باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 20 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
إبراهيم برسي
إبراهيم برسي عرض كل المقالات

حدود القوة وانحسار الهيمنة: الحركة الإسلامية السودانية ١٩٤٩–٢٠٢٦

اخر تحديث: 20 سبتمبر, 2026 9:58 مساءً
شارك

١ من ١٢

سنوات البحث عن موطئ قدم

إبراهيم برسي

في صباح ٣٠ يونيو ١٩٨٩ استيقظ السودانيون على صوت ضابط ظهر بزيه العسكري على شاشة تلفزيون السودان القومي، وهو يقرأ البيان الأول لانقلاب أطاح بحكومة الصادق المهدي المنتخبة، وحل البرلمان والأحزاب، بينما بثت إذاعة أم درمان المارشات العسكرية قبل أن تنقل ذلك البيان الأول، الذي بدأت معه واحدة من أسوأ وأطول فترات الحكم العسكري والشمولي للإخوان في تاريخ السودان الحديث.

لم يكن معظم السودانيين يعرفون الكثير عن الرجل وقتها. إنه العميد عمر حسن أحمد البشير، أو ما عُرف لاحقًا، في المفهوم الشعبي الساخر للشارع السوداني، بـ”بَشّة”.

ما لم يقله “بَشّة” في ذلك البيان وقتها، قصة بدأت قبل أربعين عامًا. وهذا ما سأتطرق إليه بإسهاب في هذه الحلقات الاثنتي عشرة.

كانت البداية بين عدد محدود من الطلاب، ثم امتد الطريق إلى المدارس والجامعة والنقابات والسجون والمنافي والمصالحة مع جعفر نميري، ودخلت الحركة المصارف والأسواق ومؤسسات الدولة، ووصلت إلى القوات المسلحة، وبنت عملًا أمنيًا ومعلوماتيًا، وخاضت الانتخابات، وحصلت في آخر انتخابات ديمقراطية قبل الانقلاب على واحد وخمسين مقعدًا، لتصبح القوة الثالثة في البرلمان.

وبعد ثلاثة أعوام فقط من تلك الانتخابات، استولت الجبهة الإسلامية القومية على السلطة بانقلاب عسكري.

هذه المفارقة هي أحد الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذه الدراسة.

كيف انتقلت حركة بدأت وسط الطلاب في نهاية الأربعينيات إلى تنظيم يستطيع، بعد أربعة عقود، أن يصل عبر انقلاب عسكري إلى رأس الدولة؟

كيف دخلت القوات المسلحة المشهد السياسي؟ ومن الذي أدخل عمر البشير إلى التنظيم أصلًا؟ ولماذا لم يكن البشير، بحسب روايات من داخل الحركة، الرجل الأول في تسلسل قيادة تنظيمها العسكري؟ ومن كان الهادي مأمون المرضي ومختار محمدين وعثمان أحمد حسن، الذين تظهر أسماؤهم في روايات ذلك التنظيم قبل أن يصل البشير إلى قيادته؟

وما حقيقة الرواية التي تقول إن للحركة ساعة صفر في ٢٢ يونيو ١٩٨٩، قبل ثمانية أيام من الانقلاب، ثم عُدل عنها؟ ومن كان يعرف ساعة الصفر في الدائرة المدنية؟ وما الأدوار التي لعبها حسن الترابي وعلي عثمان محمد طه وعوض أحمد الجاز وإبراهيم السنوسي وعلي الحاج وياسين عمر الإمام وغيرهم في السنوات التي سبقت الانقلاب؟ ولماذا ذهب الترابي إلى السجن حبيسًا، في الصباح نفسه الذي دخل فيه البشير القصر رئيسًا؟

لا أود هنا كتابة تاريخ عام للإخوان المسلمين في السودان، ولا سيرة مختلفة لحسن الترابي، بقدر ما هي محاولة لتتبع مصادر القوة التي بنتها الحركة الإسلامية عبر تاريخها، وكيف تغيرت هذه القوة عندما انتقلت من المجتمع إلى القيادة، ثم ماذا حدث لها عندما استلمت الحكم ومفاصل الدولة.

في هذا البحث اعتمدت على الكتب والدراسات الأكاديمية والوثائق والصحف والمقابلات والشهادات المنشورة، وما ظهر من إفادات واتهامات في محاكمة انقلاب ١٩٨٩. واستفدت كذلك من معلومات تراكمت لدي عبر سنوات من الحديث والتواصل مع أشخاص كانت لهم صلات مباشرة أو قريبة من أجهزة الأمن والمخابرات ومواقع اتخاذ القرار في حكومة انقلاب الثلاثين من يونيو. بعض هؤلاء لا يريدون الكشف عن هوياتهم، وهذا حقهم، لكنه لا يحول ما يقولونه إلى حقيقة لمجرد قربهم من الأحداث. سأضع إفاداتهم، كلما أمكن، أمام مصادر أخرى.

وهذه مسألة مهمة في تاريخ جرى جزء كبير منه في السر، والسر، بعد مرور السنوات، يتحول عادة إلى أسطورة.

وقد وجدت أثناء البحث وقائع تتكرر في عشرات المقالات حتى تبدو ثابتة، ثم حين أعود إلى أصلها أجد شهادة واحدة متأخرة. ووجدت، في المقابل، تفاصيل صغيرة لا تكاد تُذكر في السرد السياسي العام، لكنها تصبح مهمة جدًا عندما توضع إلى جوار شهادات أخرى مستقلة عنها.
وللأمانة، سأقول “لا أعرف” عندما لا أعرف. وسأقول “بحسب شهادة فلان” عندما يكون المصدر شهادة. وسأقول “نسب الادعاء” عندما تكون المعلومة واردة في ملف اتهام لم يصدر فيه حكم نهائي.

ولمعرفة أصل الحكاية نحتاج إلى الرجوع قليلًا إلى الوراء، إلى ما قبل البشير والترابي وعلي عثمان وعوض الجاز وإبراهيم السنوسي، وقبل “التمكين” وبيوت الأشباح والدفاع الشعبي والمفاصلة.

كانت هناك مجموعة صغيرة من الطلاب، ومن المسار التنظيمي الذي بدأ هناك ستخرج، عبر انقسامات وتحولات وأجيال مختلفة، الحركة التي ستصل بعد أربعة عقود إلى السلطة عبر انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩.

ليس لأن انقلاب ١٩٨٩ كان مُعدًّا له أصلًا منذ الاجتماعات الأولى لحركة أولئك الطلاب. لم يكن كذلك. وبالتأكيد لم يكن بابكر كرار ورفاقه، في نهاية الأربعينيات، يخططون لانقلاب سيقع بعد أربعين عامًا. إلا أن قراءة التاريخ من نهايته تجعل ما حدث لاحقًا سببًا لما سبقه.

البداية التنظيمية الأوضح تعود إلى مارس ١٩٤٩، عندما تشكلت “حركة التحرير الإسلامي” في كلية غردون التذكارية، وكان من أبرز مؤسسيها بابكر كرار ومحمد يوسف محمد. كانت البيئة الطلابية وقتها تشهد نشاطًا يساريًا متصاعدًا، وكانت الحركة السودانية للتحرر الوطني حاضرة بقوة في الوسط الطلابي. ونشأت حركة التحرير الإسلامي جزئيًا في مواجهة ذلك الحضور اليساري المتصاعد، مع وجود نشاط وتأثير إسلامي وإخواني أسبق في السودان.

وقبل المضي قدمًا في هذه الأرشفة، أود الإشارة إلى الخطأ الذي عادة ما يقع فيه بعض المحللين السياسيين، وحتى بعض الإسلاميين منهم، وهو أن الإخوان المسلمين في مصر أنشأوا فرعًا سودانيًا؛ فهذا لا يصف ما حدث بدقة. التأثير المصري كان موجودًا، وكانت أفكار حسن البنا معروفة، وللإخوان اتصالات سابقة بالسودان، لكن المجموعة التي نشأت في كلية غردون قدمت نفسها بوصفها تجربة سودانية، وظهرت داخلها مبكرًا خلافات حول الهوية والقيادة والعلاقة بالتنظيم المصري. وتشير بعض الدراسات إلى أن التيارات التي صُنفت لاحقًا تحت الاسم الواسع “الحركة الإسلامية” كانت مختلفة منذ بدايتها في الاستراتيجية وبعض التوجهات الفكرية.

وفي الخمسينيات أصبحت تلك الخلافات أوضح، حيث التف فريق تحت اسم الإخوان المسلمين، واتجه إلى صلة أوثق بالتجربة الإخوانية المعروفة وقتها، بينما مضى بابكر كرار ومن معه في طريق آخر، سيقوده لاحقًا إلى تصورات مختلفة، من بينها ما عُرف بـ”الاشتراكية الإسلامية”. ولذلك يصعب الحديث عن الحركة الإسلامية السودانية كما لو أنها وُلدت منذ يومها الأول تنظيمًا واحدًا، بقيادة واحدة وفكرة لم تتغير.

في تلك السنوات كانت السيطرة على فضاء الجامعة والمدارس أهم للحركة من البرلمان نفسه. هناك كان الاستقطاب يبدأ، وهناك تتشكل علاقات لا تنتهي بالضرورة مع التخرج. وستظهر أهمية هذا الأمر لاحقًا، عندما يصبح أشخاص عرف بعضهم بعضًا في الدراسة والعمل الطلابي جزءًا من شبكات سياسية ومهنية تمتد إلى مؤسسات الدولة.

كانت الأحزاب التقليدية تمتلك قواعد اجتماعية أوسع كثيرًا، مرتبطة بالطائفة والعائلات والمناطقية وشبكات المجتمع القديمة. الإسلاميون لم يملكوا شيئًا مماثلًا بالحجم نفسه، فعوضوا جانبًا من ذلك بتنظيم أكثر انضباطًا، وبالتركيز على قطاعات الطلاب والخريجين والمهنيين. ومن هنا بدأ يتكون نوع من النفوذ لا تعكسه صناديق الاقتراع وحدها.

عندما سقط نظام الفريق إبراهيم عبود في أكتوبر ١٩٦٤، كانت الحركة قد تجاوزت طور المجموعة الطلابية الصغيرة. برز حسن الترابي بعد عودته من دراسته في الخارج، وأصبحت جبهة الميثاق الإسلامي الواجهة السياسية الأهم للإسلاميين في سنوات الديمقراطية الثانية.

دخل الإسلاميون الانتخابات والبرلمان واستفادوا من المجال الذي فتحته الديمقراطية، وكانوا في الوقت نفسه من أكثر القوى حماسة لمعركة حل الحزب الشيوعي بعد حادثة معهد المعلمين سنة ١٩٦٥. ومن الظلم للتاريخ أن نحملهم وحدهم مسؤولية قرار احتاج إلى أغلبية برلمانية وفرتها قوى أكبر منهم، وفي مقدمتها حزبا الأمة والاتحادي، لكن الواقعة تظل مهمة لفهم علاقتهم المبكرة بقواعد المنافسة الديمقراطية عندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع حول حق الخصم نفسه في الوجود القانوني.

ومع ذلك، ظلت صناديق الاقتراع تضع حدودًا واضحة لحجم الحركة. في انتخابات ١٩٦٨ لم تكن جبهة الميثاق منافسًا انتخابيًا لحزبي الأمة والاتحادي على مستوى البلاد. لم يكن في نتائج تلك الانتخابات ما يسمح بتوقع أن هذا التيار نفسه سيصبح، بعد واحد وعشرين عامًا فقط، صاحب السلطة كلها.

ثم جاء جعفر نميري.

بعد انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ تعرض الإسلاميون، مثل بعض القوى السياسية الأخرى، للاعتقالات والمطاردة، وخرج بعض قادتهم إلى المنافي. وفي يوليو ١٩٧٦ شاركوا ضمن الجبهة الوطنية، إلى جانب حزب الأمة وبعض القوى المعارضة، في المحاولة المسلحة الفاشلة لإسقاط نميري. لم تكن أحداث يوليو انقلابًا إسلاميًا على صورة ما سيحدث في ١٩٨٩، وكانت الجبهة الوطنية أوسع من الحركة الإسلامية، لكن التجربة مهمة لما جاء بعدها.

وفي العام التالي جلس بعض الذين حاولوا إسقاط نميري معه.

كانت المصالحة الوطنية في ١٩٧٧ أكثر من عودة معارضين إلى الخرطوم أو خروج معتقلين من السجون. بالنسبة إلى الإسلاميين، فتحت المصالحة طريقًا إلى مؤسسات النظام الذي كانوا يقاتلونه قبل عام واحد. دخل بعضهم الاتحاد الاشتراكي، وتبوؤوا مواقع رسمية، ودخلوا إعلام الدولة، واتسعت في السنوات التالية شبكات اقتصادية ومصرفية ارتبط بها إسلاميون ورجال أعمال قريبون منهم.

للمرة الأولى أصبحت الدولة نفسها جزءًا مهمًا من البيئة التي تتحرك داخلها الحركة الإسلامية.

وكانت هناك مؤسسة أخرى ستصبح أهم من كل ذلك بعد سنوات: القوات المسلحة.

يضع خالد مصطفى مدني بداية المشروع المنظم للعمل داخل الجيش في ١٩٧٨، بعد المصالحة الوطنية. وبحسب بحثه، ناقش مجلس شورى الحركة هذا الاتجاه، وكلف المكتب التنفيذي بالعمل العسكري تحت إشراف حسن الترابي، ضمن لجنة ضمت إلى جانبه عوض أحمد الجاز وعلي عثمان محمد طه وعلي الحاج وإبراهيم السنوسي وعبد الله حسن أحمد. ولم يكن الاتصال المباشر بالعناصر التي جرى تجنيدها سرًا داخل القوات المسلحة متاحًا لأعضاء اللجنة جميعًا؛ إذ يحصر مدني هذا الاتصال، في المرحلة الأولى، في الترابي وعلي الحاج وإبراهيم السنوسي.

هذه نقطة مهمة، لأنها تضع بداية المشروع قبل انقلاب ١٩٨٩ بأكثر من عشر سنوات، وقبل أزمات الديمقراطية الثالثة واتفاق الميرغني–قرنق ومذكرة الجيش بوقت طويل.

أما الصورة التفصيلية لذلك التنظيم، فهي أكثر تعقيدًا مما تسمح به الروايات الشائعة.

تظهر في الشهادات اللاحقة أسماء مثل محمد الهادي مأمون المرضي ومختار محمدين وعثمان أحمد حسن، قبل أن يصل عمر البشير إلى قيادة التنظيم العسكري. ويقول إبراهيم السنوسي، في شهادة لاحقة، إن البشير انضم إلى خلايا الحركة داخل الجيش سنة ١٩٨١، وتوجد روايات أخرى من داخل الحركة تتقاطع مع أصل هذه القصة، وإن اختلفت في بعض تفاصيلها.

هذه الشهادات لا تكفي وحدها لإغلاق الملف، لكنها تكفي لفتح سؤال ظل غائبًا عن الرواية المختصرة لانقلاب ١٩٨٩: إذا كان العمل داخل الجيش قد بدأ قبل أكثر من عقد، وإذا كان البشير لم يكن أول من قاد الضباط الإسلاميين، فكيف وصل هو تحديدًا إلى موقع الرجل الذي سيظهر أمام السودانيين صباح الثلاثين من يونيو؟

سنعود إلى ذلك في موضعه.

قبل ذلك كانت البلاد ستتغير مرة أخرى.

سقط نميري في أبريل ١٩٨٥، وعادت الأحزاب والصحف والنقابات، وعاد الإسلاميون إلى المنافسة العلنية تحت اسم “الجبهة الإسلامية القومية”. وفي انتخابات أبريل ١٩٨٦ حققت الجبهة أفضل نتيجة انتخابية في تاريخها حتى ذلك الوقت: واحدًا وخمسين مقعدًا، وأصبحت القوة الثالثة في البرلمان بعد حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي. وتعذر إجراء الانتخابات في عدد من دوائر الجنوب بسبب الحرب.

لا ينبغي التقليل من معنى الواحد والخمسين مقعدًا.

فهي تقول إن الحركة، بعد نحو أربعة عقود من بداياتها الطلابية، أصبحت قوة سياسية واجتماعية حقيقية. كان لديها ناخبون، وحضور قوي بين قطاعات من الخريجين والطلاب والمهنيين، ونفوذ في المدن وبعض الأقاليم. ومن الخطأ كتابة تاريخها كما لو أنها كانت جماعة سرية صغيرة بلا قاعدة اجتماعية، ثم استولت فجأة على بلد لا يعرفها.

لكن واحدًا وخمسين مقعدًا ليست أغلبية أيضًا.

وهنا تبدأ المفارقة التي سترافق بقية هذه الدراسة.

في سنة ١٩٨٦ كان أمام الجبهة الإسلامية طريق مفتوح للعمل السياسي العلني. لديها حزب قانوني، وصحف، ومال، وكوادر، وكتلة برلمانية معتبرة، وقاعدة اجتماعية حقيقية. كان يمكن أن تزيد مقاعدها في انتخابات أخرى، وكان يمكن أن تخسر بعضها. تلك هي طبيعة السياسة التي عادت بعد انتفاضة أبريل.

لكن الحركة كانت، في الوقت نفسه، قد قطعت شوطًا في طريق آخر لا يمر بصندوق الاقتراع.

وهذه الحقيقة تجعل الثلاثين من يونيو أصعب من أن تُفسر بوصفها رد فعل متعجلًا على أزمة سياسية وقعت في الشهور الأخيرة من الديمقراطية. البنية التي جعلت الانقلاب ممكنًا كانت موجودة قبل اتفاق الميرغني–قرنق، وقبل مذكرة الجيش في فبراير ١٩٨٩، وقبل خروج الجبهة الإسلامية من الحكومة.

ولا أريد أن أختصر تاريخها في مؤامرة دبرتها مجموعة صغيرة بعيدًا عن المجتمع. كان للحركة مجتمعها وناخبوها ومثقفوها وطلابها ومصالحها وتحالفاتها.

السؤال أصعب من ذلك.

كيف استطاعت حركة لها وزن اجتماعي حقيقي، لكنه لم يصل إلى أغلبية انتخابية، أن تبني خارج صندوق الاقتراع من القوة ما مكّنها، في النهاية، من الاستيلاء على الدولة كلها؟

ومن هنا جاء عنوان هذه الدراسة: “حدود القوة وانحسار الهيمنة”.

لا أستخدم الهيمنة بمعنى الحكم وحده. فالسيطرة على أجهزة الدولة شيء، والقدرة على بناء قبول اجتماعي يتجاوز حدود التنظيم وأنصاره شيء آخر. وهذا الفرق بين السيطرة السياسية والقدرة على إنتاج قبول أوسع هو الذي يجعل مفهوم الهيمنة مفيدًا هنا. ولا أريد أن أبدأ من غرامشي ثم أبحث عن السودان داخل نظريته؛ أريد أن أصل إلى السؤال من التجربة السودانية نفسها.

فالذي حدث لاحقًا يضع أمامنا مفارقة يصعب تجاوزها: الحركة التي لم تحصل على أغلبية عبر الانتخابات استطاعت أن تحكم السودان ثلاثين عامًا، والحركة التي سيطرت على الدولة وبنت خلال تلك السنوات نفوذًا واسعًا داخل الجيش والأمن والحزب ومؤسسات الحكم لم تستطع، في النهاية، أن تمنع سقوط نظامها في أبريل ٢٠١٩.

ومع ذلك، لم تختف الحركة بسقوط البشير.

وهذه وحدها قصة أخرى.

لكن الوصول إليها يحتاج أولًا إلى فهم اللحظة التي تغير فيها موقع الإسلاميين داخل الدولة. وهي، في تقديري، ليست ٣٠ يونيو ١٩٨٩.

قبل الانقلاب باثني عشر عامًا جلس خصوم جعفر نميري معه في المصالحة الوطنية. دخلها الإسلاميون وهم قوة سياسية مطاردة، خرج بعضها من السجون والمنافي، وكانت قبل عام واحد جزءًا من محاولة مسلحة لإسقاط النظام.

بعد المصالحة أصبح الطريق إلى مؤسسات الدولة مفتوحًا أمامهم بصورة لم يعرفوها من قبل.

نتوقف هنا، وفي المقال القادم نصل إلى الجزء الثاني من هذه السلسلة: “المصالحة التي غيّرت كل شيء”، ونعود إلى عام ١٩٧٧ لنتتبع ما الذي فتحته المصالحة أمام الإسلاميين داخل دولة نميري. ومن هناك نقترب من المال والمصارف ومؤسسات الدولة، ومن التحول الذي سيغير طبيعة الحركة ومصادر قوتها في السنوات التالية.

zoolsaay@yahoo.com

Author
إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
عبد الخالق محجوب حفاظ مر وخلق وعر (28 يوليو 1971): عبد الله علي إبراهيم
منبر الرأي
الأستاذ الدكتور التجاني عبد القادر حامد (1951-2026): ماذا قالوا عنه بعد رحيله؟
منبر الرأي
التفكير الايجابي: تعريفه ومهاراته وأنماطه .. بقلم: د.صبري محمد خليل
منبر الرأي
كفاية !
منبر الرأي
جرحى ومصابي المشتركة يستغيثون… فلا مغيث!-05

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

عدمية فك الانسداد السياسي الحالي عبر الاحزاب السياسية وطبيعة البديل  .. بقلم: د. عمر خليفة 

طارق الجزولي
منبر الرأي

85 سنة على ميلاد عبد الخالق محجوب: اشتراكية عمر .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

خرتونا، ناس التلاتة ورقات! .. بقلم: عبد الله الشيخ

طارق الجزولي
منبر الرأي

بات من الواضح أن الثورة (عاوزه ليها ثورة تااااني): كفاية تخدير !! .. بقلم: الفاتح جبرا

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss