بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
أحقر أساليب الاستبداد في هذا الزمان العجيب، أن يُجعل الذل مفتاح الرزق، والخنوع شرط العيش، والانكسار ثمن اللقمة.
أن يُضيق على الناس في معاشهم، ويُضربوا في أرزاقهم، ويُحاصروا في أقواتهم، حتى يهبط الشريف إلى قاع القاع، ويصعد الوضيع إلى قمة القمة، فيُبجل ويُحترم، وتكون كلمته هي المسموعة والنهائية، وهو وحيد زمانه، وسلطان مكانه، وفرعون أوانه.
وحينها يُكرم الجهل ويُصفق له، ويُهان العقل ويُداس عليه، ويُرفع الرويبضة ويُبجل، ويُخفض العالم ويُذل. ويصبح بيع الضمير هو المؤهل الوحيد للثراء، والتمسح على الأعتاب هو الطريق الوحيد للبقاء، بقاء في دار لا بقاء فيها لو كانوا يعلمون.
وحينها لا تسأل عن دولة، ولا تسأل عن تطور، ولا تسأل عن نمو اقتصادي. سوف نفشل في كل شيء، حتى في بناء حمام يليق بكرامة الإنسان.
لقد عجزت الحكومة عن بناء حمام عام واحد يليق بكرامة الإنسان. مواطن يسافر 12 ساعة ولا يجد مكانا يقضي فيه حاجته إلا في العراء. وعجزت عن بناء مستشفى محترم. لكنها أبدعت في ابتكار الضرائب والجبايات. حكومة لا تبني مدرسة ولا مستشفى ولا حمام، لكنها تبني ألف نافذة للنهب.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”. وقال: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”.
وقال مالك بن نبي: “القابلية للاستعمار هي التي تدعو الاستعمار”.
وقال علي شريعتي: “ذهبوا ليبحثوا عن الظلم فوجدوا شعبا يركع فجلسوا”.
جيش عظيم وحكومة حقيرة*
شتان بين من يحمي الأرض وبين من ينهب الأرض.
شتان بين من يقدم الدم وبين من يسلب اللقمة.
شتان بين من يسهر في الخنادق وبين من يسهر في المكاتب يعد الجبايات.
جيشنا.. هو الشرف حين عز الشرف، هو البطولة حين انعدم الرجال، هو السيف حين انكسرت السيوف. جيشنا الباسل المقدام الصنديد، قدم الروح رخيصة، وسكب الدم غزيرا، وحمى الأرض والعرض، وصان الدين والوطن، وسوف يكتب ما قدمه بماء العيون ومداد القلوب في صفحات التاريخ الخالدة.
وحكومتنا.. هي العار حين لبس الفشل ثوبا. حكومة الجباية والذل والمهانة، لا تعرف كيف تبني حماما ولا كيف تداوي مريضا، ولا كيف تمهد طريقا، لكنها تعرف كيف تمد يدها في جيب الفقير، وكيف تبتز التاجر، وكيف تذل المواطن عند الشباك.
حكومة من ورق، وجيش من حديد.
حكومة تبيع الوهم، وجيش يقدم الدم.
حكومة تحتمي بالجباية، وجيش يحتمي بالله ثم بالبندقية.
فالجيش يبقى.. والحكومات الفاشلة تسقط وتذهب إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليها.
عاش الجيش.. وسقطت حكومة الجباية.
