انتقالية يتم إقصاؤها منها بينما تمثل فيها أطراف أخرى. إن الحل الأمثل لمواجهة هذا التحدي هو التوافق الوطني العريض الذي لا يستثني أحداً.

هذا التوافق ضروري ليس فقط لتحقيق الاستقرار المطلوب لانجاز مهام الفترة الانتقالية، وإنما، وبالدرجة الأولى، لمنح المشروعية للحكومة الانتقالية وهي الشرعية التي توفر لها القبول والاستقرار. شرعية الحكومات الانتقالية تكتسب في العادة من عملية التغيير التي تسبقها (شرعية ثورية)، ولككنا في هذه الحالة وبعد أربعة سنوات من اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، لا يمكننا الادعاء بأن تلك الشرعية ما زالت نافذة. لقد بددنا تلك الفترة بالخلافات التي لم يكن من طائل وراءها ونحن الآن في مواجهة حرب غيرت المشهد تماماً وخلقت واقعاً جديداً. الشرعية الأخرى هي الشرعية الدستورية، وهذه تكتسب عن طريقين، إما بالانتخابات وقد أشرنا من قبل إلى النتائج السلبية التي قد تترتب عليها إذا ما أجريت قبل إنجاز مهام الفترة الانتقالية بكاملها، بالإضافة إلى الصعوبات العملية لإجرائها الآن ومباشرة في أعقاب هذه الحرب. الطريق اللآخر لاكتساب الشرعية الدستورية هو التوافق الوطني.

حتى نكون واضحين تماماً فلابد من القول بأن هذا التوافق الوطني العريض يجب:
‌أ. ألا يبنى على أساس "عفا الله عما سلف" وإنما على أساس من القبول التام والخضوع للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة وفق قانون عادل ومنصف على كل الجرائم المرتكبة في عهد الإنقاذ وما تلاه.لسنا بصدد إجراء "مصالحة وطنية" على النهج التقليدي.
‌ب. أن يتم على قاعدة البرنامج المطروح للفترة الانتقالية، وقبول جميع الأطراف بذلك البرنامج والإلتزام بدعمه والعمل على تنفيذه.
‌ج. أن يتأسس على ميثاق وطني للعمل السياسي يصبح أساساً للممارسة السياسية ويتضمن، على الأقل، ما يلي:
• أن يكون التنظيم السياسي مدنياً وسلمياً بالكامل وألا يضم في تنظيمه علناً أو سراً أي تكوين عسكري أو عنيف أو حامل للسلاح بأي صورة، وأن يمتنع بصورة صارمة عن أي علاقة بالقوات النظامية أو أجهزة الأمن والمخابرات الوطنية.
• أن يلتزم التزاماً صارماً بحماية النظام الديمقراطي واستقراره بكل الوسائل.
• أن يكون التنظيم السياسي وطنياً بالكامل وألا يكون عضواً في أو فرعاً لأي منظومة أو منظمة عالمية أو إقليمية أو في دولة خارجية، وأن يمتنع بصورة صارمة عن تلقي أي أموال أو مساعدات من دول أو جهات خارجية.
• أن يكون مفتوحاً لجميع السودانيين والسودانيات على أساس المواطنة وألا يقوم على أي أساس ديني أو عنصري أو إثني أو عرقي أو ثقافي وإنما على أساس برنامج سياسي معلن.
• أن يلتزم بممارسة الديمقراطية داخل تنظيمه بتكوين هيئاته واختيار قياداته بالانتخاب.
• أن يحترم كافة طوائف الشعب السوداني وخاصة المنافسين السياسيين وأن يمتنع عن استخدام خطاب التكفير أو الكراهية على أساس عنصري أو ديني أو ثقافي أو جهوي أو جندري أو بأي تمييز آخر.
إن طرح اقتراح التوافق الوطني العريض الذي لا يستثني أحداً، في هذا المناخ الملغوم، يحتاج إلى قدر عظيم من الجرأة والشجاعة لمواجهة حملات التخوين والابتزاز وغيره، وهو أمر مفهوم. لقد رأينا النتائج العملية للانقسامات التناحرية العميقة التي شهدتها بلادنا، وقد آن لنا الآن أن نختار بين سلامة "شرفنا الرفيع" وبين سلامة الوطن ووجوده، وبين التوحل في مرارات الماضي أو التفكير في فرص المستقبل. إننا نشاهد ونقرأ ونسمع بعض المنتمين بشكل أو بآخر للنظام البائد يؤججون الآن أوار هذه الحرب، ويرفضون أي دعوة لإيقاف الحرب، أو للتهدئة أو للهدن حتى ولو للاحتياجات الإنسانية .. إلخ. إن كل ما يهمهم هو دحر الطرف الآخر ولو كان ثمن ذلك فناء مئات الألوف من المواطنين الأبرياء وتدمير البلاد بأسرها. نحن لسنا مثلهم .. نحن لا نريد انتصاراً يتم على جماجم شعبنا وأنقاض بلادنا.

abuhisham51@outlook.com

 

آراء