الصادق حمدين
ليست المشكلة أن دولة جماعة الشر الكيزانية انهارت من الداخل، بل السؤال: ماذا يحدث حين يبدأ السقوط بعد أن يكون الانهيار قد اكتمل؟ وكيف يمكن لدولة منهارة اقتصادياً، تستنزف الحرب ما تبقى من مواردها، أن تواصل الحرب طويلاً فضلاً عن حسمها؟
أخطر مؤشرات انهيار الدول أن تصبح حياة مواطنيها مهددة في أبسط مقوماتها. وهذا ما يعيشه السودانيون اليوم: مجاعة تهدد الملايين، عملة تتآكل قيمتها، وخدمات أساسية منهارة تشمل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات والعمل والمصارف التي عطلت خدمات المواطنين تماماً، فضلاً عن تراجع قدرة الدولة على إدارة مواردها، بل وسرقتها على رؤوس الأشهاد.
وحين تعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، لا يعود السؤال: هل يمر السودان بأزمة؟ بل: هل انهارت الدولة بالفعل، وما نراه ليس سوى محاولة لإنكار بليد لهذا الانهيار؟
هنا يبرز القانون الدولي. فالأصل هو احترام سيادة الدول، لكن السيادة ليست حصانة مطلقة. ويتيح الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن اتخاذ تدابير عندما يشكل وضع ما تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وقد تصل هذه التدابير، في ظروف محددة، إلى استخدام القوة.
وتبرز في هذا السياق “مسؤولية الحماية”، التي أقرتها قمة الأمم المتحدة عام 2005، والتي تجعل حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية مسؤولية الدولة أولاً، مع مسؤولية المجتمع الدولي في مساعدة الدول واتخاذ عمل جماعي عبر الأمم المتحدة عندما تفشل السلطات الوطنية بصورة واضحة في حماية السكان.
وقد سبق لمجلس الأمن اتخاذ إجراءات بشأن السودان، منها إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005 وفرض عقوبات، كما أصدر عام 2024 القرار 2736 بشأن الفاشر لحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في القرارات، بل في الفجوة بين صدورها وتنفيذها.
فبيانات الإدانة لا تطعم جائعاً، والقرارات غير المنفذة لا تحمي مدنياً محاصراً أو مريضاً يبحث عن دواء. وإذا استمر عجز مؤسسات الدولة، واتسعت الجرائم والانتهاكات والنزوح والجوع، فإن السؤال يصبح: إلى متى يكتفي المجتمع الدولي بالمراقبة والإدانة الخجولة؟
حماية السودانيين لا تعني إلغاء سيادة السودان، كما أن احترام السيادة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لترك المدنيين لمصيرهم. المطلوب هو استخدام أدوات القانون الدولي لحماية السكان، وضمان وصول المساعدات – لأن مؤشرات المجاعة قد اكتملت حلقاتها-، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، ودعم استعادة مؤسسات الدولة، مع احترام حق السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم.
فالسيادة ليست امتيازاً مجانياً للسلطة، بل مسؤولية تجاه المواطنين. وإذا عجزت الدولة عن أداء هذه المسؤولية واستمرت الجرائم الخطيرة بحق المدنيين، يصبح السؤال: هل يحق للمجتمع الدولي أن يواصل عدم التدخل؟ ويمارس سياسة “الصهينة” وبعبارة أكثر حدة، وهل يحق له أن يمارس “عهرَ حماية المصالح” لمن يدفع ويتنازل أكثر، و”أن ينتهك شرف القانون لستر فجور السياسة”؟
