بسم الله الرحمن الرحيم
زورق الحقيقة
أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
تتشظّى جغرافية السودان وتتنازع فيها العواصم، يبحث السودانيون عن سؤالٍوجودي للدولة، هل ما يحدث اليوم هو انقسامٌ جديد، أم مجرّد عتمةٍ عابرة فيطريقٍ طويل نحو السلام؟ بين حكومةٍ تتخذ من نيالا مقرًا، وأخرى تتمركز فيبورتسودان وتحاول العودة للخرطوم، وبين مطارٍ يُفتح وآخر يُغلق وعملة تغير،يبقى الشعب السوداني هو الصوت الوحيد الذي لم يتغيّر؛ صوتٌ يبحث عنسلامٍ يعيد الطمأنينة، وعن حريةٍ تعيد للبلاد وجهها الذي تعرفه. نظرة منالمشهد السوداني بقراءة تستند إلى وقائع، وتستدلّ بتجارب دولٍ عاشت ازدواجالسلطة في نفس الدولة قبل أن تعود إلى وحدتها بعد غياب والى ايكتها بعد فراق.
تبدو البلاد اليوم وكأنها تسير على خطّين متوازيين؛ خطٌّ ترسمه حكومة الدعمالسريع الحميدتية بإعلانها مؤسسات مالية وإدارية جديدة، وخطٌّ آخر تحاولالحكومة البرهانية تثبيته بعد استعادة الخرطوم وفتح مطارها وطرقها وأحياءهاالتي تقطنها القطط. غير أن هذا التشظّي لا يُخفي حقيقةً أعمق، السودانيون،رغم الألم، ما زالوا يبحثون عن وطنٍ واحدٍ لا تُقسمه البنادق وطموحات الجنرالات. في الأسواق، في البيوت، في مخيمات النزوح، يتردّد سؤال واحد،متى يعود السلام والحرية؟ هذا التوق الشعبي هو ما يجعل الانقسام، مهما بداواقعيًا، فهل ندخل في سيناريو دولتين ام دولة واحدة بحكومتين كواقع ماثل امام ناظرينا الان.
هل ولد الانقسام من فراغ؛ فقد خرج من رحم تاريخٍ طويل من عسكرة السياسةوتسييس العسكر وسلسلة انقلابات. منذ عقود، كانت الدولة تُدار بأكثر من يد،وتُحكم بأكثر من رؤية ولها أكثر من جيش ومليشيا، حتى أصبح المركز هشًّاوالأطراف بعيدة. ومهمشة ومع كل حربٍ جديدة، كانت الخرطوم تفقد جزءًا منقدرتها على احتضان الجميع. لكن السودانيين، الذين خبروا الانقلابات والحروبوالانتقالات، يعرفون أن الحرية ليست هبةً من سلطة، بل حقٌّ ينتزعونه كلماضاقت عليهم البلاد. هذا الوعي المتراكم هو ما يجعلهم اليوم أكثر تمسّكًا بفكرةالدولة الواحدة وليس الدولة ذات الجنرال الواحد الحاكم بأمره والبندقية.
حين ننظر إلى تجارب دولٍ مثل ليبيا، أو الصومال، أو لبنان، نجد أن ازدواجالسلطة يبدأ دائمًا بانهيار المركز، ثم يتطور إلى مؤسسات موازية، قبل أنيتحول إلى واقعٍ سياسي طويل. لكن هذه الدول، رغم الانقسام، وجدت طريقًاللعودة عبر اتفاقات سياسية شاملة. الاستدلال بهذه التجارب لا يعني أنالسودان يسير حتمًا في الطريق ذاته، لكنه يوضح أن الانقسام ليس قدرًانهائيًا، وأن الشعوب التي تبحث عن السلام تستطيع إعادة بناء دولها مهما طالالزمن. فهل نستتطيع؟
السودان ليس ليبيا ولا الصومال، وله خصوصيته التي تجعل الانقسام صعبًارغم واقعيته. فالخرطوم لا تعتبر مجرد مدينة تحتصن النيل ويحتضنها، انها ذاكرة وطنية، ورمزٌ للهوية السودانية المتبعثرة وموكز السلطة والتسلط. كما أنالقوى المتصارعة لا تحمل مشروعًا انفصاليًا، بل مشروعين للسيطرة على الدولةنفسها وتلك هي المسألة. والأهم أن السودانيين، في كل مناطقهم، يرفضونفكرة التقسيم، ويتمسكون بحقهم في حريةٍ لا تُجزّأ وسلامٍ يشمل الجميع. هذاالوعي الشعبي هو ما يجعل الانقسام الحالي أقرب إلى “ازدواجٍ مؤقت” منهإلى انفصالٍ دائم إذا أحسنا إدارة الأمور السياسة وأوقفنا هذه الحرب الكريهةعبر عمل سياسي كبير من القوى المدنية السياسية بدل انقسامها بين طرفي الحرب.
تجارب الدول التي امتلكت حكومتين تُظهر أن العودة إلى الوحدة تبدأ من وقفالحرب، ثم إعادة بناء جيشٍ واحد، ثم صياغة عقدٍ سياسي جديد يضمنالحقوق والحريات. السودانيون اليوم لا يبحثون عن انتصار طرفٍ على آخر،وإنما يبحثون عن سلامٍ يعيد الحياة، وعن حريةٍ تفتح أبواب المستقبل. الطريقطويل، لكنه ليس مستحيلًا، وما دام الشعب متمسكًا بوطنه، فإن الدولة يمكن أنتُعاد بناؤها مهما تهدّمت. فهل يعقل الجنرلات ذلك؟
في هذا الزمن الصعب والزمن الغيهب، زمن القونات، زمن البرهان وحميدتيوكيكل والسافنا، يبدو السودان كقصيدةٍ لم تُكتمل بعد؛ تتنازعها الأصوات،لكنها تبحث عن قافيةٍ واحدة تجمعها. قد تتعدد الحكومات، وقد تتباعدالعواصم، لكن السودانيين ما زالوا يرفعون راية واحدة: السلام أولًا، والحريةدائمًا. وإذا كان التاريخ قد علّمهم شيئًا، فهو أن البلاد التي يحبّها أهلها لاتنقسم، بل تعود إليهم مهما طال الليل. فهل يأتي يوما نغني مع وردي وننشد أصبح الصبح لا السجن لا السجان باق.
